النقطة البارزة بتلك النظرية، أن منع الأحزاب السياسية من الاشتراك أو إبداء رأيها فى تلك المداولات، حتى لا تدخل المصالح والنفعية الذاتية بحيز تلك البيئة، وعند الاتفاق على مجموعة مبادئ تمت مناقشتها وتحليلها بتدقيق فاحص، واعتمادها كمبادئ مجتمعية أو منظومة تعاون منصفة ستطبق على الجميع.
تلك هى نظرية العدالة حيث يدرك الجميع بشكل واضح، أنه ليس باستطاعتهم تحقيق ما يودون دون التعاون مع الآخرين كمبدأ جماعى، وأن الخير للآخرين هو أيضا خير لهم.
من هنا يأتى الإنصاف والمساواة بمفهومهما الواسع الأصلى وقواعدهما السلوكية الثابتة المحترمة، لأن اتباع الجميع لتلك القواعد يمنع أى فرد من المجتمع، من انتزاع مكسبه الخاص على حساب الآخر، لتتسع تلك الفكرة الأساسية وتشمل تلقائيا العالم كله من حولنا فى الاستدامة البيئية مثلا، حيث يمكننا الحفاظ على مواردنا الطبيعية، ونلبى احتياجتنا دون المساس بحقوق الأجيال التى تلينا وهكذا. هذا أيضا ما يمكنه أن يقدم نوعا من أنواع الحصانة ضد دول قوية بعينها، من أن تفرض سيطرتها على دول أقل منها اقتصاديا، ومن جهة أخرى توقف ادعاءات مظلة حقوق الإنسان التى يتخذونها كغطاء ظل ملازما لتحركات القوة الاستعمارية، ومازال منذ سنين كحجة مؤثرة للهيمنة على موارد ومقدرات الدول فى شكل منفعة أحادية الجانب، وهنا تتضارب المواقف ما بين مزاعم حقوق الإنسان والمصالح ليتضح الزيف، حين تحافظ تلك القوة الغربية على حقوق الإنسان لشعوبها فقط، وبرغم أن كل البشر بالعالم متساوون، فإننا لسنا تحت تلك المظلة، فلا حقوق لإزالة شبح الفقر! ولا حقوق للشعوب فى الاحتفاظ بأرضهم، ولا حقوق فى صنع أغذية ودواء فاسد وسام يفرض علينا.
والحقيقة الواضحة أن عباءة الظلم والاستبداد الغربى أطلت على الجميع، فكان التناقض ما بين الإعلان والواقع حادا حقا، وللأسف ينادى الكثيرون من العلماء والمفكرين والفلاسفة والكتاب بكل سابق تلك الحقوق الإنسانية المسلوبة عمدا ولكن بمزيد من التضليل يتم تغييبها لتصبح مجرد رسم خط على الرمال سرعان ما يلبث أن يزول. وليس من الصعب أو المستحيل النهوض مرة أخرى ومحاولة إقامة حقوق سياسية، مدنية، اجتماعية واقتصادية فى إطار أخلاقى بالضغط لإحداث فارق وتشريعات جديدة تكون للإنسانية فيها مكانة تعلو فوق أى مصلحة، والمساواة بين كل الشعوب فى حقوقهم وحرياتهم مهما عظم الاختلاف. لابد ألا نيأس أبدًا للحالة الثابتة لضيق الأفق لتلك الحكومة العالمية الجديدة، كسمة واضحة بكل انعكاساتها، بل كل ذلك يدعونا لتقديم المزيد من الآراء والمقترحات والحجج الظاهرة، لتلك القيم الضيقة التى تقوم على نقيض الأخلاق والفضائل، ونقدم ما يثبت من تجارب معاصرة للشعوب المقهورة، التى وقعت فريسة للفوضى والفقر والجوع.
إن الإصغاء لكل تلك الأصوات، التى قد تبدو بعيدة، هو جزء من استدعاء مظالم الشعوب، سيجعلنا نعيد النظر فى أفهامنا وآرائنا المرتبطة، بتجارب وتقاليد بلدان أخرى لا تمثل واقعنا أو ثقافتنا.. نحن الآن أمام قضية ليست بالبسيطة، قضية لابد أن تعلو فيها أصوات كل البشر، التى كانت طوال عقود محل تجاهل لهؤلاء القابعين بدول الغرب لنتحدث بقوة أكبر، لنطرح هموم أثقالنا، لأن حيوات الكثيرين بيد تلك القوة الغربية، تلعب بها بإحكام وبشكل من أشكال الجحود والاستعباد والإهانة.
إن السعى لعودة العدل الأخلاقى، هو فى الحقيقة سعى لعودة الطبيعة البشرية لماهيتها الأصلية، لا يمكن أن نكون مجرد كائنات عاجزة عن الشعور بالتعاطف لمعاناة الآخرين وآلامهم، أو غير قادرين على النقاش والحوار العقلانى المجرد من المصالح والأنانية. لن نستطيع التصدى إلا بقراءة أوسع لقدرات البشر على الاختيار وإحساسهم بالمسئولية. لابد أن نؤمن بأن أفكار وأصوات ملايين البشر مساهمة مهمة بحد ذاتها لأنها صوت الجميع.