حياة الناس



بلغت مرحلة التهديد الوجودى بسبب الحرارة المرتفعة.. أوروبا فى طريقها للذوبان

26-7-2025 | 14:56
⢴ ميرفت فهد

2300 أوروبى يلقون حتفهم بسبب موجة هى الأسوأ على الإطلاق
خسائر أوروبا من موجات الحرارة خلال الـ 30 عاما الماضية بلغ 4.2 تريليون دولار
المبانى والبنى التحتية فى أوروبا غير مؤهلة للحرارة العالية ما يجعل ظروف الحياة أصعب من غيرها إيطاليا وإسبانيا واليونان
تتصدر قائمة الدول الأكثر تضرراً

موجة حرارة غير مسبوقة، تعرضت لها عدة دول فى جنوب أوروبا، ومازالت مستمرة، سجلت درجات حرارة مرتفعة لم تشهدها من قبل فرنسا وامتدت من البلقان إلى إنجلترا، وبناء على ذلك أجرى عدد من الباحثين بالكلية الإمبراطورية فى لندن، وكلية لندن للطب الاستوائى دراسة كشفت عن أن تغير المناخ فائق التصورات فى موجة الحرارة التى استمرت من 23 يونيو، إلى 2 يوليو، فى تلك البلاد بنسبة تراوحت ما بين 2 إلى 4 درجة مئوية.

أدى حرق الإنسان للوقود الأحفورى مباشرة، إلى وفاة ما لا يقل عن نحو 2300 شخص، فى موجة الحرارة الأوروبية عبر 12 مدينة أوروبية، بما فى ذلك لندن وباريس وبرشلونة وروما، وفقا لدراسة الكلية الإمبراطورية لندن وكلية لندن للطب الاستوائى، وقالت الدراسة إن حوالى 1500 حالة وفاة، يمكن أن يعزى إلى ظاهرة الاحتباس الحرارى 88%، منهم كانوا أكثر من 65 عاما.
وأخذ العلماء الوفيات المقدرة لموجة الحرارة، وقارنوها بالوفيات المتوقعة فى موجة حرارة عبر محاكاة كمبيوتر، تعتمد على عالم بدون ظاهرة الاحتباس الحرارى من صنع الإنسان، على الرغم من أنها ليست دراسة راجعها النظراء، فإنها تستخدم طرقا مراجعة النظراء للوصول إلى استنتاجاتها.

القاتل الصامت
ويقول جارى كونستانتينوديس، وهو عالم حيوى فى كلية إمبريال ومؤلف مشارك للدراسة، فى رسالة فيديو ترافق البحث: “لا تترك موجات الحرارة تدميرا مثل حرائق الغابات أو العواصف، هذا هو السبب فى أن موجات الحرارة المرتفعة تعرف باسم “القاتل الصامت”، تحدث معظم الوفيات الموجية الحرارية فى المنازل والمستشفيات، ونادراً ما يتم الإبلاغ عنها”.
الدراسة الجديدة هى أول تحليل “فى الوقت الفعلى”، من نوعه، يذهب الأمر أبعد من التقييمات المعتادة، لتأثيرات الأرصاد الجوية للموجات الحرارية، وبدلا من ذلك ينظر إلى الخسائر الأكثر صعوبة على الحياة البشرية، وحذرت الدراسة من أن درجات الحرارة ستبقى فى الارتفاع، ومن المرجح أن تكون رسوم الموت فى المستقبل أعلى، حتى يتوقف العالم إلى حد كبير عن حرق الزيت والغاز، والفحم ويصل إلى صافى انبعاثات صفر “.

كما وصف أكشاى ديوراس، عالم الأبحاث بجامعة القراءة فى إنجلترا الأساليب المستخدمة فى الدراسة بأنها “تقنيات قوية لا تترك أى شك أن تغير المناخ هو بالفعل قوة مميتة فى أوروبا”، وقال ديوراس فى بيان: فى الماضى، كانت موجات الحرارة مثل قلب الفرن لفترة قصيرة، ولكن مع تغير المناخ، يبدو الأمر كما لو أننا وضعنا الفرن بشكل دائم على درجة حرارة أعلى، يتطلب الأمر أقل بكثير للوصول إلى مستويات خطيرة من الحرارة التى يمكن أن تكون قاتلة”.

غير مؤهلة
وفى بيان، أشاد ريتشارد آلان، أستاذ علوم المناخ بـ “تحليل الطب الشرعى الذى يجمع بين الملاحظات والمحاكاة والبيانات الصحية”، ومع ذلك، حتى بدون هذه البيانات، من الواضح وحسب خطوط الأدلة المتعددة أنه عندما تولد الظروف الجوية موجات حرارة، تصبح أكثر كثافة، مما يعنى أن درجات الحرارة تصبح أعلى وغير مسبوقة .
من الجدير بالذكر، أنه لم يتم إنشاء جزء كبير من البنية التحتية فى أوروبا لاستيعاب درجات حرارة أعلى، المبانى ذات الجدران السميكة ونقص تكييف الهواء، والتى لم تكن ضرورية من الناحية التاريخية تجعل الظروف المثيرة أكثر لا تطاق.

الأكثر تضررًا
وتندرج ثلاث دول أعضاء فى الاتحاد الأوروبى فى أسوأ 10 دول متضررة من موجات الحرارة المرتفعة خلال فترة زمنية مدتها 30 عاما مع عشرات الآلاف من الوفيات والخسائر الاقتصادية الهائلة من الأحداث المناخية، وهى إيطاليا وإسبانيا واليونان خلال فترة الثلاثين عاما، كانت إيطاليا خامس أسوأ بلد متأثر فى العالم. وشهدت نحو 38000 حالة وفاة ونحو 60 مليار دولار (57.8 مليار يورو) فى الخسائر الاقتصادية من الطقس القاسى بين عامى 1993 و2022.  
وحسب بيانات وتقارير “جيرمان ووتش” وهى منظمة غير ربحية وغير حكومية مقرها فى بون، ألمانيا، كان ملحوظا فى عام 2022 “الارتفاع الكبير فى أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، والأضرار الناجمة عن الجفاف وحرائق الغابات وانخفاض الإنتاجية الزراعية وتلف البنية التحتية والضغط على الخدمات الصحية وشبكات الطاقة.
كما أن الفيضانات الغزيرة على طول نهر بو تسبب فى أضرار واسعة فى عامى 1994 و2000.
بينما جاءت اليونان فى الترتيب السابع بين أكثر الدول المتأثرة بارتفاع درجات الحرارة، ويرجع ذلك أساسا إلى عدد الوفيات النسبية، إذ فقد هناك نحو 34 ألف شخص حياتهم بين عامى 1993 و2022، حيث وصلت الحرارة الشديدة فى مدينة فثيوتس فى عام 2022، إلى 42.1 درجة مئوية. وتعتبر حرائق الغابات  تهديدا متكررا يؤثر على سبل العيش ويتسبب فى أضرار زراعية شديدة.
وقد بلغ إجمالى الخسائر الاقتصادية أكثر من 7 مليارات دولار (6.7 مليار يورو) خلال الـ30 سنة الماضية.
كما جاءت إسبانيا أيضا فى مرتبة متقدمة بسبب عدد الوفيات الناتجة عن الطقس القاسى المرتبط بالمناخ، حيث لقى نحو 27 ألف حتفهم بسبب ارتافع درجات الحرارة، حسبما تشير تقارير “جيرمان ووتش” حيث شهدت البلاد من عام 1993 إلى عام 2022، العديد من موجات الحرارة الشديدة، مما أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة تقدر بنحو 25 مليار دولار، بسبب الجفاف وحرائق الغابات فى عام 1999، والفيضانات الكبيرة فى عام 2019.

موجة 2022
موجة الحرارة الشديدة التى تشهدها أوروبا هذا العام ليست الأولى، فقد تم تصنيف موجة عام 2022 بأنها الأسوأ على الإطلاق، إذ شهدت موجة حرارة “مستمرة عالية للغاية” جميع الدول الأوروبية كانت السبب الرئيسى للوفيات وقتها.
ويقول الخبراء فى برنامج مراقبة الأرض فى الاتحاد الأوروبى، إن صيف عام 2022 الأسوء فى تاريخ أوروبا منذ عام 1950، وهو ما تسبب فى الجفاف الشديد وحرائق الغابات المنتشر عبر أجزاء كبيرة من القارة. وذكر مرصد الجفاف الأوروبى إنه كان أسوأ جفاف خلال 500 عام.

تهديد وجودى
ويمثل الاحترار العالمى تهديدا وجوديا للاتحاد الأوروبى. وقد تعاونت خدمة الاستخبارات الفيدرالية فى ألمانيا مع الباحثين ووزارة الخارجية فى البلاد لتقييم أول تقييم من نوعه للمخاطر التى يطرحها تغير المناخ للأمن الألمانى والأوروبى على مدار الخمسة عشر عاما المقبلة. يوضح التقرير أن آثار زعزعة الاستقرار فى المناخ، ستؤدى إلى زيادة الهجرة وأسعار المواد الغذائية والاضطرابات الاقتصادية والسياسية فى أوروبا. ويحذر المؤلفون أيضا من أن التأثير غير المتكافئ لدرجات الحرارة المتزايدة فى الاتحاد الأوروبى - مع البلدان الجنوبية التى تضرب سوءا من غيرها - يخاطر بتمزيق الكتلة.
ويؤكد التقرير على أن الدول الأعضاء جنوب الاتحاد الأوروبى، على وجه الخصوص، لن تعانى من خسائر اقتصادية شديدة بسبب تأثيرات المناخ لكنها ستشعر أيضا بعواقب عدم الاستقرار السياسى فى محيطها الجغرافى، كما قد تضعف التوترات الناتجة عن الأعباء الموزعة بشكل غير متكافئ التماسك داخل الاتحاد الأوروبى وكذلك قدرته على التصرف وقابليتها فى المستقبل.

خسائر اقتصادية
ومع وجود سبعة من البلدان العشرة الأكثر تضررا فى عام 2022 التى تنتمى إلى المجموعة الريفية ذات الدخل المرتفع، يسلط التقرير الضوء على الحاجة لجميع الدول لزيادة إدارة مخاطر المناخ. إذ يجب أن تدرك البلدان ذات الدخل المرتفع والعالى الانبعاثات الإلحاح المتمثل فى تسريع جهود التخفيف. على مدار الثلاثين عاما الماضية، فإن الخسائر التى بلغ مجموعها 4.2 تريليون دولار (4.02 تريليون يورو) تعادل تقريبا إجمالى الناتج المحلى بأكمله فى ألمانيا. ويشير التقرير إلى أنه من مصلحة البلدان ذات الدخل المرتفع والعالى الانبعاثات إلى زيادة إجراء التخفيف بما فى ذلك تقديم مساهمات جديدة محددة على المستوى الوطنى تتماشى مع الحفاظ على الاحتباس الحرارى أقل من 1.5 درجة مئوية.

خطط وتدابير 2030
وقد طورت الدول الأوروبية إستراتيجيات وسياسات وطنية وتدابير مصاحبة لتخفيف التأثيرات الخطيرة للتغير المناخى، وتشمل على سبيل المثال تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة فى القطاعات الرئيسية للاقتصاد، وتتعزز استخدام الطاقة المتجددة والوقود منخفض الكربون وتحسينات فى كفاءة الطاقة فى المبانى. ففى عام 2023، ولأول مرة، أبلغت الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبى عن سياسات وتدابير المناخ والطاقة الوطنية المتكاملة، وزاد عدد السياسات والتدابير الوطنية التى أبلغت عنها تلك الدول بنسبة 14% بين 2021 و2023. وبشكل عام لا يرتبط عدد السياسات والتدابير الفردية للدولة الأعضاء بالضرورة بمستوى طموحها، ومع ذلك، من أجل تحقيق هدف الاتحاد الأوروبى بخفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول عام 2030، هناك حاجة إلى إجراءات مناخية إضافية، ومزيد من تعزيز وتنفيذ سياسات وتدابير جديدة.

الجدير ذكره، أن معظم تدابير التخفيف من تغير المناخ المبلغ عنها فى عام 2023 هى أدوات اقتصادية (على سبيل المثال، الإعانات أو التعريفة الجمركية للتغذية) أو اللوائح (على سبيل المثال، معايير كفاءة الطاقة) التى تستهدف بشكل أساسى انبعاثات غازات الدفيوم المرتبطة بالطاقة والنقل.

كما أبلغت الدول الأوروبية عن أكثر من 3000 سياسة وتدابير لتحقيق أهداف تخفيف وتغير المناخ مثل انبعاثات غازات الدفيئة مما ينتج عنه طاقة تجارية إضافية قابلة للتجديد أو تقليل استهلاك الطاقة الكلى فى الطاقة. ووفقا للتحليل الأخير لـلمنطقة الاقتصادية الأوروبية EEA، من المتوقع أن تقدم السياسات والتدابير الحالية انخفاضا بنسبة 43% فى انبعاثات الغازات الدفيئة بحلول عام 2030 مقارنة بعام 1990.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام