ثقافة



زياد الرحبانى.. "كيفك إنت" الطريق إلى قاهرة التسعينيات

2-8-2025 | 23:23
ياسر عبد اللطيف - شاعر وقاص مصري

وصل إلى عمل زياد الرحبانى، كمستمع مصرى فى القاهرة، كما للكثير من أبناء جيلى، عند نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضى. وقد جاء إلىّ، وفى حالتى عبر مسارين، كان المسار الأول فيروزيًا، وهو مسار عائلى لكلينا - لزياد كمبدع ولى كمتلق، فقد تعلمت الإصغاء إلى صوت فيروز عن طريق أبى، الذى كان يحتفظ دائمًا بشرائط لأغنياتها فى سيارته (فى عصر الكاسيت)، السيارة، كانت المكان المفضل للسماع عند أبى، وقلما رأيته يشغل الموسيقى فى المنزل، على ولعه الظاهر بالغناء، وعندما توقف أبى عن اقتناء أشرطة فيروز، بدأت أنا المشوار ذاته، لكن كان بزوغ اسم زياد بجانبها فى الأشرطة، هو الافتراق فى هذا المسار العائلى، صارت لى فيروزى المختلفة عن فيروز أبى (وعن فيروز الشطآن)،
 كنت وقتها، فى نهاية سنوات دراستى الثانوية، لا ألقى بالًا لأسماء صنّاع الأغانى المدونة بأغلفة الشرائط ويكفى أنه شريط جديد لفيروز، وهكذا عرفت زياد الرحبانى لأول مرة دون أن أعرفه تمامًا، دون أن أدرك اسمه، أو أدرك أنه رحبانى ابن، غير الأب والعمين المكتوبة أسماؤهم فى الأشرطة القديمة، أشرطة أبى!
 
ولاحقًا، سألاحظ فوارق أخرى بين هذين الجيلين من شرائط فيروز، كانت شرائط أبى فى معظمها شرائط مزورة أو مقلدة، مطبوعة فى عمان أو دمشق أو الرياض، وحتى شركة «رندا فون» بالقاهرة، لصاحبها الموسيقار سيد إسماعيل، كان لها نصيب من «ضرب» شرائط فيروز، وكنت تسمع فى مقدمة الشريط مذيعةً تقول: «رندا فون تقدم: جارة القمر، فيروز!» . لم نكن نشك أن تلك المذيعة هى رندا ذاتها، ابنة صاحب الشركة التى تحمل اسمها! وكانت فى الأغلب تسجيلات لأغانى مسرحيات فيروز الشهيرة كـ « لولو» و «ميس الريم»، أو هى من حفلاتها الكبرى فى دمشق وبعلبك، وحفل القاهرة الشهير بحديقة الأندلس عام 1976. 
 
أما الجيل الجديد من الأشرطة، والذى بدأ بـ «وحدن» ثم «معرفتى فيك» وحتى «كيفك إنت»، فكانت كلها تسجيلات استوديو ذات جودة عالية، قادمة من بيروت رأسًا، وتحمل العلامة التجارية (ريلاكس إن) وفوق هذا، كانت ألبومات تحمل تيمة تنتظم فيها الأغانى بشكل ما، لا تجميع عشوائى لأغنيات من الحفلات أو المسرحيات، كانت ألبومات فعلا.
 
ولكن زياد وعمله الخاص، كفنان صولو، فى ألبوماته ومسرحياته وبرامجه الإذاعية، وحيث يظهر كامل فهمه للعالم، وتعاطيه مع تناقضات بلده السياسية، فقد وصل إلىّ بعد ذلك ببضع سنوات، حين أصبحت طالبًا فى جامعة القاهرة، بين عامى 1987 و1994، جرت فى الأنهر مياه أكثر مما تحتمل الجسور، عرفت أعمال زياد عن طريق صديق لنا، كان يجمع شرائط لكل اتجاهات الأغانى المضادة فى العالم العربى، من فرق «ناس الغيوان»،  و«الأرصاد»، و«جيل جيلالة»، فى المغرب، وفريق «ديسيدنتن» الجزائرى الألمانى، لأحمد فكرون الليبى المنفى وليس انتهاء بمارسيل خليفة اللبنانى ومنافسه زياد رحبانى! هذان الأخيران بالذات، ولربما لقرب اللغة والهموم المشرقية للذائقة المصرية عن لكنة المغرب ومحكيته المستغلقة، راجا فى الأوساط الطلابية وقتها، خصوصا بين الطلبة اليساريين والقوميين. ولنا أن نتأمل الأرضية المصرية التى سيوطِّن فيها هذان الفنانان اللبنانيان، وأعنى أرضية مجايليهم وأقرانهم من أهل الغناء فى مصر، كان الجيل الموازى فى القاهرة، يضم أسماء كهانى شاكر ومحمد الحلو، وعلى الحجار ومحمد منير، وباستثناء الأخير، فقد أبدى الآخرون كل فروض الولاء للمدرسة القديمة. وحتى منير، وعلى الرغم من محاولته لتقديم رؤى موسيقية جديدة وخطاب شعرى مختلف، فإن هذا الخطاب لم يكن إلا نتاج خبرة جيل الستينيات وقد مضى عليها ثلاثون عاما، ومن روح ذلك العصر لم يستبق إلا حسّ الريفى الضائع فى المدينة واغترابه الوجودى، وكان ذلك هو أقصى ما نطمح إليه، إذا قيس بميلودراما وسنتمنتالية أداء الآخرين من أبناء الجيل نفسه. 
 
ظهور مارسيل خليفة، وزياد رحبانى، فى ذلك الوقت الراهن الموسيقى المصرى كان دعما موسيقيًا لازمًا وضرورة تاريخية، وعادت مرة أخرى الشرائط المستنسخة للظهور، فى صورة أكثر بدائية، كانت مستنسخات منزلية، عنعنات، أشرطة عن أشرطة عن أشرطة. ويبدو أن مستوردى أشرطة فيروز إلى القاهرة، قدروا أن أعمال زياد بمفرده ستبدو شديدة النخبوية ولن تجد سوقًا فى مصر.
 
شخصيًا، لم أر فى مارسيل خليفة ما يختلف جوهريًا عن ميلودراما كتيبة «الكلاسيكيين الجدد» لدينا، خصوصا مع معسول الشعر الدرويشى ورومانتيكيته، التى لا تحتملها ذائقتى،  أما زياد، وبوصوله المتأخر عبر ذلك المسار الثانى، فقد اكتشفت فيه مغنيًا مؤلفًا، كالمخرج السينمائى المؤلف، نموذجًا لم نعهده فى نمط الإنتاج الغنائى المصرى، حيث التقسيم المعروف للمهام: مؤلف وملحن ثم مغنى، ولاحقًا تم الاعتراف بدور الموزع بعد عقود من تجهيله، كان زياد تلك المهام كلها. تسكنه أشباح الجاز والطرب الشرقى والشعبى اللبنانى، وحداثة القرن العشرين العربية من أبويه ومحمد عبد الوهاب، وسيد درويش، مع أوركسترا وتريات بيزنطى أو أرمنى فى الخلفية. 
 
ولسنوات كنت أخلط بين صوته الحقيقى، والصوت الذى اختاره قناعًا له، جوزيف صقر، وفى هذا الصدد يبدِّل الصوت الحقيقى والقناع موقعيهما فلا نعرف هذا من ذاك، صنع زياد من أغانيه عالمًا روائيا، مسرحًا، وأضاء منطقةً كان كل ما يُنتج حولنا من غناء وموسيقى يتجنبها، أو يعجز عن الوصول إليها بكل بساطة، يخطف أسلحة العدو ويردها إليه مفرغة.  ثم يضحك ضحكة استهانة فى وجه كل ما يطبق على صدورنا، بلا جوقة أمك بيّك، ورموش ومسكرة، بلا ما النسوان تحيِّك، بلا كل هالمسخرة. دعوة لتجاهل شبح الأب الميت، الذى يطلُّ من قبره ليشرف على قمعنا، تحت أقنعة مختلفة كل مرة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام