نحن والعالم



محمد إبراهيم: من قلب السودان.. نعيش المأساة ولا نغادرها

26-7-2025 | 17:01
أجرى الحوار: أحمد إسماعيل

فقدت والدى بسبب الحرب.. لكننى ما زلت أكتب عنها

الحقيقة أصبحت مكلفة.. ومهنة الصحافة فى السودان مغامرة يومية

الحرب ليست مجرد أخبار عاجلة.. بل معاناة يعيشها الناس كل لحظة

تم اعتقالى لمدة يومين.. وتدخل أصدقائى الإعلاميين للإفراج عنى

رسالتى للعالم:لا تنسوا السودان.. هناك بشر يموتون بصمت

فى بلد تمزقه الحرب وتنطفئ فيه ملامح الحياة، يواصل الصحفيون رسالتهم برغم القصف، وانقطاع الكهرباء، وانهيار البنية التحتية.. محمد إبراهيم مراسل صحفى سودانى، لم يغادر بلاده منذ اندلاع الحرب، وظل شاهدا على الألم اليومى، من الخطوط الأمامية إلى الملاجئ، ومن ميادين القتال إلى صمت المستشفيات التى خرجت عن الخدمة.

فى هذا الحوار، يحدثنا عن تفاصيل الحياة داخل السودان المنكوب، والتحديات التى يواجهها كمراسل، والمواقف الإنسانية التى لا تنسى، ورسالة السلام التى يحملها وسط هذا الدمار.

- كيف تصف الوضع الميدانى حاليا فى السودان من منظورك كمراسل صحفى؟

الوضع معقد وخطير فى آن واحد، هناك مناطق تشهد معارك متقطعة، وأخرى خارجة عن سيطرة الدولة تماما، التوتر منتشر حتى فى المناطق الهادئة ظاهريا، والانفلات الأمني يجعل من تغطية الأحداث تحديا يوميا، حيث استطاع الجيش السودانى السيطرة على بعض الولايات ذات الكثافة السكانية، مثل ولاية الخرطوم وولاية الجزيرة وولاية النيل الأبيض، وانحصر الصراع فى الولايات الغربية، حيث تتمركز قوات الدعم السريع.

- ما أكبر المخاطر التى تواجهها خلال تغطية الأحداث فى مناطق النزاع؟

الخطر الأول هو القصف العشوائي، سواء بالمدفعية أم الطيران، ثم هناك نقاط التفتيش المسلحة التى قد تتعامل بعدوانية مع أى صحفي، بالإضافة إلى مخاطر غير مرئية مثل الاعتقال أو الاستهداف بسبب تقارير تعتبر “غير مرغوبة”، الحقيقة أصبحت سلعة ثمينة وملاحقتها قد تكون مكلفة جدا.

- كيف تؤثر الحرب على حياتك اليومية ومعيشتك كمواطن وصحفى فى آن واحد؟

الحرب تسرق منا تفاصيل الحياة اليومية، لا يوجد استقرار فى الكهرباء، وهى أكثر القطاعات تضررا بسبب الحرب، وأيضا المياه أو المواد الغذائية، أحيانا أكون فى مهمة تغطية وأفكر:هل سأجد خبزا حين أعود؟ نحن لا نعيش الحياة بشكل طبيعي، بل نحاول النجاة يوما بيوم، وأنا كصحفى لا أعيش خارج هذه المعاناة، بل أعيشها وأوثقها فى الوقت نفسه.

- ما الوسائل التى تعتمد عليها للتنقل داخل السودان فى ظل الانفلات الأمني؟

غالبا ما نعتمد على السير فى التنقل، فالتنقل صعب جدا خصوصا فى بداية الحرب، ونتجنب الطرق الرئيسية، أو نتحرك مع فرق إغاثية أو طبية، فلا توجد وسيلة تنقل آمنة 100%، لكننا نحاول تقليل المخاطر قدر الإمكان.

- كيف تتمكن من التواصل مع الأطراف المختلفة فى النزاع؟ وهل هناك تضييقات على عملك؟

التواصل صعب، ويحتاج لخبرة وعلاقات سابقة، نحاول الحفاظ على خطوط اتصال مع أطراف متعددة، وغالبا يتم ذلك عبر وسطاء، وأحيانا كثيرة، كنا نضطر للمشى مسافات طويلة لمناطق الاشتباكات حتى نستطيع رصد الأحداث بأعيننا والتحقق منها، فى ظل شح المعلومات، فهناك مناطق يمنع دخول الصحفيين إليها نهائيا، فنحن نغامر بحياتنا ونعرض نفسنا للخطر للتحقق من المعلومات وتوثيقها.

- هل سبق أن تعرضت للتهديد أو الاعتقال بسبب عملك الصحفى؟

نعم، فى شهر سبتمبر عام 2023بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، تعرضت للاعتقال من قبل قوات الدعم السريع، التى داهمت منزلنا، وتم اعتقالي لمدة يومين، ثم تم إطلاق سراحى بعد تدخل بعض الجهات الإعلامية، لكن ظل التضييق مستمرا، ومحاولة منعى من القيام بدورى المهنى والصحفي.

- كيف تتعامل مع انقطاع الكهرباء والاتصالات أثناء إرسال التقارير أو المواد الصحفية؟

نستخدم حلولا بديلة مثل بطاريات الطاقة الشمسية أو أجهزة الشحن المحمولة، أحيانا نضطر للسفر لمسافات طويلة فقط لإرسال مادة صحفية، وفى حالات كثيرة، نرسل عبر وسطاء، أو خلال فترات نادرة يعود فيها الاتصال، التأخير وارد، لكننا نحاول عدم التوقف.

- ما أصعب موقف إنسانى أو مؤلم واجهته خلال تغطيتك للصراع؟

هناك مواقف عديدة خصوصا أننى لم أترك السودان منذ بداية الحرب وحتى الآن، وكنت أعانى من صعوبة مواصلة عملى، وبين رعايتى لأبى وأمى فى ظل نقص الأدوية وخروج أكثر من مستشفى عن العمل، مما تسبب فى موت والدى فى وقت كنت أقيم فيه فى أحد المراكز الصحفية، بسبب صعوبة التنقل، وهناك موقف أخر فقد كانت لنا قريبة وكانت تستعد لحفل زفاف ابنتها، وفى إحدى مرات ذهابها للسوق لشراء لوازم الزفاف، أصيبت الحافلة التى تقلها بقذيفة نتجت عنها وفاة أبنائها، وكان موقفًا صعبًا جدا.

- هل تتلقى دعما كافيا من المؤسسة الإعلامية التى تعمل بها؟

بالتأكيد الدعم جيد وفى العديد من الجوانب، خصوصا فى فترات التنقل أو فى ظروف الانقطاع والخطر المستمر.

- ما الرسالة التى تحاول إيصالها من خلال تغطيتك للوضع فى السودان؟

رسالتى بسيطة وهي رسالة السلام، ما يحدث فى السودان ليس مجرد «أخبار عاجلة»بل مأساة إنسانية يجب أن تصل للعالم كله، وأن يعرف العالم أن خلف كل صورة وخبر معاناة حقيقية يعيشها أهل السودان.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام