ثقافة



زياد الرحبانى.. صديقى الذى أذاب الضحك فى الأيام

2-8-2025 | 23:12
سعد حاجو - رسام كاريكاتير سورى يعيش في السويد

كى أستطيع نشر رسوماتى الكاريكاتورية توجّهت إلى بيروت، فى عام ١٩٩٣ التقيت حينها بالفنانة اللبنانية المعروفة كارمن لبّس، التى كانت حينها على علاقة وطيدة مع الفنّان زياد الرحباني، عن طريقها بدأت بنشر رسوماتى فى الملحق الثقافى لجريدة النهار اللبنانية، كان الروائى والصحفى الراحل إلياس خورى، رئيس تحرير المُلحق، بعدها بعامين وبتزكية من
 
فنّانى الكاريكارتير المصريين بهجت عثمان ومحيى الدين اللباد، رحمهما الله بدأت رحلتى فى النشر اليومى فى جريدة السفير كرسّام رئيسى لمدة عشرين عاماً.
خلال نشرى لرسوماتى فى الملحق كان زياد يُحضّر للعرض المسرحى الكوميدى (لولا فسحة الأملِ) على مسرح  قصر البيكاديلي، اتصلت بى الصديقة كارمن وسألتنى إن كنت أرغب بأداء دور (المواطن السوري) فى المسرحية. الفرحة لم تسعني، فبعد أن كنت آمُل بلقاء زياد، سأمثّل معه.
 
اللقاء الأوّل جرى فى منزله فى منطقة الوردية، الحمرا، دخلت غرفة الاستقبال، كانت صورة الشيخ زكريا أحمد تتوسّط الغرفة، وقربها غلاف إسطوانة بالأفراح، وبوستر فيلم (الطفل) لشارلى شابلن، وصورة فوتوغرافية للمصور الألمانى هلموت نيوتن، لكن صورة الممثل الكوميدى باستر كيتون أثلجت صدري، فأنا من عشّاق أفلامه الصامتة، قال لى زياد حينها: لو لم أُشاهد أفلامه، لما خرجت شخصية زكريا، فى مسرحيتى نزل السرور وبالنسبة لبكرا شو؟ إلى النور.
 
حين عرض على لاحقاً الحوار لدور المواطن السورى دُهشت كيف صاغ النص اعتماداً على طريقة كلامى فى اللقاء الأوّل، وكيف استخدم بعضاً من مفرداتى فى الجُمل. وتحسّرت لأنّنى لم أشعر يوماً أنّنى مواطن فى بلدي، بل فى مسرحية لزياد.
 
كنّا فى دمشق قد حفظنا أعماله عن ظهر قلب، أغانيه، حوارات مسرحيّاته، خصوصا برنامجه الإذاعى مع جان شمعون، (بعدنا طيبين قول الله) الذى كان مثالاً للنقد الساخر المتمرّد على حالتنا فى المجتمع والسياسة حينها.
 
كان بارعاً فى التقاط أحاديث الناس العادية وتحويلها إلى فنّ، أُدين له بالفضل بكل ما يتعلّق بذائقتى الموسيقية، وأعتبر نفسى محظوظاً بأن سنحت لى الفرصة بمعايشة لحظات ولادة أفكاره المسرحية الكوميدية، حتّى أنّنى كنت أجــــد أنّــــه لبــــراعته فى الكتابــــة قــادرٌ علـــــى تنـــــويط حتــى الضحك، فهـــو فنّــــان ذو منهج مُتفـــرّد فى المسرح وفى التمثيل الكوميدي.
امتدت صداقتنا لأكثر من عشر سنوات، لم يفرّق بيننا سوى مغادرتى بيروت إلى السويد، وكان زياد قد توقّع فى المسرحية مغادرتى المفاجئة لبيروت قبل أن تحصل. وكذلك تباين مواقفنا السياسية المتعلّقة بالشأن السورى بعد انتفاضة الشعب ضد النظام السابق، ومواقفنا المتباينة من دور حزب الله اللبنانى فى هذا الصراع.
 
عدا ذلك كان مقام الصداقة والتقدير لإنجازه الموسيقى والفنّى بشكل عام خارج أى تصنيف.
 
على عكس ما يحاول أن يشيع عن نفسه كان زياد، رغم بساطته وتلقائيته شديد الثقافة وشديد الاطلاع.
 
زياد ظاهرة من الصعب تكرارها، يتميّز ب: الأصالة والتجديد، المشاكسة، الإدهاش، البراعة فى التأليف والتوزيع الموسيقي، التواضع، الصدق، العنـــاد، البــــــراءة، اختــــراع سياقــات غيـــــر متــوقعــــــة للضحـــــك، القـــدرة الهائلة علــــى الملاحظــــة وتحلــــيل الظـــــــواهر الاجتــــــماعية، التصــــلـّب فــــــى المــــــواقف السياسيّــــة، التمــــرّد وخفــّة الظل.
ولكن برأيى المتواضع وقبل كل شيء كان زياد من أهم من كتب كلمات أغان فى العالم العربي.
 
شرّفنى بكتابة اسم السيدة فيروز بخط يدى فى ألبوم (ولا كيف) وكذلك تصميم ألبوم (مونودوز) للمغنية سلمى مصفي.
هناك مئات القصص والتفاصيل التى عشناها معاً فى بيروت.
لكنّنى سأختار ثلاثا منها.
أثناء تحضير مسرحية (لولا فسحة الأملِ) ولم أكن قد وجدت مكاناً للسكن فى بيروت بعد، كان كريماً معي، فعرض عليّ أن أسكن فى الشقة الخالية فى الطابق فوق شقته تماماً، وقد كانت فيما مضى استديو الاتحاد الذى كان يسجّل فيه أعماله قبل تأسيس (نوتا استوديو) قرب مستشفى الجامعة الأمريكية.
فى ذلك الوقت كان يعمل على تحضير ألبوم (إلى عاصي) وكانت السيدة فيروز تأتى لعنده من أجل البروفات، كان صوتها يتسلّل إلى الشقة التى سكنتُ فيها، اكتشفت أن الصوت يُصبح أوضح إذا وضعت أذنى على أرضية الشقة، ذلك الشهر الذى قضيته فى الشقة، أو على أرضية الشقة بالأَحرى، كان من أجمل لحظاتى الموسيقية التى عشتها. المفارقة أن زياد بعد عودته من أوربا بعد إنجاز الأعمال الفنية النهائية للألبوم، التقى بى وبزوجتى الفنانة التشكيلية سحر برهان، فى مطار شارل ديجول فى باريس مصادفةً، وعدنا على نفس الطائرة، زياد أعطى زوجتى السمّاعات لتكون أول من يسمع التوزيع الجديد لأغنية على مهلك من ألبوم (إلى عاصي).
 
القصة الثانية، فى دمشق قرب محطة الحجاز، كانت زوجتى تسير، فإذا برجل عجوز يفترش الأرض وبيده سنارة يحيك بها طواقي/قبعات، لفتت نظرها طاقية حمراء كانت الوحيدة بين مجموعة من الطواقى البيضاء التقليدية، انتبه العجوز وقال لها: اشتريها! تلك الطاقية كانت إحدى هدايانا للصديق زياد، قلنا له: البسها ما دام هيك وهيك (صوفتك حمرا)، وهو مصطلح شعبى يُطلق على الشخص ذى الميول اليسارية، فرِح زياد بالهدية كطفل وظل يرتديها فى كل حفلاته، إلى أن سُرقت منه.
 
القصّة الثالثة، وبعد أن توطّدت صداقتنا، قال لى زياد: "سأطلب منك خدمة، فيها مسئولية شديدة، البزق الذى ورثته عن والدى (الراحل الكبير عاصى الرحباني)، يحتاج إلى تصليح، هنا فى بيروت فشل الجميع فى إصلاحه، هنا الكل (فنّاصين) أى محتالين، عندكم فى دمشق أكيد مليان ناس بيصلحوه".
 
فرحت وفزعت فى نفس الوقت، فهى مسئولية تضاهى فرحتى بالثقة التى منحنى إياها، توجّهت إلى دمشق فوراً ومعى الجوهرة الثمينة/البزق، توجّهت أولاً إلى الأستاذ المحامى والإعلامى نجاة قصّاب حسن الذى كان صديقاً للعائلة، استقبلنى فى منزله فى الصالحية بالقرب مقهى "لاتيرنا" الشهير، الذى كان أصلاً جزءًا من منزل عائلة قصاب حسن، فرح الأستاذ نجاة برؤية البزق، وأخبرنى عن ذكرياته مع الأخوين رحبانى فى معرض دمشق الدولى، وكيف كان يقدّم لمسرحياتهم يوم افتتاحها، لكنه اعتذر عن عدم قدرته على تصليح البزق، ونصحنى بزيارة مطرب معروف كان صديقاً للمطرب الراحل جوزيف صقر، يدعى نمر كركي، ذهبت إلى منزله فى حى ركن الدين، استقبلتنى ابنته، وأخبرتنى أن والدها أُصيب بجلطة فى الدماغ منعته من الحركة والكلام، لكنها أخبرته عن زياد وبزق عاصى، وألقيت السلام عليه فابتسم، ابنته دُهشت لأنه لم يضحك منذ أكثر من أربع سنوات، بعدها حاولت إصلاح البزق فى محل أعرفه لصانع أعواد فى منطقة فى وسط دمشق تُدعى جوزة الحدباء، اعتذر الرجل بلباقة وأخبرنى أن اختصاصه صنع وتصليح أعواد فقط، فى النهاية قام صديق لى كردى اسمه عبد القادر بتصليح البزق، وعدت بالبزق إلى بيروت بعد إنجاز المهمة المستحيلة، وأنا أشعر بأنّنى توم كروز الدمشقي، زياد التمعت عيناه ووجّه دعوة لصديقى عبد القادر وأصدقائه لزيارته، وكانت سهرة رائعة كان للعزف على البيانو والبزق فيها حضور آسِر.  
 
من الذاكرة، فى العام ١٩٩٧، أسترجع ما قلتَه لى يا زياد وكتبتُه بخطّ يدى على قُصاصة:
 (مات وعطانى عمره
أنا عمره شو بَدّى فيه
أنا العمر اللى عليّى مش عارِف كفّيه)
كتبه فى رثاء صديق عمرك جوزيف صقر.
ذهبتُ إلى جريدة السفير مشياً على الأقدام والقُصاصة فى يدي، والحزن فى قلبى على غياب جوزيف وعلى حدادِكَ النبيل عليه، نُشِرت كلماتُك، تغيب الآن كما غاب جوزيف، وكما غابت السفير، وكما غابت القُصاصة.
كما الموسيقى الصداقة تدوم، كما الضحكة التى فى عينيك، الآن شوقى لكل تلك التفاصيل يتمكّن منّي، والشوق دائماً شَهم. زياد سرّ ككتابٍ مفتوح، سنشتاق إليك، لكننا سنتستمع لموسيقاكَ أكثر وأكثر.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام