ثقافة



حكاية حول وجود "الرحبانى" فى القاهرة للمرة الأولى.. موسيقى الجاز في الزمالك

2-8-2025 | 23:17
عمرو صلاح - مدير مهرجان القاهرة الدولى لموسيقي الجاز

لم أعرف شيئا عن زياد الرحبانى، حتى العشرين من عمرى، عندما تعرفت إلى سميح رجاء النقاش فى صيف 1992، خلال حفل عيد الموسيقى، الذى يقيمه المعهد الفرنسى كل عام، كان سميح يعزف الدرامز ومشاركاً فى الاحتفال، ونشأت بيننا صداقة مستمرة إلى اليوم، كنت أذهب إليه تقريباً بشكل يومى، فى منزل الأسرة فى الدقى، فنجتمع مع أصدقاء آخرين نعزف معا، ونستمع إلى ألبومات موسيقى الجاز ونتبادل الحديث فى جو مرح. 
 
فى إحدى الزيارات الصباحية دعانا، لمشاهدة فيلم وثائقى عن زياد الرحبانى، والحقيقة أنى لم أكن أعرف عن زياد الكثير، إلا بعد إصدار ألبوم «كيفك إنت»، الذى حقق نجاحاً كبيرا فى ذلك الوقت، كنت أنا وسميح وصديقنا سامر جورج عازف الباص المعروف، جلسنا نشاهد فيلم هدوء نسبى، للمخرجة لانا ضاهر، الذى يوثق مراحل إنتاج الألبوم الذى يحمل نفس الاسم.
كانت هذه هى المرة الأولى، التى أرى فيها زياد يتكلم ويعزف، ويقود وينظم ويسخر، ويفعل ما يحلو له فى جو من التسامح والرضا، وكأنه قد سحرهم وسخرهم لطاعته، شخصية آسرة لن تستطيع مقاومتها ولا نسيانها، هو كالمخدر يتسلل إليك فتشعر بنشوة، ثم لا تلبث حتى تدمنه. 
 
هذا ما أصابنى تماماً، لقد تأثرت بزياد بعد مشاهدته، وهو يتحدث عن رؤيته لموسيقى الجاز، وتجربة الاندماج الشرقى - الغربى فى موسيقى الجاز المعاصر، كانت هذه القضايا محور اهتمامى فى ذلك الوقت، وكانت أفكارى وآرائى متطابقة إلى حد كبير، مع ما يراه زياد بحسب ما جاء فى الفيلم، زاد إعجابى به، كما زادت ثقتى بنفسى، بأنى حتما على الطريق الصحيح، كنا نستمع إليه كثيرا، و أبهرتنا توزيعاته الفذة والعميقة مع السيدة فيروز، كيفك إنت كان ملحمة فنية مهولة انتقم فيها زياد من كل شىء ولكل شىء وانتصر على كل شىء ولكل شىء. 
عندما قررت تنظيم مهرجان القاهرة الدولى، لموسيقى الجاز عام 2009، كان أحد أهدافى هو تقديم مؤلفى الجاز من المنطقة العربية، وتعريف الجمهور العربى والعالمى بهم بشكل أوسع من خلال المهرجان، فى محاولة لتشجيع شباب المؤلفين العرب، على زيادة إنتاجهم الفنى فى هذا اللون الموسيقى، وإفراز جيل جديد من المؤلفين، زياد الرحبانى كان بالطبع على رأس قائمة الشخصيات الرائدة فى هذا المجال، لكنى اصطدمت بالعقبة الأولى، كيف الوصول إلى زياد؟ هو ليس لديه موقع على الإنترنت أو مواقع التواصل، بالإضافة إلى تردد بعض الأخبار أن عائلة الرحابنة، قد أقسمت بعدم المجىء لمصر أبدا خصوصا بعد الأزمة مع منظمى حفل السيدة فيروز، خلال زيارتها التاريخية لمصر فى الثمانينيات. ولم ندر إن كان ذلك صحيحاً أو باطلاً، حتى انفرجت الأزمة بظهور اثنين من الأصدقاء الموسيقيين، الفنان المغنى عمرو يحيى، الذى قال إنه قد يمكنه الوصول إلى زياد عن طريق أحد المعارف فى لبنان. والصديق الآخر هو الفنان اللبنانى الفرنسى آندريه سيجون عازف الكونتراباص، والذى كان يعرف زياد وعمل معه مرات كثيرة. وبالفعل استطاع عمرو يحيى المساعدة فى توصيل رغبة المهرجان، فى استضافة زياد الرحبانى وجاء الرد بعدم الممانعة. 
 
سبب لى عدم الممانعة حالة مركبة من الفرح والذهول والارتباك والشرود أحياناً، محاولة لاستيعاب هذا الإنجاز الأول المهم الذى قد يؤدى إلى ظهور زياد الرحبانى فى مصر، ليس هذا فحسب بل وللمرة الأولى فى التاريخ. 
 
استغرق الأمر بضعة أسابيع حتى بلغنى الخبر، أن زياد يطلب معرفة بعض المعلومات الفنية والتقنية والأدبية عن المهرجان. وبالفعل أرسلت أول خطاب له عن طريق الصديق آندريه سيجون، وكان ذلك فى نوفمبر 2009 .
 
اتصل بى آندريه مساء يوم ليبلغنى، أن زياد الرحبانى يريد التحدث معى هاتفيا، وبالفعل تم التنسيق ولأول مرة يأتى صوته عبر الهاتف. كانت لحظة يصعب وصفها، لكنى أذكر جيداً أنى كنت متزنا وطبيعياً أثناء الحديث، انتابنى شعور أنى أعرفه جيداً قبل أن أحادثه. وربما كان هذا وراء الهدوء، استمرت المكالمة ساعة أو ربما أزيد، لم نشعر بالوقت، هو يحب الحديث. مرح، هادئ، مؤدب، ساخر، تحدثنا فى أشياء كثيرة، أبلغنى أنه أعجب بمقدمتى التى أرسلتها له عن المهرجان وأهدافه، كان فى ذلك الوقت يعمل فى أحد الفنادق فى أبو ظبى. تحدثنا كما لو كنا نعرف بعض جيداً أو أصدقاء قدامى، لا أتذكر كيف أنهينا تلك المكالمة الأولى الطويلة، لكنها انتهت بهدوء مع اتفاق على مكالمة أخرى لاحقاً، حاولت استيعاب ما حدث أو ما يحدث عموماً بطريقتى التجريدية، زياد، رغبة، دعوة، استجابة، حديث طويل، غير متوقع، على ما يبدو أحب زياد الحديث معى، أعتقد ذلك. فهو لا يجامل كثيراً كمعظم الناس. 
 
اتصل بى مجددا بعدها بأسبوع أو بضعة أسابيع، لا أذكر، كنا نتحدث فى كل شىء تقريبا بسلاسة عجيبة لا أدرى لماذا، لكن من الواضح أنه كان هناك نوع من الامتداد الفكرى التلقائى بيننا، وهو أمر لم أكن أتوقعه أو حتى أحلم به. 
 
بقينا فى أحاديثنا التليفونية نحو الشهر، أو ما يزيد عنه نرتب معا تفاصيل افتتاح النسخة الثانية لمهرجان القاهرة للجاز 2010 التى استضافتها ساقية عبد المنعم  الصاوى، ولوجيستكيات سفر الموسيقيين الذين أتوا من أبو ظبى، ولبنان وسويسرا وهولندا وسوريا  بالإضافة إلى الموسيقيين المصريين المشاركين: هانى بدير (إيقاع)، نهى فكرى (غناء)، هانى عادل (غناء)  لتكتسب التحضيرات إيقاعاً أسرع ويسود المناخ العام فى مصر، شحنة قوية من طاقة غير مألوفة، مست الكل على شاكلته من جمهور عام ومثقفين وصحفيين وفنانين وأجهزة رسمية فى الدولة وكبار الشخصيات، كأنه حفل ملكى، والكل يستعد لحضوره. 
 
كان تنظيم الزيارة يسير بشكل مرضى ومنظم بفضل مجهود السيد ماجد مكرم الذى كان شريكاً فى هذا العمل وقتئذ وطاقم العمل معه، كنا نعقد الاجتماعات فى مكتبه بحى الزمالك بانتظام لمناقشة المستجدات وكل المؤشرات كانت جيدة.
 
لم يستغرق نفاد تذاكر الحفل بعد طرحها طويلاً، ربما أقل من أسبوع، كنت قد اتفقت أنا وزياد، على عدم المبالغة فى سعر التذكرة، وهو أحد التوجهات المشتركة بيننا. 
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام