د. آصف ملحم: يمتد هذا المشروع بشكل موازٍ لخط فك الاشتباك الموقع عام 1974 بين دمشق وتل أبيب
د. عبد المنعم حلاوة: «ممر داود» يعزز مفهوما إسرائيليا يعرف بـ «إستراتيجية الأطراف» د. خليل أبو كرش: «صوفا 53» جزء من إستراتيجية إسرائيلية مرتبطة بالتمدد خارج الحدود وسط صمت كامل لا يسمع سوى صوت الجرافات الإسرائيلية التى تتحرك داخل عمق الجنوب السورى، وتحت أنظار قوات «الأندوف» الأممية، لتكمل رسم ملامح مشروع عسكرى يُعرف باسم «صوفا 53»، ضاربة بذلك جميع المواثيق الدولية بعرض الحائط. ما هو مشروع «صوفا 53»؟
«صوفا 53»، هو مشروع عسكرى شرعت إسرائيل منذ عام 2022، أى قبل عامين من سقوط النظام السورى، السابق، بتنفيذه فى عمق الجنوب السورى تحديداً ريف محافظة القنيطرة، حيث يمتد مسار المشروع من منطقة أم العظام والقحطانية، مروراً بالحميدية وجباتا الخشب، وصولاً إلى بلدة حَضَر ومنحدرات جبل الشيخ، وذلك فى إطار إستراتيجية إسرائيلية تقول إنها تهدف لإنشاء طريق عسكرى تحصينى فى المنطقة العازلة، تحسُّباً لأى تهديداتٍ محتملة على حدودها مع سوريا.
ويصل عمق الممر أو الطريق العسكرى داخل الأراضى السورية من كيلو متر واحد إلى كيلو مترين، وهو محاط بخنادق وسواتر ترابية، بارتفاع خمسة إلى سبعة أمتار، إلى جانب إنشاء نقاط مراقبة، تمتد إلى مسافةٍ تقارب كيلومتر واحد.
وفى آخر التحركات الإسرائيلية لتنفيذ مشروع «صوفا 53»، نشر المرصد السورى لحقوق الإنسان، أخيرا، مجموعة صور توثّق استمرار الجرافات الإسرائيلية فى تنفيذ عمليات الحفر والتجريف جنوب قرية الحميدية بريف القنيطرة، موضحاً أن المشروع يسعى لربط بعض النقاط والقواعد العسكرية الإسرائيلية، المنتشرة على امتداد الشريط الحدودى، بما يضمن حرية حركة الآليات العسكرية، والوحدات القتالية الإسرائيلية ضمن الأراضى السورية.
وكانت القوات الإسرائيلية، قد ثبتت داخل الأراضى السورية بالقرب من الحدود الواصلة معها، لافتة مؤرخة بتاريخ 8 يناير 2022، وتحتوى على عبارة «طريق صوفا 53 منطقة محظورة». مشاريع إسرائيلية أخرى
لا يعد «صوفا 53» المشروع الإسرائيلى الوحيد فى سوريا، وإنما يكثر الحديث أيضاً فى الأوساط الإعلامية والسياسية والعسكرية الإسرائيلية حول مشروع «ممر داوود»، الذى يراه بعض المراقبين خطوة أولى وأحد الأدوات لتحقيق ما يُعرف بمشروع «إسرائيل الكبرى».
ويهدف مشروع «ممر داوود» الإسرائيلى إلى إنشاء ممر برى إستراتيجى يمتد من مرتفعات الجولان السورى المحتل، مروراً بجنوب وشمال سوريا، وصولاً إلى إقليم كردستان فى العراق، وبحسب متابعين، تسعى إسرائيل من خلال هذا المشروع إلى تعزيز نفوذها الجيوسياسى والاقتصادى فى المنطقة، عبر ربط مناطق نفوذ جديدة بخطوط إمداد ومصالح اقتصادية تتصل مباشرة بالأسواق العالمية.
ويصف الدكتور عبد المنعم حلاوة، المتخصص فى شئون الشرق الأوسط، مشروع «ممر داود»، بأنه ذو خلفية لاهوتية، تربطه إسرائيل بسرديات تاريخية تتعلق بديمومة الدولة العبرية. ووفقاً لحلاوة، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلى يرى فى هذا المشروع وسيلة لتجاوز ما يُعتقد أنه لعنة تاريخية، بعدم استمرار أى كيان يهودى لأكثر من 80 عاماً.
ويرى، أن المشروع، فى حال تنفيذه، قد يمنح إسرائيل امتداداً جغرافياً يربطها مباشرة بمناطق فى العراق وسوريا ولبنان، وصولاً إلى المتوسط، مما يتقاطع مع المصالح الإيرانية فى إنشاء ما يُعرف بـ«الهلال الشيعى»، واعتبر أن «ممر داوود» سيعزز مفهوماً إسرائيلياً يُعرف بـ«إستراتيجية الأطراف»، حيث يسعى إلى كسب ولاءات فى المناطق الحدودية البعيدة عن المراكز السياسية، لا سيما بين المكونات المحلية مثل الدروز فى الجنوب السورى والعشائر فى الشرق السورى وغرب العراق.
بينما يرى المحلل السياسى والباحث فى الشأن الإسرائيلي، الدكتور خليل أبو كرش، أن مشروع «صوفا 53» ليس مجرد ممر عسكرى مؤقت، إنما هو جزء من إستراتيجية إسرائيلية مرتبطة بالتمدد خارج الحدود لحماية الحدود، موضحاً أن إسرائيل تسعى منذ سقوط نظام الأسد إلى تغيير الواقع الأمنى على حدودها الشمالية مع سوريا ولبنان بالقوة العسكرية.
وأضاف أبو كرش، أن إنشاء هكذا نوع من الممرات تترافق معه عمليات هدم للمنازل وتجريف للأحراش، وهذا دليل على أن إسرائيل تسعى لتغيير طبيعة الجغرافيا فى الجنوب السورى وتفتيتها، رغم أن هذه الممارسات انتهاك للشرعية الدولية ويتعارض بشكل أساسى مع إمكانية أن يكون هناك سلام حقيقى بين سوريا وإسرائيل فى المستقبل.
ويؤكد، أن هناك تواطؤا عالميا تجاه ممارسات إسرائيل، فيقول: إسرائيل دولة خارج إطار القانون الدولى، رئيس وزرائها ووزير الجيش السابق متهمان أمام محكمة الجنائية الدولية بجرائم حرب، ولكن دون محاسبة فعلية، والسبب أن هناك قوة دولية كبرى ترعى وتحمى إسرائيل وهى أمريكا، تمنع أى إدانة لإسرائيل فى الهيئات والمنظمات الدولية. ممر تحصينى أم تفكيك للجنوب السورى؟
وبالعودة إلى مشروع «صوفا 53»، قدم الدكتور آصف ملحم، مدير مركز «جى إس إم» للأبحاث والدراسات، قراءة تفصيلية حول المشروع موضحاً أنه وفق التوصيف الهندسى سيمتد هذا المشروع بشكل موازٍ لخط فك الاشتباك الموقع عام 1974 بين دمشق وتل أبيب.
وتابع ملحم قائلاً: أعمال الحفر والتجريف تتم فى القرى التالية التابعة لمحافظة القنيطرة: حضر، جباثا الخشب، بئر عجم، بريقة، كودنا، العشة، ومن غير الواضح حتى هذه اللحظة هل ستستكمل إسرائيل أعمالها إلى الجنوب نحو الحدود الأردنية، لكن لو تأملنا التموضع الجغرافى لهذه القرى نراها تقع على امتداد الطرق الأساسية التى تتجه نحو ريف دمشق الجنوبى والجنوبى الغربى.
وأضاف: أن هناك مجموعة من الطرق الدولية التى تقود إلى هذه القرى وهى «الطريق 7 » الذى ينطلق من خان أرنبة إلى دمشق، والطريق 119 الذى يتحد مع طريق آخر يصبح رقمه داخل المنطقة منزوعة السلاح 98، ويصل إلى قرية العشة، ويصل هذا الطريق إلى مدينتى درعا والسويداء.
إذا أضفنا إلى ذلك أن إسرائيل تقوم ببناء خنادق متعرجة للدفاع السلبي، يصل عرض هذه الخنادق فى بعض الأماكن إلى خمسة أمتار وعمقها خمسة أمتار. هذه المعطيات آنفة الذكر، وفق ملحم، تقودنا إلى استنتاجين: أحدهما رغبة إسرائيلية فى تكريس نفوذها على الجولان، خصوصاً وأن الجولان من المناطق ذات التربة الخصبة، كما أنها غنية بالمياه.
والاستنتاج الآخر هو وجود مخاوف لدى إسرائيل من تشكيل مجموعات مسلحة فى ريف دمشق الجنوبى والجنوبى الغربى والقيام بهجمات على المستوطنات والكيبوتسات الموجودة فى الجولان السورى المحتل، لذا تقوم بعملية احتلال ناعم وتفكيك للجنوب السوري. الآثار والتبعات
وحول آثار وتبعات مشروع «صوفا 53» أشار ملحم، إلى أن أعمال الحفر والتجريف أدت إلى حرمان سكان المنطقة من الأراضى الزراعية ورعى المواشي، علاوة على فصل التجمعات السكنية حيث باتت البلدات تعيش شبه حصار جغرافى بسبب القيود المفروضة على حركة المواطنين.
كما أن وصول المشروع إلى حوض اليرموك سيؤدى لعزل الجنوب السورى عن الجولان والأردن، وإدخال المنطقة فى قبضة أمنية إسرائيلية مباشرة. ونوه إلى أنه لا توجد معلومات رسمية أو خرائط عن مساحات الأراضى الزراعية أو الأشجار المثمرة التى قطعتها إسرائيل فى تلك المنطقة. كما أن إسرائيل تطلق النار على كل من يقترب من مناطق التجريف والحفر، لذلك من الصعب الحصول على بيانات دقيقة حتى من السكان المحليين.
وكان نائب محافظ القنيطرة، محمد السعيد، أفاد فى تصريحات صحفية، أن إسرائيل أنشأت خلال الفترة الأخيرة أكثر من ثمانى قواعد عسكرية شمالى محافظة القنيطرة، وصولاً إلى حوض اليرموك، داخل المنطقة العازلة المنصوص عليها فى اتفاق فصل القوات الموقع عام 1974، معتبراً أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للاتفاق، وأوضح أن بناء هذه القواعد أدت لإغلاق نحو ستة آلاف هكتار من الأراضى الزراعى والمراعى أمام المواطنين. صمت حكومى ودولى
ومنذ عام 2022 ترسم إسرائيل ملامح مشروع ‘‘صوفا 53’’ وفى أواخر عام 2024 أى بعد سقوط نظام الأسد، تسارعت وتيرة بناء قواعد إسرائيلية جديدة داخل الأراضى السورية، وسط غياب أى موقف حكومى ودولى رافض. فى هذا الإطار عقّب ملحم أن إسرائيل استغلت الفوضى الأمنية فى سورية خلال الـ 14 عاماً الماضية، وأصبحت إمكانية الحديث عن هذا الموضوع ضرباً من العبث، خاصة وأن الحكومة السورية الانتقالية الحالية ضعيفة وغير قادرة على فعل شيء، وهى تبحث عن اعتراف دولى بها، لذلك هى مضطرة للصمت.
أما بالنسبة لقوات الأندوف، فهى وفق ملحم، ترفع تقارير دورية إلى الأمم المتحدة عن التحركات العسكرية فى تلك المنطقة، ولكن لا أحد يلتفت إلى هذه التقارير، ويتم إيداعها فى الأدراج فى ظل الدعم المطلق لإسرائيل من قبل واشنطن، كما أن الفوضى التى كانت تعيشها سوريا فى العقد الأخير جعلت من التوغل الإسرائيلى داخل سوريا أمراً ثانوياً. الأبعاد الاستراتيجية لمشروع ‘‘صوفا 53’’
التموضع الجغرافى للقرى آنفة الذكر التابعة لمحافظة القنيطرة والتى تقوم فيها الجرافات الإسرائيلية بعمليات حفر وتجريف توحى بالكثير، وفق ملحم، الذى ذهب فى حديثه إلى الشرق من هذه القرى فيوضح أنها مناطق أقل كثافة سكانية لأنها تقع بين محافظتى درعا والسويداء جنوباً ودمشق شمالاً، وعلى مسافة نحو 70 كيلومترا شرقاً تبدأ صحراء البادية السورية الخالية تماماً من أى بشر.
وأعتقد ملحم أنه من المنطقى والطبيعى إذا حاولت إسرائيل استكمال مشروع «ممر داوود»، فإنها ستهاجم شرقاً عبر هذا المحور متحاشية القرى والبلدات الكبيرة، سواء فى ريف دمشق الجنوبى أو فى ريفى درعا والسويداء الشماليين. وخاصة أن قاعدة التنف ليست بعيدة عن تلك المنطقة، وهناك قواعد عسكرية أمريكية فى الأردن وقادرة على دعم القوات الإسرائيلية.
لذلك، خمن الباحث السورى أنه قد يكون الهدف الإستراتيجى من التركيز الإسرائيلى على تنفيذ مشروع «صوفا 53»، وعلى النصف الشمالى من المنطقة منزوعة السلاح هو لإعداد موطئ قدم لها لاستكمال مشروع «ممر داوود»، وهذه الفرضية من وجهة نظر ملحم يمكن التحقق منها فى المستقبل اعتماداً على طبيعة المعدات العسكرية والقوات التى ستنشرها إسرائيل فى هذه المناطق!
فى المحصلة، يُعَد مشروعا «صوفا 53»، و«ممر داوود» من التصورات الجيوسياسية المثيرة للجدل، ويعكس من خلالهما طموح استراتيجى إسرائيلى بعيد المدى قد يعيد رسم خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط، فى حال توفر البيئة الدولية والإقليمية المناسبة. إلا أنها، فى الوقت الراهن، تبقى مشاريع غير رسمية، تحيطها الكثير من التكهنات، وتتحكم فى مستقبلها توازنات القوى الإقليمية والدولية.