مقالات



وللإنسانِ أثر

26-7-2025 | 14:26
د.عمرو بسطويسى

تموج حيواتُ الناسِ صعوداً ونزولاً، علواً وانحداراً، وتتأرجح بين سعادةٍ وحزن، وبين نجاحاتٍ وإخفاقات‪،‬ ويظل بنو الإنسان يتقلّبون هكذا فى هذه الدوّامة، لا يستقرّ لهم حالٌ، ولا تسكن لهم روحٌ، حتى تحين ساعة الرحيل‪،‬ تلك الساعة الثابتة، الراسخة، التى لا تتأخر ولا تتقدّم، تنتظرنا بصبرٍ لا ينفذ‪،‬ تلك الساعة هى النقيض الحتمى لساعة الميلاد، ساعة اللحظة البهيّة التى نستقبل فيها أولى أنفاسنا فى هذه الحياة‪.‬

هكذا هى الدنيا، تقع بين نقطتين ثابتتين لا فرار منهما: ساعة الوصول وساعة الرحيل‪،‬ وبين هاتين النقطتين، نُمنح فرصةً ثمينةً لا تتكرر. فرصةٌ إسمها «الحياة»، ‬حياةٌ قد تطول أو تقصر، قد تُزهر أو تذبل، لكنّها، فى النهاية، لا تخرج عن مسافةٍ واقعة بين الميلاد والموت‪.‬. وكلُّ يومٍ نعيشه هو اقترابٌ جديد من النقطة الثانية، وكلُّ عامٍ نحتفل فيه بعيد ميلادنا هو فى حقيقته احتفال بالقرب من نقطة النهاية عاماً بعد عام‪.‬
غير أن العبرة ليست بطول العمر، بل بعمقه، ولا بكثرة الأيام، بل بما تُثمره تلك الأيام من أثرٍ طيب يُبقى للمرء شيئًا من حضوره بعد رحيله، فمن أدرك فلسفة الحياة والموت، علِم أن عبورَه فى هذه الدنيا لا يجب أن يكون عبورَ الظل، ولا أن يكون مروره، مرور العابر المجهول، بل عليه أن يحرص، ما استطاع، أن يزرع خيراً، أو ينشر علماً، أو يربّى ذريةً صالحة، أو يُقيم عدلاً، أو يُنقذ نفساً، أو يُلهم عقلًا، أو يواسى قلباً‪.‬
فالأثر لا يُقاس بحجم الإنجازات الصاخبة وحدها، بل يُقاس بصدق النوايا، وبجمال السيرة، وبتلك اللمسات التى تُداوى ولا تراها العيون‪.‬
وقد رأينا، نحن أبناء هذه الحياة، كيف أن بعض الناس يرحلون كأنهم لم يكونوا، لا يُذكَرون، ولا يُفتقَدون، لأنهم لم يتركوا أثراً‪.‬
بينما هناك آخرون، عند رحيلهم، تضجّ الأرض من حولهم بالحزن، ويشعر الناس أن شيئًا ثميناً قد غاب، وأن فراغًا كبيراً قد تَشكَّل، فراغٌ لا يسده أحد‪،‬ هؤلاء هم الذين عاشوا بقلوبهم قبل أن يعيشوا بأجسادهم، وأحسنوا فى حياتهم حتى استحقّوا أن يُحسِن إليهم الناس عند موتهم‪.‬
وقد خُيِّل إلى وأنا أُشارك فى وداع قريبى الراحل، الدكتور مجدى عمر، أستاذ طب الأطفال بجامعة الإسكندرية، والطبيب الفاضل الماهر، أن رحيله لم يكن نهايةً، بل كان لحظةَ إعلانٍ عن بداية أخرى: بداية خلود الأثر‪.‬
لقد عاش الطبيب الفقيد عمره فى خدمة الناس، وأحسن كما لم يحسن غيره، علماً وتربيةً وخلقاً، وها هو يتركنا والجميع يشهد له، لا بفضله العلمى فقط، بل بإنسانيته الرفيعة، ودماثة خلقه، ونقاء سريرته. ضجت المجالس وصفحات التواصل بذكراه الطيبة، وذكريات كل من عرفه، كيف عالج فلذات أكبادهم دون كلل ولا ملل وكيف أحسن إليهم دون مقابل‪.‬
لم يكن فقط طبيباً للأطفال، بل كان أباً روحياً لكل من حوله، يُجالس طلابه بتواضع، ويواسى مرضاه بلُطف، ويستقبل الناس بوجهٍ بشوش‪.‬
لقد صدق فيه القول: «من عاش لنفسه عاش صغيراً، ومات صغيراً، ومن عاش لغيره عاش كبيراً، ومات عظيماً».‪ ‬
إن فقدَ الأحِبّة يفتح نوافذ كثيرة للتأمل، ويعلّمنا ألّا نؤجل الخير، وألّا نكتم الكلمة الطيبة، وألّا نضنُّ بالحنان على من حولنا‪،‬ فالحياة قصيرة مهما طالت، لن تدوم لنا ولن ندوم لها، ولا يدوم فيها إلا ما زرعناه فى قلوب الآخرين من أثر طيب‪،‬ وكم من بسمةٍ عابرة كانت أثقل فى الميزان من سنواتٍ من الصمت، وكم من لحظةِ صدقٍ كانت أبلغ من خُطبٍ رنانة‪.‬
فلنحرص أن نترك خلفنا أثراً طيباً، لا يفنى بفنائنا، أثراً لا يعلو بالشهرة، بل بالصدق، لا بالصوت العالي، بل بالنور الذى يسبقنا ويظل من بعدنا‪.‬
فلنصل الأرحام بيننا كلما إستطعنا الى ذلك سبيلاً، فلا تعلم نفسٌ متى تغادر وترحل‪.‬
فلنغرس فى طريق الحياة ما نستطيع من بذور الرحمة والمعرفة والخير، لعلنا إذا رحلنا، قال الناس عنا: «رحل عنا، لكنه باقٍ بيننا بما ترك».
فلنترك طيب الأثر‪.‬

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام