فى الليالى العنيفة فكرت بترك أوكرانيا والهروب من الخوف
بين التغطية والنوم ساعتان.. والميدان لا ينتظر أحدا
أتوتر داخل العمل وخارجه.. وأحيانا أحتاج دواء لأواصل
التحدى الصحفى ومسئولية نقل الحقيقة دفعانى للاستمرار
فى قلب المعارك وتحت وابل القصف، يواصل الصحفى الفلسطينى معتصم عابد تغطية الحرب الروسية – الأوكرانية، حاملا كاميرته وقلبه المثقل بالتجارب، من الخليل إلى كييف، ومن الحلم إلى الحقيقة القاسية، خاض معتصم تجربة إنسانية ومهمة استثنائية. فى هذا الحوار، يروى لنا تفاصيل رحلته من فلسطين إلى أوكرانيا، ويكشف عن تحديات المهنة فى زمن القصف، والمواقف الإنسانية التى تركت فى نفسه أثرا لا ينسى. - حدثنا عن بداية رحلتك فى العمل الصحفى؟ وكيف وصلت لتغطية الحرب فى أوكرانيا؟ أنا صحفى فلسطينى، درست الصحافة والإعلام فى جامعة الخليل، ثم انتقلت إلى أوكرانيا عام 2018، وبدأت دراسة الماجستير فى تخصص الإدارة العامة، وخلال دراستى عملت فى عدة صحف أوكرانية وعربية فى كييف.. ومع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية بدأت تغطية الأحداث، وعملت مع عدد من القنوات منها شبكة الجزيرة والتليفزيون العربى، وفى بداية عام 2023 انضممت إلى قناة الغد كمراسل ميدانى.
- ما الذى دفعك لاختيار التغطية فى منطقة صراع مثل أوكرانيا برغم الخطر الكبير؟ كونى صحفيا فلسطينيا، فقد اعتدت على العمل فى بيئات صراع، وكان لدى شغف بتغطية النزاعات، برغم أن الحرب فى أوكرانيا مختلفة عن الوضع فى فلسطين، فإن التحدى الصحفى ومسئولية نقل الحقيقة دفعانى للاستمرار، مع التأكيد الدائم فى الحفاظ على سلامتى أولا وأخيرا.
- كيف تستعد للنزول الميدانى فى ظل القصف المستمر؟ هل هناك تجهيزات خاصة أو تدريبات؟ نعم، دائماً نكون مستعدين حسب تعليمات السلطات المحلية فى المنطقة، التوجه لأماكن القصف يتطلب احتياطات معينة، سواء على مستوى معدات الحماية أم المعرفة المسبقة بطبيعة المنطقة المستهدفة.
- هل تعرضت لمواقف كانت حياتك فيها مهددة بشكل مباشر؟ وكيف تعاملت معها؟ كثير من المرات كانت تعمل صافرات الإنذار أثناء البث المباشر، ولكن أكثر موقف خطير شعرت به كان فى البيت بسبب سقوط طائرة مسيرة بجانب منزلي، وفى الفترة الأخيرة أصبحت الهجمات أكثر كثافة، والخطر أكثر واقعية وملموسا.
- فى أوقات القصف، كيف توازن بين العمل وتوثيق الحدث وبين الحفاظ على سلامتك؟ هذا سؤال مهم، التوثيق والعمل والالتزام، لا شك أنه جزء أساسى من عملنا، لكن سلامتى وسلامة الفريق تبقى الأولوية، والقصف غالباً ما يكون فى الفجر أو فى ساعات الليل، وبطبيعة الحال النوم سيكون صعبا، أحياناً أنام ساعتين وأذهب إلى العمل فى الساعة الثامنة صباحاً لكى أكون فى مواقع القصف وجاهز للمباشر، وهذا أمر مزعج خصوصا بأنك مطالب بأن تكون مستعدا للعمل لساعات طويلة، وتظهر أمام الكاميرا بشكل لائق، وتتابع الأخبار وتجرى المقابلات، ولكن هذه مهنة المتاعب والموازنة صعبة ولكنها تحتاج إلى جهد بالطبع.
- ما أكثر موقف إنسانى أو مؤلم صادفك فى التغطية ولا يزال يؤثر فيك حتى اليوم؟
معظم الوقت نصادف الحالات الإنسانية فى مواقع القصف، الناس تعانى من فقدان أقاربهم أو بيت دفع فيه كل ما يملك وفى لحظة انهيار، وفى ناس تبحث عن أشخاص تحت الأنقاض، كل هذه اللحظات مؤثرة طبعاً، لكن أكثر موقف، كان فى أب وأم ينتظران أمام موقع قصف منزلهما، لأن طفلهما الوحيد مفقود ورفضا المغادرة وبانتظار عمليات إزالة الأنقاض وعندهم أمل، وكانت نظراتهما ودموعهما، وهم مصابين ورافضين ترك الموقع انتظارا لمعرفة مصير ابنهما الوحيد، وفجأة تم العثور على جثة الطفل، وسمعنا بكاء وصراخ الزوجين وحتى الأب انهار ووقع على الأرض، يمكن هذا أصعب موقف واجهته خلال التغطية.
- كيف تتعايش مع مشاعر الخوف والتوتر التى تأتى مع كل مهمة؟ أعيش توترا دائما سواء خلال العمل أم خارجه، أحياناً أتناول الأدوية لتخفيف التوتر والقلق، وأحياناً بالترفيه عن النفس فى أوقات الفراغ، وهذا أمر ليس سهلا، فأنا شخص متوتر بطبيعتي، وطبيعة عملنا كصحفيين تفرض علينا التوتر، والعيش فى بلد فيه حرب يضيف عبئا نفسيا يوميا.
- هل شعرت يوما أنك وصلت لمرحلة الانهيار أو فكرت تنسحب وتتوقف عن هذا العمل؟
نعم، خلال القصف فى إحدى المرات، وأنا فى الطابق الأول من المبنى الذى أسكن فيه، وكانت ليلة مرعبة جدا، وكل سكان المنطقة التى أسكن بها كانوا فى الملاجئ، أو فى أماكن آمنة هرباً من القصف، وفكرت وأنا متعب وأريد النوم، وقلت فى نفسى لماذا كل هذا القلق والخوف والتعب والخطر على حياتى وعائلتى، وفكرت فى الهجرة وترك أوكرانيا، لكننى عدت للواقع واستمريت.
- هل يشكل تواصلك مع عائلتك مصدر دعم نفسى لك؟ دعم العائلة مهم، وفى كل مرة أكون فيها مباشر، يشاهدوننى ويسألون متى موعد المباشر، دعمهم لى هو الدافع الأساسى للاستمرار وهو ما يمنحنى القوة، وبسبب ظروف الحرب سواء فى أوكرانيا أم فلسطين، فى أحيان كثيرة يكون هناك انقطاع فى وسائل الاتصال، يصل أحياناً ليومين متتاليين من انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت.
- هل تستطيع الفصل بين شغلك كمراسل وبين حياتك الشخصية؟ أم أن الأمور أصبحت مختلطة؟ أحاول الفصل، لكن الأمر فى الحقيقة صعب، أنا فى أيام العطلات القليلة دائماً ما أتابع التطورات والأخبار والتصريحات، حتى فى الإجازة وفى كل الأوقات، دعنا نقول مختلطة، الصحافة أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتى اليومية.
- كيف أثرت الحرب على شخصيتك؟ وهل أثرت على رؤيتك للحياة أو للناس؟ الحرب جعلتنى مقتنعا بأن البلد التى تطالها الحروب، ستبقى فى صراع دائم، وحتى وإن مرت بفترات من الهدوء والرخاء، وجعلتنى مقتنعا بألا شىء أغلى من الإنسان، وأصبحت الآن مقتنعا، بأن القوى هو من يتحكم فى كل شيء، ويفرض كلمته. - هل شعرت فى لحظة إنك لم تعد قادرا على تغطية مشهد معين بسبب قسوته؟ مرة واحدة على ما أذكر، خلال مقابلة مع زوجة أحد الأسرى الأوكرانيين وكان لديها طفل، وخلال المقابلة معها بدأت فى البكاء، وكنت على وشك التوقف، لكنها أصرت على الاستمرار، وقالت إن أملها أن تساعد المقابلة فى عودة زوجها، كان الموقف مؤثرا جدا.
- فى ظل الزخم الإعلامى هل تشعر بأن صوتك يصل؟ أم الأمر يشبه الصراخ فى الفراغ؟ صوتنا يصل، وهناك تفاعل كبير، سواء إيجابيا أم سلبيا، والحرب الروسية - الأوكرانية لاقت صدى كبيرا وخصوصا فى العالم العربى، فى بدايتها، ونحن كصحفيين، واجبنا الاستمرار فى إيصال الحقيقة، حتى فى الزحام. كيف تتحقق من المعلومات وسط التضليل والحرب الإعلامية المصاحبة للمعارك؟ هذه هى إحدى أهم أعمدة الصحافة، التحقق يكون فقط من المصادر الرسمية الأوكرانية أو الموثوقة، والحكومة والجهات الرسمية الأوكرانية لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لكل المسئولين والسياسيين والوزارات والمؤسسات الحكومية، وبالتالى الموضوع سهل، وحتى الرئيس زيلينسكى ينشر يوميا خطابات ومعلومات عبر وسائل التواصل، وهناك مواقع تكون مقربة من الحكومة أو الجيش الأوكرانى وهى موثوقة، ووسائل إعلام حكومية وبلغات مختلفة.. كل هذا يجعل المصادر مفتوحة أكثر وواضحة وموثوقة للجميع.
- وأخيرا، ما الرسالة التى تود إيصالها للعالم من خلال تغطيتك للحرب فى أوكرانيا؟ الرسالة هى أمنية.. وهى أن تتوقف جميع الحروب وخصوصا فى وطنى فلسطين، وتحديداً فى غزة، التى تعانى من إبادة جماعية بحق المدنيين وجرائم مختلفة عن أى حرب أخرى، الحرب ليست مجرد دمار مادي، بل تمزق روح الإنسان.