ثقافة



ظهرت مع اكتشاف الإنسان الخوف.. روايات الرعب أدب درجة ثانية

19-7-2025 | 22:40
عزمى عبد الوهاب

لا أحد يعرف متى بدأت كتابة أدب الرعب، لكن كثيرين يعتقدون أن بذرته الأولى نمت مع اكتشاف الإنسان الخوف بداخله، وجاءت الأساطير القديمة لتحتوى على قصص، تهدف إلى إثارة الشعور بالخوف لدى القارئ.
ويتفق كثيرون على أن هذا النوع من الأدب، لم يتخذ شكله الحالى إلا فى بداية القرن الثامن عشر ونهاية القرن التاسع عشر، كانت القصص تنقل أجواء مرعبة، تدور أحداثها فى القلاع القديمة، وكان الاهتمام بالبرق والرعد، وتحرك الشخوص على أضواء الشموع، مناخا عاما يحتوى على هذه الكتابات. 
حاز  هذا النوع من القصص شعبية واسعة، ولا تكاد تخلو مكتبة شرقية أو غربية من روايات الرعب، بعد أن قدم الكتاب العرب اقتراحاتهم فى هذا الاتجاه، وباتت تلك الروايات وجبة أساسية لدى القراء، الذين يحبون مصاحبة الأشباح والإقامة فى بيوت مسكونة بالعفاريت، ويطلقون على هذا النوع من الكتابة «الماورائيات. «
فتحت سلسلة «ما وراء الطبيعة» الباب واسعا أمام سيل من هذه الكتابات العربية، التى تعتمد على التشويق، دون اعتناء باللغة أو البناء الروائي، وكان التليفزيون كفيلا بنقل مثل هذه الكتابات إلى مرحلة أخرى، حين عمل فى الفترة الأخيرة على روايات أحمد خالد توفيق.
 وتلقى هذه الكتابات شعبية كبيرة فى أوساط القراء، حتى إن الشباب كانوا يطلقون على أحمد خالد توفيق لقب «العراب» وقبل رحيله عن الحياة كان يمكنك أن تلمس تأثيرات هذا الكاتب فى الشباب، الذين يقفون فى طوابير بمعرض القاهرة للكتاب، للحصول على توقيعه، وهى الظاهرة التى امتدت فيما بعد على يد كتاب آخرين.
الأب الشرعي
يعتبر «إدجار آلان بو» هو الأب الشرعى لهذا النوع من الكتابة على المستوى العالمي، وقد قال عنه شارل بودلير: «ما من أحد حكى بأكثر من هذا السحر» كما أن دستويفسكى كتب يوما: «إن بو، على الدوام، يختار تقريبا الحقيقة الأكثر استثناء، يضع شخصيته فى الموقف الأكثر استثناء، على الصعيد الخارجى أو السيكولوجي».
لإدجار آلان بو قصة عنوانها «اندحار منزل أوشر» حيث يصل السارد إلى المنزل، مدعوا من طرف صديقه «رودريك أوشر» الذى يلتمس منه أن يبقى معه بعض الوقت.
«رودريك» كائن مرهف الحساسية، عصبي، ويحب أخته، المريضة مرضا فتاكا، والتى تموت بعد بضعة أيام، وبدلا من أن يواريها الصديقان التراب، يضعان جثمانها داخل سرداب من سراديب المنزل.
 تمر بعض الأيام، وذات مساء عاصف، وبما أن الرجلين يوجدان فى غرفة يقرأ فيها السارد بصوت عال قصة فروسية قديمة، إذا بالأصوات الموصوفة فى الوقائع تبدو كأنها رجع للأصوات المسموعة فى المنزل، وفى النهاية ينهض «رودريك أوشر» ويقول بصوت لا يكاد يسمع: «لقد وضعناها حية فى القبر».
وإذا بالباب ينفتح، والأخت تنتصب على العتبة، يرتمى الأخ والأخت فى أحضان بعضهما، ويهويان هالكين، فيهرب السارد من المنزل فى اللحظة المناسبة، الذى يتهاوى فى المستنقع المجاور.
 فى كتابه «مدخل إلى الأدب العجائبي» الذى ترجمه إلى العربية «الصديق بو علام» يحلل الناقد الفرنسى «تودوروف هذه القصة بأن للغريب هنا منبعين: الأول متشكل من مصادفات (فهناك منها مثل ما فى قصة فوق - طبيعى مفسر) هكذا يمكن أن يظهر انبعاث الأخت وانهيار المنزل بعد هلاك ساكنيه فوق - طبيعيين، لكن «بو» لا يغفل تفسير هذا الحدث أو ذاك عقلانيا.
يكتب عن المنزل: «لعل عين ملاحظ دقيق كانت ستكتشف شقا لا يكاد يستبين، يبدأ من سقف الواجهة، ويفتح طريقا متعرجا عبر الجدار، وكان يمتد إلى أن يضيع فى مياه المستنقع».
ويرى أن فى «اندحار منزل أوشر» ما يربك روع القارئ، هو الحالة المرضية للأخ والأخت، فى مكان آخر ستكون مشاهد فظاظة الالتذاذ بالشر والجريمة، تؤدى الدور نفسه، فالشعور بالغرابة ينطلق إذن من الموضوعات المذكورة.
 
ميثاق مع الشيطان
 الموضوعات التى يعالجها هذا النوع من الأدب: «الأشباح الحديثة - الشيطان وحلفاؤه - الحياة فوق الطبيعة» وهناك أيضا: مصاصو الدماء، الشبح العائد، الذئب، الساحرات والسحر، الشبح الحيواني، الأجزاء المنفصلة من الجسم البشري، اضطرابات الشخصية.
 هناك من يقدم تصنيفا أكثر تفصيلا فى موضوعات مثل: الميثاق مع الشيطان ومثاله فاوست، الروح المعذبة التى تقتضى تحقق فعلا معينا كما تحقق راحتها، الشبح المحكوم عليه بسباق غير منظم وأبدى، ومثاله «شبح الموت الأحمر» لإدجار آلان بو.
يجب قراءة رواية عادية لبلزاك مثلا، من البداية إلى النهاية، لكن إذا قرأ الإنسان بدافع نزوة ما، الفصل الخامس قبل الرابع فى رواية عجائبية، فإن الخسارة لن تكون بنفس الضخامة، من هنا فإن القراءة الأولى والثانية للحكاية، تخلق انطباعا مختلفا (أكثر مما هو عليه بالنسبة لجنس آخر من الحكي) وتصبح القراءة الثانية لا محالة ما وراء - قراءة، ميتا قراءة، أو قراءة واصفة.
كما أن الحكى ليس وحده الذى يؤكد زمن التلقى أو الإدراك فى الأثر الأدبي، فالرواية البوليسية ذات اللغز تشدد عليه أكثر، وطالما أن هناك حقيقة يتعين اكتشافها، فإننا نكون بإزاء سلسلة صارمة لا يمكن تبديل أدنى حلقاتها، ولهذا السبب بالذات لا نعاود قراءة الروايات البوليسية.
يقول بلانشو: «إن الفن يكون حقيقيا بما يكفى لجعله سبيلا، ولا واقعيا أكثر لكى يتحول إلى حاجز أن الفن هو «كأن» (أداة تشبيه) معينة، لكن «خاصية الخطاب الأدبى هى أن يذهب إلى الما وراء، الأدب مثل سلاح فتاك بواسطته تحقق اللغة انتحارها».
كان القرن التاسع عشر يحيا فى ميتافيزيقا الواقعى والمتخيل، ولم يكن الأدب إلا الوعى السيئ لهذا القرن، لكن اليوم لم يعد بمقدور الإنسان أن يعتقد بواقع مستقر خارجي، ولا بأدب ما هو إلا نسخ لهذا الواقع.
فى الأخير يمكن تعريف «العجائبي» بأنه يتميز باقتحام موضوع أو شيء غير مألوف لحقل الواقعي، المشوش أولا، ثم المحول إلى الأساطير التى يثيرها العصر الوسيط، بواسطة العجيب، وسرعان ما انتشر العجائبى فى الأدب الغربي، واتخذ شكل التخييل العلمى فيما بعد، كما أنه يلهم فن السينما بكثرة.
هناك ثلاثة شروط لتلقى مثل هذا النمط من الكتابة: أن يحمل النص القارئ على اعتبار عالم الشخصيات، بوصفه عالم شخوص حية، وعلى التردد بين تفسير طبيعى وتفسير فوق طبيعى للأحداث المدوية، ثم يتوحد القارئ مع الشخصية.
 
أصبح بعد موته من أكبر الأدباء شعبية وتأثيرا.. إدجار آلان بو.. حياة قصيرة ومأساة طويلة
 
اشتهر «إدجار آلان بو» بكتاباته فى الرعب؛ حيث الغموض والشر والظلام، حياته فى حد ذاتها بؤس متواصل، هجره أبوه، وماتت أمه.. أدمن الخمر بعد وفاة زوجته، ومات فى الأربعين، وعُثر على جثته ملقاة فى الطريق، ولا يزال الغموض يحيط بسر موته؛ فجميع سجلاته الطبية اختفت بشكل مريب.
ولد «إدجار آلان بو» فى بوسطن فى 19 يناير 1809 كان أبوه وأمه يعملان ممثلين، وهجر الأب زوجته تاركا إياها تكافح الفقر وحدها، فماتت بالسل، والإخوة لا يزالون أطفالا، تكفل بهم بعض أصدقاء الأسرة، وكان من نصيب بو أن تبنته السيدة جون آلان وزوجها عامل التبغ، واقتضت مصالح الأسرة أن يسافر الجميع إلى إنجلترا، فأقاموا فيها من سنة 1815 إلى 1820 لكن الأسرة عادت إلى أمريكا، بسبب الأزمة المالية والمرض.
كانت العودة فاتحة حياة أليمة لإدجار، فقد غدا رب الأسرة قاسيا عليه، ينتقده كثيرا، ويضن عليه بالنفقات، لكنه عندما بلغ السادسة عشرة، وعندما أحس بقلة المال فى يديه، أخذ يقامر فى يأس مع زملائه الطلاب، وخسر، وتراكمت عليه الديون، ولما ضاقت به الحياة، أبحر إلى بوسطن، وهناك التقى صاحب مطبعة «شاب»، نشر له أولى قصائده، وكان يوقعها آنذاك باسم «البوسطني» ثم التحق بالجيش الأمريكي.
فى سنة 1829 نشر مجموعته الثانية «الأعراف» وبعد عامين نشر مجموعة ثالثة مقدمة إلى طلاب الكلية الحربية الأمريكية، لكن الطلاب امتعضوا من قصائدها، واضطر أن يلجأ إلى عمته فى بيتها الصغير الواقع فى بالتيمور، وهنا شاطر أخاه المريض بالسل المعيشة فى غرفة حقيرة، وكانت عمته ذاتها تعانى الفقر الشديد وضيق ذات اليد.
بلغ الخامسة والعشرين، وأصبح الأدب مهنته التى يعتاش منها، ودفعته عاداته الشاذة إلى الهاوية، فقد وظيفته فى إحدى المجلات، وهو فى أوج شهرته، وفى تلك الأثناء سقطت زوجته بداء السل، ونشر قصيدته الشهيرة «الغراب» وذاع صيته بعدها، ونصحه الأطباء بأن يبتعد عن الإدمان، الذى يعرض دماغه إلى خطر حقيقي.
 وحل اليوم المشئوم حين عاد إلى بالتيمور، وكانت المدينة منهكة من الانتخابات البلدية والشوارع تغص بالأغراب، وفى ثانى يوم من الانتخابات عثر عليه، وهو مستلقٍ على مقعد فى الشارع؛ حيث مات بعد أيام قلائل.
حين مضت مئة عام على وفاته صدرت أول ترجمة عربية لمجموعته القصصية القصيرة «القط الأسود» على يدى «نجاتى صدقي» (صدرت الطبعة الأولى فى بيروت عام 1954 وأعادت دار المحروسة فى مصر طباعتها أخيرا) وتحمل القصص طابعاً عقلياً فريداً من نوعه، فتبدو للقارئ تشاؤمية، فى حين أنها تعمد إلى تصوير أحاسيس المرء وتخيلاته القائمة، ولاندفاع الكاتب فى هذا التيار أسباب تكمن فى نفسه منذ أن فتح عينيه فى هذا العالم، فقد حرم من أبويه وهو لا يزال فى سنى الطفولة.
بدأ حياته شاعراً، لكنه لم يجد ما يستحقه من تشجيع، ولم يدر عليه الشعر دخلاً، فانصرف إلى فن القصة، فكتب نحو 70 قصة، ما بين قصيرة وطويلة، حملت فى طياتها مدرسة خاصة، وعبدت الطرق أمام كتّاب القصة القصيرة فى العالم قاطبة.
«إدجار آلان بو» أستاذ بارع فى قصص الرعب والجنون والجريمة والموت، وهو يهز مشاعر قارئه بشكل مثير، لكنه غريب عن الطبيعة البشرية فى جوهرها، وكان فى حياته مناضلاً من أجل الحقيقة والعدل والشرف، حياته قصة رجل جاء إلى عالم تتزاحم فيه أشباح البؤس والألم بالمناكب، وقد خرج منه فاقد الأعصاب، فاقد الوعي، لكنه ترك ثروة قصصية وشعرية، جعلته فى مصاف الخالدين.
الحياة القصيرة البائسة التى عاشها، كانت موسومة بالفقر والاضطراب والنشاط الإبداعى المحموم، ومع هذا عانى طويلا، وأصبح بعد موته واحداً من أكبر الأدباء شعبية وتأثيرا.
كان بو، قد عين «جيرسوولد» منفذا لوصيته الأدبية، وبعد رحيله بيومين فقط، نشر هذا الوصى مقالاً عن «بو» مليئاً بالأكاذيب، وقام بعد ذلك بتحويل المقال إلى كتاب، ادعى فيه حصوله على خطابات من «بو» قام بنشرها فى الكتاب، كان الأثر السيئ الذى تركه «جيرسوولد» كبيرا، لدرجة أنه استطاع تشويه صورة «بو» لمدة قرن كامل حتى صدرت أول سيرة موضوعية تحلل حياة بو وتلقى الضوء على أعماله.
ظلت شخصية «بو» أسطورية إلى حد كبير، بسبب التطرف الذى لجأ إليه سواء من مهاجميه أم مؤيديه، وقد ساعدت الحياة المتقلبة التى عاشها على تأكيد هذه السمة الأسطورية، فهو لم يكن شاعراً فقط، إنما فيلسوف ورسام وموسيقي.
كان تجسيداً لكل العبقريات الرومانتيكية الممتزجة باعتداد النفس والثقافة الموسوعية الخاصة بكل ما هو قديم، حيث وصفه الشاعر الفرنسى بودلير قائلا: «لقد اجتاز هذا الرجل قمم الفن الوعرة، واكتشف طرقاً وأشكالاً مجهولة، يدهش بها الخيال، ويروى العقول الظامئة للجمال، حيث كان بو يعانى من دافع داخلى ملح للاستطلاع والتنقيب كان يحثه على الدوام إلى التماس خبرات جديدة».
لم يكن إنتاجه الشعرى غزيرا، لكنه كان متميزا، كما نرى فى قصائده، وقد برزت قدراته الفائقة على استخدام الصورة والإيقاع، كان إحساسه بجماليات الشكل الفنى حاداً، لدرجة أنه قام بمراجعة قصيدة «الغراب» ست عشرة مرة وعمل على تأكيد، أن الصوت لا ينفصل أبداً عن المعنى.
لم يكن «بو» يهتم كثيراً بالمضمون الفلسفي، كما فعل ويتمان، بل ركز كل مهاراته فى خلق الحالة النفسية التى تحتوى القارئ تماماً، وتمضى به على أجنحة الموسيقى إلى عالم ينتمى إلى دنيا الأحلام والرؤى وأحيانا الكوابيس.
كان يعتقد أن الشعر قادر على تخليص روح الإنسان من براثن هذه الأرض، وليس الأدب سوى محاولة الإنسان لاستعادة قدرته على فهم وإدراك هذا العالم، من خلال الرؤى والأحلام والأطياف التى تصل به إلى الجمال الأزلى الذى لا يخضع لمعايير الحياة اليومية الجافة، أما التركيز على الوعظ الأخلاقى فليس من مهمة الشاعر، بل إن بو يربأ بالشاعر أن يصور تجارب الحياة اليومية للناس.
أثبت «بو» جدارته الدراسية عندما التحق بجامعة فرجينيا، التى أحرز فيها تقديرات عالية، لكنه لم يستمر فيها لأكثر من عام، لأنه توقف عن دفع المصاريف، وفى عام 1827 نشر ديوانه الأول، ولم يكن تجاوز الثامنة عشر من عمره وفى عام 1829 نشر ديوانه الثاني، ولم تجلب له أشعاره الشهرة إلى أن نشر أول قصة له بعنوان «رسالة وجدت فى زجاجة» وعندما جمع الكثير من قصصه فى مجلدين، بعنوان «حكايات الخيال والفراغ» كانت شهرته قد طبقت الآفاق، لكن أحواله الاقتصادية ظلت سيئة.
 خيم البؤس على حياة الشاعر بموت زوجته عام 1847 بمرض الدرن، وكان آنذاك يكتب قصيدته الشهيرة «الغراب» الذى يرمز إلى خوفه من الموت والجنون، وتدهورت صحته حتى إنه لم يستطع أن يكتب بيديه.
 وحين ماتت زوجته عجز عن دفنها، لولا أن الجيران تبرعوا بدفع نفقات الدفن، وفى ذلك الصباح كان يرقد فى فراشه مصابا بالحمى، وأخذت الهواجس والرؤى المخيفة تساوره، حتى إنه حاول الانتحار ذات مساء، لكنهم تمكنوا من إنقاذه فى اللحظة الأخيرة، وظل يعيش فى عالم الأشباح، شاردا غريبا، واختفى خمسة أيام كاملة، حتى عثرت عليه الشرطة ملقى على الرصيف فى مدينة بالتيمور.
تم نقله إلى مصحة، وهو فى أشد حالات اضطرابه النفسى ومرضه العقلي، وبعد يوم واحد من دخوله المصحة فارق الحياة، وهو يردد فى ألم: «يا إلهى أنقذ روحى من هذا العذاب».
كان فى حالة مزرية، ويرتدى ملابس لا تخصه، حين تعرف إليه أحد الصحفيين، ونقله إلى المستشفى، لكنه مات وحيدا، بعد أربعة أيام، فى السابع من أكتوبر عام 1849، ولم يعلم أقاربه بموته إلا من الصحف.
 
لم تر النور فى حياة مارى شيلي.. مؤلفة «فرانكشتاين» تعثر على روايتها الضائعة 
 
ابتدعت الكاتبة الإنجليزية مارى شيلى (30 أغسطس 1797 – 1 فبراير 1851) شخصية فرانكشتاين سنة 1818ومع أنها كاتبة مهمة، فقد عاشت فى ظل زوجها الشاعر الكبير «شيلي» وتوفيت فى لندن، بعد أن قامت بجمع وتقديم مؤلفاته.
 كانت عائلتها قد تعرفت إلى الشاعر اللورد بايرون  فى سويسرا، ونشأت بينهما صداقة، وبتشجيع منه ومن زوجها بدأت مارى كتابة أولى رواياتها، وأهمها «فرانكشتاين أو بروميثيوس الحديث».
تنتمى الرواية إلى الأدب القوطي، الذى يعالج الكاتب فيه موضوعات غرائبية وما وراء الطبيعة، فى عالم الأحلام والأشباح والأرواح، ومع ذلك كانت مارى على علاقة وطيدة بأسس الحركة الرومانسية.
تحكى الرواية قصة العالم السويسرى فرانكشتاين، الذى يصنع شخصا من أشلاء متفرقة، ويكون الناتج فى منتهى البشاعة، إلا أنه يتمتع بصفات الإنسان، بل يتجاوزها إلى حد الكراهية لصانعه، ما يقودهما إلى الهلاك.
لا تزال هذه الرواية، التى تتميز بالعديد من خصائص أدب الخيال العلمي، من أكثر الروايات رواجا، ونقلت إلى شاشة السينما أكثر من مرة، وكان التفكير فيها قد بدأ حين كانت أسرة شيلى وبيرون تقضى الصيف على ضفاف بحيرات سويسرا، وأثناء قراءة قصص الرعب الألمانية، اقترح بايرون أن يقوم كل واحد منهم بكتابة قصة عن الأرواح الشريرة.
تعرف الجمهور للمرة الأولى على أعمال مارى شيلى من خلال النسخة المسرحية لفرانكشتاين فى عام 1823 ثم من خلال النسخ السينمائية، ومنها النسخة السينمائية الأولى فى 1910 وعلى مدار القرن التاسع عشر، كان ينظر لمارى شيلى على أنها مؤلفة، نجحت بسبب عمل واحد، لا ككاتبة محترفة، حتى إن أعمالها لم تنتشر إلا خلال الثلاثين عاما الماضية، وهذا أدى إلى تجاهل الكثير من إنجازاتها.
 أصدر مركز المحروسة للنشر رواية «ماتيلدا» لمارى شيلي، من ترجمة عماد منصور، وهى الرواية الأهم بعد «فرانكشتاين» ويشترك النصان فى العديد من السمات، فكلاهما يتناول هجران الأب، وكلاهما يمثل إضافة إلى الأسلوب القوطي، عبر مواضيع مثل السفاح والجنون والميل إلى الانتحار والعزلة، واختلاق المسوخ، لكن «ماتيلدا» تختلف فى حكاية نشرها العجيبة والمعقدة، فهناك 140 سنة تفصل بين كتابتها ونشرها.
بدأت شيلى كتابة «ماتيلدا» فى أغسطس سنة 1819 تحت عنوان أصلى هو «حقول الخيال»، ثم أنهت مسودتها الأولى بعد ما يزيد على شهر بقليل من بداية كتابتها، جاءت هذه الشهور فى أثناء فترة عصيبة جدا من حياتها، فخلال العام نفسه عانت شيلى من موت اثنين من أطفالها، وفى اليوميات التى أشارت فيها إلى البدء فى كتابة الرواية كتبت: «إذا انمحت كل الأحداث، التى وقعت فى السنوات الخمس قد أكون سعيدة».
لاحقا ذكرت شيلى أن كتابتها كانت لها آثار علاجية عليها، بعد موت الشاعر شيلى زوجها كتبت: «قبل أن أكتب ماتيلدا كنت غارقة فى اليأس، كان الإلهام كافيا لقمع أى بؤس مؤقتا، لكن الآن لا أجد أى راحة» كان أول من قرأ الرواية صديقة زوجها، التى قالت إن الرواية «مثيرة للاهتمام على نحو استثنائى وصادقة بلا أى حيل خادعة».
أبدى جودوين والد مارى امتعاضه من الرواية، وجد أن موضوعات الرواية حول السفاح والانتحار «كريهة ومثيرة للامتعاض» وأعتقد أن «القراء سيتعذبون من لحظة إلى أخرى، بسبب خوفهم من سقوط البطلة بين لحظة وأخرى».
 على نحو مثير للحزن، لم تر الرواية النور فى حياة مارى شيلي، التى جاهدت لاسترجاع المخطوطة من جودوين، وبعد موت زوجها الشاعر فقدت الاهتمام بالأمر، ربما بسبب اكتئابها أو حاجتها إلى نشر مادة جديدة لإعاشة نفسها وطفلها.
 لم تسترجع «ماتيلدا» فى أثناء حياة جودوين أو مؤلفتها مارى شيلى أو صديقة الشاعر، إلى أن قامت باحثة إنجليزية باستخراج المخطوطة من الأوراق الكثيرة، ونشرتها عام 1953 وكتبت: «فى هذه القصة كما فى جميع كتابات مارى شيلي، هناك الكثير مما يعتبر سيرة ذاتية، يصعب أن نجد كتابا أكثر كشفا عن الذات من هذه الرواية».
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام