لا أستطيع أن أكون حياديا أمام بكاء الأمهات
فى الحرب لا يموت الضحايا وحدهم.. تموت معهم الحقيقة أحيانا
المراسل الحربى ليس مجرد ناقل للخبر
الصمت أحيانا أصدق من نشر معلومة مشكوك فيها
حين رأيت زميلى جثة فى المستشفى.. أدركت أن جيلا كاملا قد ضاع
محمد الجازوى مراسل فى ليبيا، عاش وما زال يعيش تفاصيل الصراع المعقد، ليس كمتفرج أو مراقب، بل كواحد من أولئك الذين يسيرون بين خطوط النار ليوثقوا ما لا يقال، ويرووا ما لا يصل غالبا إلى الجمهور. فى هذا الحوار، يفتح لنا محمد الجازوى قلبه، ليتحدث عن كواليس العمل فى قلب الخطر، وعن أبرز المحطات التى واجهته خلال تغطيته للصراعات فى ليبيا، تحدث عن الخوف والمهنة والعائلة والحياد والصراعات التى لا تنتهى فقط فى الميدان، بل تمتد إلى داخل الصحفى نفسه، وعن الجانب الإنسانى الذى لا يظهر على الشاشة، ماذا يقول لأطفاله عن عمله؟ ومتى يقرر أن يضع الكاميرا جانبا ليساعد ضحية؟
- كيف ترى دور المراسل الحربى فى توثيق الحقيقة وسط فوضى السلاح والدعاية؟ المراسل الحربى أشبه بمن يكتب أول مسودة للتاريخ وسط ضجيج البنادق، مهمته ليست فقط نقل ما يحدث، بل فرز الحقيقة من بين الروايات المتضاربة، ومحاولة الحفاظ على التوازن وسط سيل من التضليل والدعاية.
- هل شعرت يوماً أن تغطيتك غير مرحب بها من قبل بعض الجهات؟ وكيف تعاملت مع ذلك؟ نعم، هناك دائما أطراف لا تفضل وجود صحفى مستقل فى مناطق سيطرتها، فى هذه الحالات ألتزم بالحيطة وأتجنب المواجهة، وأحاول أن أعمل ضمن هامش الأمان المهنى دون التورط فى مساومات.
- ما الفرق بين تغطية الحرب من خلف الكاميرا وتوثيقها من قلب الحدث؟ الفرق أن من خلف الكاميرا تنقل الصورة، أما من قلب الحدث فأنت تعيشها، الأولى تنقل الحدث، والثانية تصنع وعيا حوله، التوثيق من الداخل يمنحك حساسية أكبر تجاه التفاصيل والضحايا والحقائق. - كيف تتأكد من صحة المعلومات التى تصلك فى بيئة تغلب عليها الإشاعات والدعاية؟ عبر المقارنة المستمرة بين المصادر، والتحقق من التوقيت والموقع الجغرافى وملاءمة التفاصيل، وعدم التسرع فى النشر، وفى بيئات النزاع، أحيانا الصمت المهنى أفضل من الخطأ السريع.
- هل واجهت محاولات تضليل إعلامى أو ضغط لتغيير رواية ما؟ وكيف تصرفت؟ نعم، واجهت ضغوطا خفية ومباشرة، فى كل مرة، حاولت أن أتمسك بالمعايير المهنية، وإن لم أتمكن من نشر الحقيقة كما هي، فضلت الامتناع عن النشر على أن أكون جزءا من رواية غير دقيقة.
- ما التأثير الذى تتركه صور الضحايا والدمار فيك كمراسل وكإنسان؟ وهل تعتاد عليها بمرور الوقت؟ الاعتياد الكامل غير ممكن، ولكن قدرة التحمل تزداد مع الوقت، تتعلم كيف تفصل بين لحظة التوثيق ومشاعرك كإنسان، لكن بعض الصور تترك أثرا عميقا لا يمحى.
- هل سبق أن تدخلت بشكل شخصى لمساعدة أحد الضحايا خلال التغطية؟ نعم، فى مواقف نادرة حين تغيب المساعدة، لا يمكن أن تظل متفرجا، التدخل كان بحدود بسيطة لا تؤثر على دورى المهني، لكن فى لحظات معينة، الإنسانية تفرض نفسها.
- كيف يختلف التعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية مقارنة بالإعلام المحلى فى مناطق النزاع؟ الإعلام الأجنبى عادة ما يعامل بحذر أكبر ويعطى مساحة أكبر للحركة، فى حين يطلب من الإعلام المحلى الامتثال أو الالتزام بروايات معينة، لكن الإعلام المحلى يمتلك ميزة الفهم الأعمق للسياق الاجتماعى والسياسي. - هل شعرت بأنك تنقل معاناة الناس فعلا؟ أم أن بعض القصص تظل دائما ناقصة؟ غالبا ما تبقى بعض القصص ناقصة، الوقت، المخاطر، وغياب الوصول الكامل للمعلومة تفرض قيودا، لكن الهدف يبقى إيصال الجوهر الحقيقى للمعاناة، حتى لو لم تحك التفاصيل كاملة.
- فى نظرك، كيف يمكن للمراسل أن يوازن بين المهنية والجانب الإنسانى؟ أن يحافظ على الصدق والاحترام فى التغطية، دون الانجراف للعاطفة أو التجميل، المراسل ليس قاضيا ولا ناشطا، لكنه فى الوقت نفسه ليس مجرد ناقل جامد، التوازن يبدأ من احترام كرامة الضحايا دون استغلالهم.
- هل هناك موقف أو قصة إنسانية لا تزال تراودك؟ نعم، هناك موقف لا يفارقنى حتى الآن، كنت فى أحد المستشفيات لتغطية أحداث عنف مسلحة، وهناك رأيت جثمان شاب تعرفت إليه فورا، كان زميلى فى الدراسة، لم يكن يفترض أن يكون فى ذلك المكان، لا عسكريا ولا قتيلا، كان من المتفوقين، يحمل طموحات كبيرة، وكان بإمكانه أن يعمل بشهادته ويبنى مستقبله بعيدا عن السلاح، لكنه مثل كثيرين غيره، انزلق إلى تشكيل مسلح، ودفن معه كل ما حلم به ذات يوم، هذه الحادثة كانت صادمة، لأنها لم تكن مجرد قصة عن الحرب، بل كانت عن ضياع جيل كامل.
- ما طموحك كمراسل حربي؟ وهل تفكر فى التوثيق بكتاب أو فيلم عن تجربتك فى ليبيا؟ الطموح أن أكون شاهدا موثوقا على مرحلة معقدة من تاريخ ليبيا، وأن أُسهم فى بناء ذاكرة وطنية بعيون ليبية، التوثيق وارد، سواء بكتاب، أم سلسلة أفلام وثائقية، فالتجربة يجب أن تروى، لا تترك للآخرين ليكتبوها بالنيابة عنا.