خليل الذوادى: على العرب إعلاء الحكمة لإنقاذ الشعوب من ويلات الصراعات المستمرة
البدر الشاطرى: تنافس المشاريع من أهم العوائق البنيوية والسياسية التى تمنع قيام مشروع عربى موحد
أحمد ميزاب: ضرورة تجاوز الشعارات إلى بناء كيان فاعل ينطلق من واقع الأمة ويدير الاختلاف لصالح المستقبل
عدنان منصور: علينا أن نضع خطة عربية شاملة بكل مفاهيمها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية لننهض بأمتنا
مع اقتراب الحروب التى اندلعت فى أعقاب السابع من أكتوبر من نهايتها، التى خلّفت وراءها دمارًا واسعًا وأعادت تشكيل ملامح المنطقة، يبرز تساؤل جوهرى يُلقى بظلاله على مستقبل العالم العربي: هل يمكن لهذه اللحظة الفارقة أن تمثّل فرصة حقيقية لبناء مشروع عربى جديد؟ مشروع يقوم على أسس راسخة من الوحدة والتضامن، وبمحددات عربية خالصة تهدف إلى تعزيز الاستقرار ونبذ الحروب، مع التركيز على مسارات التنمية الشاملة؟ وهل باتت الدول العربية قادرة على استخلاص الدروس المستفادة من هذه الحروب المدمرة وتحويلها إلى رافعة سياسية حقيقية تتيح لها بناء وتعزيز هذا المشروع المشترك الذى طالما حلمت به، أم أن عوامل التشرذم ستظل أقوى من دعوات التوحيد؟
يُحدثنا السفير خليل إبراهيم الذوادى، الأمين العام المساعد، رئيس قطاع الشئون العربية والأمن القومى بجامعة الدول العربية، عن تصوره فى هذا الإطار، مستشهدًا ببيت الشاعر الجاهلى زهير بن أبى سلمى: “وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، وما هو عنها بالحديث المرجّم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتَضرَ إذا ضَرّيتموها فتَضرم فتعرككم عَركَ الرّحى بثفالها وتُلقّحْ كَشّافاً ثم تُنتجْ فتُتْئم”. ويشير الذوادى إلى أن الشاعر زهير بن أبى سلمى حذّر قومه من الحرب حين كانت السيوف والخناجر والرماح هى أدواتها، وكان تأثيرها بالغًا على الناس والبلدان. فكيف بنا اليوم والحرب تستخدم فيها كل ألوان الفتك والتدمير والإبادة بوسائل لا تُبقى ولا تَذر؟ لقد أصبح ضررها بالغًا يطال الشعوب والأمم. ورغم التحذيرات والقوانين الدولية التى تتبناها المنظمات الدولية التى تنادى بحقوق الإنسان ونبذ الفرقة والتمزق، والحرص على إشاعة الأمن والاستقرار واتخاذ القانون الدولى والقانون الدولى الإنسانى أساسًا للعيش الآمن المستقر، إلا إننا لا نزال تحت تهديد السلاح الفتاك، وكأن البشرية لم تتعرض لما تعرضت له البلدان والشعوب. ويضيف قائلًا: لقد كثرت منظماتنا الدولية وتعددت اختصاصاتها، ولا تزال نذر الحرب تطال شعوبنا وأمنها واستقرارها، مؤكدًا أننا نحتاج فعلًا فى هذه الأيام إلى إعلاء صوت العقل وتحكيم العقول الراجحة التى تنادى بحرية الشعوب فى العيش الآمن، ونبذ الفرقة والتمزق، وإعلاء كلمة الحق والعيش الآمن المستقر للشعوب، وبالأخص تلك التى لا تعادى أحدًا ولا تضمر الحقد والحسد، وتنشد التوسع على حساب الشعوب والأمم المحبة للسلام. ويتساءل الذوادي: “فهل يرتفع صوت العقل وتترجح فى أفهامنا عين الحكمة والصواب، وأن خير الشعوب هو فى أمنها واستقرارها وعيشها الكريم؟”. ويتابع الذوادى: “لا نطلب المستحيل، لكن نطلب تحكيم الضمير والسعى للخير للأمم والشعوب. فكلنا بحاجة إلى بعضنا بعضًا، ولا يستقيم العالم إلا بالسلام والأمن والاستقرار، وهذا هو صوت العقل وعين الحكمة والصواب. عاشت بلادنا فى أمن وأمان، والدعوة أن يمن الله علينا بالاستقرار والمحبة ورعاية مصالحنا المشتركة لما فيه الخير للأمم والشعوب”. صراع المشاريع وحول مدى وجود فرصة فعلية لبناء مشروع عربى جديد فى هذه اللحظة، يرى الدكتور البدر الشاطرى، أستاذ السياسة والإستراتيجية فى كلية الدفاع الوطنى بالإمارات، أن هناك عدة مشاريع تتنازع فى المنطقة. ففى مرحلة ما بعد الحرب و”تقليم أظافر محور المقاومة” فى فلسطين ولبنان وإيران، تبرز الولايات المتحدة وإسرائيل بمشروعهما الخاص، وهو “السلام الإبراهيمي” لتطبيع العلاقات بين الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل. ورغم أن فكرة السلام بين العرب وإسرائيل مطروحة من قبل العرب أنفسهم منذ مبادرة الملك عبدالله التى تبنتها الجامعة العربية فى قمة بيروت عام 2002 تحت مسمى “المبادرة العربية”، إلا أن المفهوم الأمريكى - الإسرائيلى يختلف جوهريًا. فالمبادرة العربية تقوم على “الأرض مقابل السلام”، بينما المشروع الأمريكي-الإسرائيلى يقوم على “السلام مقابل السلام”. وأضاف فى هذا المشروع، ستمارس إسرائيل دورًا قياديًا، إن لم نقل دورًا مهيمنًا على الإقليم، لأنها تتمتع بدعم أمريكى غير محدود. وترى واشنطن فى إسرائيل “الآذان التى تسمع بها والعيون التى ترى بها المنطقة العربية”، وبطبيعة الحال، ستكون هناك ردة فعل، أولها محاولة محور المقاومة استعادة قدراته لمواجهة الوضع الجديد. وإذا لم يقم “محور الاعتدال” بمشروعه الإقليمى، فإن المنطقة ستكون منقسمة إلى قطبين رئيسين: الأول بقيادة إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، والقطب الثانى بقيادة إيران. ويشير إلى أن تركيا ستبقى خارج هذا الاستقطاب الإقليمى، لكن نفوذها على سوريا وموقعها الإستراتيجى سيمنحان أنقرة مدخلاً على المنطقة. ومع ذلك، فلا تستطيع تركيا بمفردها أن تشكل قطبًا ثالثًا، وقد تتحالف بعض دول الاعتدال مع تركيا لتشكيل هذا القطب الثالث فى المنطقة. كما ينبغى على الدول المعتدلة أن تبحث عن راعٍ دولى متمثل بالصين وروسيا. ويؤكد الشاطرى أن هناك تحديات عديدة تواجه المشروع العربى الموحد لأسباب بنيوية وأخرى سياسية. يتعلق السبب البنيوى بالتنافس بين الدول على النفوذ والقوة فى المنطقة، وهو ما يعتبر جزءًا من طبيعة الدول فى أى إقليم. وغياب القضية القومية. ففى الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، كان هناك تنافس، لكنه كان مقننًا ببنية الإقليم العربى، وكان هناك قضية جامعة (الوحدة العربية وفلسطين). أما بالنسبة للأسباب السياسية، يرى أن هناك تقاطعات بين الدول العربية، لكن يغيب عنها الرؤية الموحدة بسبب تنوع المصالح. كما أن طغيان النيوليبرالية الاقتصادية على الدول العربية وجه الترابط نحو المركز الاقتصادى المتقدم على حساب مشاريع التكامل الاقتصادى العربى. وحول طبيعة المشروع العربى الذى يمكن تصوره اليوم، وهل سيكون مشروع وحدة سياسية أم مجرد تعاون تنموى وإستراتيجى؟ يؤكد د. البدر الشاطرى أن دولة الإمارات طرحت أخيراً مشروعًا إقليميًا متكاملاً على لسان مساعد وزير الخارجية لانا نسيبة، يعد بالسلام والرخاء الاقتصادى لجميع دول المنطقة، بما فيها إيران وإسرائيل. وترى دولة الإمارات أنه لا يجب استثناء أية دولة من هذا النظام الإقليمى الجديد، مشيرًا إلى أنه رغم وجاهة ومنطقية المشروع الإماراتى، فإن هناك عقدتين أساسيتين. الأولى، يقدم المشروع حلاً للقضية الفلسطينية، يتمثل فى “التعايش السلمى بين دولة إسرائيل ودولة فلسطينية”. بطبيعة الحال، وتحت الظروف الحالية والحكومة الإسرائيلية الحالية المنتشية “بالنصر المبين”، لن تقبل إسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلة، بل إن الراعى (واشنطن) لمثل هذا المشروع قد يعترف بضم أجزاء من الأراضى المحتلة إلى إسرائيل. أما العقدة الثانية فهى إيران، التى فى ظل نظامها الحالى لن تقبل أن تكون جزءًا من محور تشترك فيه إسرائيل، فمعاداة الولايات المتحدة وإسرائيل مسألة “أنطولوجية” للنظام، والتطبيع أو أى نوع من العلاقات معهما يهدد كيان النظام نفسه. ويضيف: لكن إذا استطاعت الدول العربية حل هاتين العقدتين، فإن إمكانية نجاح المشروع الإماراتى واردة. ومع ذلك، لا يبدو فى الأفق مشروع نهضوى أو سياسى وإستراتيجى عربى قادم للأسباب التى ذكرها الشاطرى سابقًا. بل إن “الخوف كل الخوف أن يتزايد الترهل والتشرذم العربى مع أوضاع ما بعد الحرب”. ويشدد على أن المشروع العربى يجب أن يحاول لملمة والمحافظة على ما تبقى من النظام الإقليمى. وحول مدى ما تشكله الانقسامات الإقليمية (كمحور المقاومة فى مواجهة محور التطبيع) عائقًا أمام أى مشروع عربى جامع، يقول الشاطري: “لم يكن الإقليم موحدًا فى السابق، ويعود ذلك إلى التنافس بين الدول وغياب الرؤى المشتركة. كما أن المصالح متضاربة، وعلاقاته بالمركز الدولى - أى الدول الرأسمالية المتقدمة - أهم من علاقاته الإقليمية أو البينية مع الدول العربية. لن يكون توافقا إقليميا إلا بتغير طبيعة العلاقة بين الأطراف العربية ومركز النظام الدولى.” وعن حجم تأثير غياب آلية عربية فاعلة على فرص التنسيق أو الوحدة، يؤكد الشاطرى أن الجامعة العربية، شأنها شأن الأمم المتحدة، “مسيّرة بإرادة أعضائها.” وأن “قوة الجامعة العربية هى مرآة للحالة التى تسود العالم العربى.” ويشير إلى أن إصلاح مؤسسات العمل العربى المشترك مهم للحفاظ على ما تبقى من نظام إقليمى، وإلا “سيصبح النظام العربى الإقليمى هشيمًا تذروه الرياح”. وعما إذا كانت الصدمة التى خلفتها الحروب الأخيرة قد تخلق بيئة مناسبة للتفكير بمشروع استقرار وتنمية جماعى، يقول الشاطري: “الدول القوية ستستغل نتائج الحروب توظفها لمصلحتها، وليس أبلغ دليل على ذلك ما قاله مستشار ألمانيا إن الضربات الإسرائيلية على إيران هى “العمل القذر نيابة عنا’”، أى الغرب. ولأن القوة معادلة صفرية، فإن تقويض قوة دول المنطقة يعنى زيادة فى قوة الآخرين من خارج المنطقة”. وعن أهمية العودة لفكرة إنشاء قوة دفاع عربى مشترك إلى الواجهة فى هذه الآونة للحفاظ على الأمن القومى العربى، يشير إلى أن هذا الموضوع يتطلب إرادة عربية كبيرة. “لأن التسليح لكثير من الدول العربية مصدره غربى. ولتشكيل قوة دفاع عربى على غرار الناتو يتطلب موافقة الدول المصدرة للسلاح. ولن تسمح هذه الدول التى تصدر السلاح باستخدامه لتحقيق توازن إستراتيجى مع إسرائيل، ناهيك عن الدخول فى حرب مع إسرائيل. تكتل يدير الاختلاف بينما يؤكد الدكتور أحمد ميزاب، الخبير والمختص فى القضايا الأمنية والإستراتيجية بالجزائر، أن الحديث عن بناء مشروع عربى جديد لا يعنى بأية حال تجاوز جامعة الدول العربية أو التشكيك فى شرعيتها ودورها. بل يندرج هذا الطرح فى سياق مكمل يهدف إلى تعزيز الرؤية العربية المشتركة، وتفعيل أدوات أكثر مرونة واستجابة، تواكب طبيعة التحولات الراهنة. فالجامعة تظل الإطار الجامع، لكن الحاجة إلى نواة فاعلة ومبادرات نوعية لا تتناقض معها، بل تدعمها من منطق العمل الموازى القادر على التحرك السريع واتخاذ القرار الفعلى. ويوضح أن التحولات التى شهدتها المنطقة بعد السابع من أكتوبر لا تمثل مجرد لحظة صراع عابر، بل فتحت المجال أمام المنطقة العربية لإعادة التفكير فى موقعها ومهامها ضمن نظام إقليمى ودولى سريع التحول. فما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة، بل “محطة اختبار” حقيقية. لم تعد الأولوية تقتصر على إدارة الأزمات، بل تجاوزتها نحو إنتاج توازن عربى جديد ينطلق من داخل هذه التحولات، لا على هامشها. هذا التوازن لا يُبنى على مجرد ردود الأفعال، بل يتطلب تصورًا إستراتيجيًا يحدد بوضوح: ما الذى نريده كعرب؟ كيف نحقق مصالحنا المشتركة ضمن بيئة متغيرة؟ وكيف نُفَعِّل إرادتنا الجماعية بشكل منظم وفعال؟ ويؤكد ميزاب أن السؤال الحقيقى الذى يفرض نفسه اليوم لم يعد: “كيف نواجه التحديات؟” بل “كيف نصوغ لأنفسنا موقعًا فاعلاً من داخلها؟” فالمشهد الإقليمى اليوم يضع العالم العربى أمام مفترق حقيقى. الأحداث المتسارعة لم تكتفِ بكشف مكامن الخلل، بل أعادت ترتيب أولويات الفعل السياسى والأمنى والاقتصادى فى المنطقة. ويرى أن الواقع الراهن قد أفرز خمس حقائق لا يمكن تجاهلها. أولاً: لم تعد المواقف تُقاس بالتصريحات أو البيانات، بل بما تُحدثه من أثر إستراتيجى على الأرض. ثانيًا: الفاعلون غير العرب يتحركون بخفة، ينسجون التحالفات، ويملأون الفراغات، ويصوغون المبادرات التى تغيّر التوازنات. ثالثًا: الدول العربية أبدت مرونة لافتة فى التعاطى مع المستجدات، لكنها افتقرت إلى رؤية موحدة أو مشروع طويل المدى يحوّل هذه المرونة إلى سياسة مستدامة. رابعًا: هشاشة النظام العربى لم تعد ناتجة فقط عن التباين فى المواقف، بل عن غياب التصميم المؤسسى القادر على تحويل الاتفاق الظرفى إلى بنية دائمة. خامسًا: رغم ذلك، برزت قابليات جديدة للتنسيق، ومساحات حقيقية للتلاقى، ورغبة أولية فى العمل المشترك. ويشدد على أن هذه المؤشرات لا تعنى الفشل، بل تكشف عن مرحلة انتقالية مفتوحة على الاحتمالات، والسؤال المطروح اليوم هو: “من يملك القدرة على قيادتها؟” فالمطلوب اليوم ليس المزيد من التعليقات، بل من يتقدم بالفعل المنظم والرؤية الواعية، مشيرًا إلى أن المطلوب اليوم ليس إعادة تكرار مفاهيم الوحدة التى استنفدت أدواتها، بل بناء تكتل عربى سيادى واقعى يعترف بالتنوع القائم بين الدول، لكنه يعيد تنظيم المصالح المشتركة ضمن تصور عقلانى وفاعل. هذا المشروع لا يستند إلى الشعارات، بل إلى منطق “التحالف السيادى الطوعي”، حيث تلتقى الدول القادرة والراغبة على قاعدة احترام استقلالية القرار الوطنى، مع القدرة على إدارة التباينات تحت مظلة إستراتيجية موحدة. ويؤكد أن الانطلاق لا يكون من الأمن التقليدى فحسب، بل من إدراك أن القوة اليوم تُبنى فى الاقتصاد، فى الفضاء الرقمى، فى التحكم بالموارد، وفى الاستثمار الذكى بالجغرافيا السياسية للعالم العربى. ولبناء هذا المشروع، يقترح الدكتور ميزاب خمسة مرتكزات عملية تتمثل فى إعادة تعريف الأمن العربى المشترك:حيث لم يعد الأمن محصورًا فى السلاح والحدود، بل يشمل أمن المياه، أمن الغذاء، الأمن الرقمى، وأمن الاقتصاد. فأى اختلال فى هذه المجالات يُضعف مناعة الدولة ويعرقل أى مشروع تكاملى، علاوة على تأسيس هيئة عربية مصغرة للتنسيق الاستراتيج: ى تضم الدول التى تمتلك الإرادة والقدرة، وتصمم آليات مرنة للتحرك المشترك، سواء فى إدارة الأزمات أو فى بناء المبادرات، وإطلاق بنك سيادى عربى للتنمية والتحول التكنولوجى فلا حاجة لتمويل مشروط أو مساعدات ظرفية، بل لاستثمار إستراتيجى يُموّل المشاريع ذات الأولوية فى مجالات التحول الرقمى، والطاقات الجديدة، والأمن الغذائى، ومن المهم بناء عقد إعلامى جديد:يخرج الإعلام العربى من منطق التعبئة اللحظية إلى منطق السردية العاقلة، العميقة، القادرة على تشكيل رأى عام واعٍ، وتعزيز صورة العرب كقوة مسئولة لا مجرد طرف فى صراع، وخامس هذه المرتكزات وضع خارطة طريق للاستثمار العربى - العربى تربط مشاريع السيادة بالفرص الاقتصادية، وتحوّل الثروات إلى أدوات تفاوض حقيقية فى النظام الدولى، دون وساطة أو تبعية. مؤكدًا أنه بهذه الركائز، يمكن للعرب أن يخرجوا من دائرة التفاعل السلبى مع الأحداث، إلى دائرة الفعل المنتج، برؤية تحفظ السيادة وتستثمر فى المستقبل. فما بعد غزة ليس امتدادًا لما قبلها؛ المنطقة تغيرت، وتوازناتها اهتزت، والخطابات السائدة لم تعد كافية لتفسير الواقع أو التأثير فيه. المشهد العربى اليوم يقف أمام مفترق حاد: “إما أن نكتفى بترميم ما تكسّر بمنطق الماضى، عبر استدعاء نفس الآليات والأدوات التى لم تصمد أمام التحولات، أو نُنتج عقلاً إستراتيجيًا جديدًا، ينطلق من الداخل العربى، ويشتغل ضمن منطق الدولة الوطنية، دون أن يكون رهينة حدودها الضيقة”. ويرى أن المطلوب ليس انتظار توافق شامل، بل تشكيل نواة صلبة من الدول القادرة والراغبة، تتحرك بفاعلية، وتضع الأساس لتوازن جديد. هذه النواة لا تحتاج إلى إذن، بل إلى رؤية، ولا تنتظر الإجماع، بل تصنع النتائج التى تُقنع الآخرين بالالتحاق بها. “المرحلة لم تعد تحتمل الحذر أو التأجيل. هى لحظة تأسيس، تتطلب تصميمًا هادئًا، وتحركًا محسوبًا، ورؤية تُدير الاختلاف لا تتجاوزه”، مؤكدًا أن الخلاصة التى تفرضها المعطيات واضحة ومباشرة: “العرب لا تنقصهم الموارد ولا الإمكانات، ولا حتى النخب الواعية. وما ينقص هو وجود تصميم مؤسسى عقلانى، ينطلق من الواقع، يتجاوز الاصطفافات، ويتحرك بثقة نحو المستقبل.” فما بعد هذه الحروب ليس لحظة ندم، ولا وقتًا لمجرد الإدانة. “إنه زمن التأسيس، والتفكير بهدوء، والعمل بحسم. فإما أن نتحرك نحن، أو نسمح لغيرنا أن يرسم حدود حركتنا، ويصوغ خرائطنا كما يشاء”. فرصة غير متاحة ويقول عدنان منصور، وزير الخارجية اللبنانى الأسبق: “من الصعب الحديث اليوم عن فرصة لبناء مشروع عربى جديد، مؤكداً أن المشروع العربى الموحد يجب أن يتفق فى الهدف ويتصف برؤية واضحة فى معالجة أمور وقضايا الأمة العربية الحساسة، وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، إذا كانت القضية الفلسطينية هى القضية المركزية الأساسية التى اعتبرها العرب على مدى القرارات التى كانت تصدر عن القمم العربية ومؤتمرات وزراء الخارجية أنها القضية المركزية، هل يمكن أن نقول اليوم إن القضية الفلسطينية هى القضية المركزية للعالم العربي؟ كيف يمكن إيجاد صيغة موحدة لهذه المسألة؟”.
وأكد قائلاً: “يجب على كل عربى أن يعرف التحديات التى تواجه هذه الأمة، وعليه أن يعرف ما الذى يجب علينا فعله. لدينا إمكانات كبيرة: الإمكانات الاقتصادية، والإمكانات الاقتصادية والعسكرية، والطاقة والمالية، وكل شيء. هل يعقل أن العالم العربى كأهم مركز جغرافى إستراتيجى فى العالم كله يمتد من المحيط إلى الخليج، وتعداده 500 مليون نسمة، وبما لديه من إمكانات هائلة من النفط والغاز ومن ثروات طبيعية وبشرية، اليوم ليس لديه قرار موحد، وعلى هامش التطور العالمى.
وقال منصور: “للأسف الشديد، الواقع العربى الحالى مرير. فكيف يمكن أمام الأحداث التى تحدث داخل الدول العربية، سواء أكان فى العراق أو سوريا أو لبنان أو فلسطين أو فى ليبيا أو اليمن أو السودان، وفى ظل عدم الاستقرار أن نبنى مشروعاً عربيًا مشتركاً، ففى ضوء التدخلات فى شئون الدول العربية، لا نستطيع أن نتفق. هذا هو الواقع المر”.
وأضاف: “أمام التحولات العالمية الحالية، نجد دولاً فى العالم تخطو خطوات هائلة نحو التقدم والتنمية، لنأخذ مثلاً فيتنام التى دُمرت أثناء الحرب، هى اليوم من القوى الاقتصادية النادرة فى العالم، عندما تصدر فى عام واحد للولايات المتحدة 164 مليار دولار، لذلك فرض عليها الرئيس الأمريكى ترامب رسوماً جمركية خمسين فى المائة، فكل دول العالم تطورت بينما نحن نكاد نغرق فى مستنقع الصراعات والخلافات،
واستطرد: “لذلك، الخلافات العربية، وصراعات المذهبية، والطائفية، عمل عليها الغرب من أجل تفتيت هذه المنطقة. لقد قُسمت المنطقة بسايكس بيكو عام 1916، والآن يُعاد تقسيمها من جديد. والعدو إسرائيل موجود وهو يهدد المنطقة ويريد أن يستولى وأن يدير الشرق الأوسط بأكمله، هذا ما يحدث اليوم عندما يقول وزير المالية الإسرائيلى سموتريتش بكل وقاحة على إسرائيل أن تضم لبنان والأردن بالكامل وأجزاء من سوريا والعراق والسعودية. أين نحن من هذه التصريحات؟ يجب أن نعمل من أجل وقف هذا الانهيار ووقف هذا الزحف الإسرائيلى ووقف العدوان الإسرائيلى على العالم العربي؟ هل الدول الكبرى تريد الخير لشعوبنا؟ وأى اتفاقات إبراهيمية سلام إبراهيمي؟ أين هو؟ الحديث أنه يعنى هذا السلام الإبراهيمى هو سلام الأمر الواقع، سلام فى خدمة العدو الإسرائيلى وليس فى خدمة الشعوب العربية، إذن لا بد أن هناك خطراً إسرائيلياً، وهناك أطماع غربية فى الثروات العربية، وهناك هيمنة خارجية لا يريدون لأية دولة عربية أن تمتلك قرارها السياسى والاقتصادى والعسكرى المستقل.
ويضيف منصور لنفهم ذلك، بكل وضوح هم لا يريدون لهذا العالم العربى أن ينمو ويتطور. فكلما أرادت دولة أن تنهض، تُقصف وتُدمر، وجدنا كيف حدث ذلك فى العراق وفى سوريا ولبنان واليمن. وتالياً لن تكون هناك دولة بمعزل عن هذا الهجوم الغربى الإسرائيلى.
واختتم منصور حديثه، قائلا: اليوم، علينا إعادة دراسة تاريخنا ووضعنا وحالنا من جديد، لنعرف ما الذى نريد أن نفعله، وما الذى لا نريد أن نفعله. ولكن بالشعارات والمجاملات لا يمكن أن نحقق شيئاً، ولا بالقرارات ولا بالبيانات ولا بالإدانات ولا بالتصريحات ولا بأى شيء، علينا أن نضع خطة عربية شاملة فى كل مفاهيمها الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، عندئذ نستطيع أن ننهض بهذه الأمة.