ثقافة



الرحبانى.. فى الغياب تكتمل الجملة الناقصة

2-8-2025 | 23:30
منار شعبوق - أكاديمية سورية مقيمة فى كندا

لا أزال إلى اليوم أستمع إلى أسطوانة أبو على التى ألفيتها فى 1974، قبل أن أولد ويولد كل أصدقائى الذين أحبوك أيضاً، وكنا نناقش موسيقاك ومسرحياتك فى كافيهات حلب وشوارعها فى الألفينيات - فترة الجامعة - التى ما زالت معلقة فى ذاكرتى، مثل كل ما قدمته لنا، كان يدهشنى فيك حرصك على التجديد والابتكار فى الموسيقى، ودمج الشرقى مع الغربى، دون أن تسمح لآلة أن تأخذ مساحة أخرى، مثل تحاور الساكسفون والناى فى مقطوعة أبو على بتفرد عبقرى، وأنت لم تكن مجرد امتداد لعاصى ومنصور، بل كنت الشذوذ النبيل عن التكرار، كنت الخروج العاقل عن الطاعة، وانتماؤك الوحيد كان للموسيقى والناس.
 
داخل مقاهى حلب وشوارعها، بداية الألفينيات، كانت موسيقاك تدور معنا كهواء مشترك، كأغنية داخلية نعرفها ونختلف حولها ونعود إليها. كنا بحاجة لمن يقول ما لا يُقال، وكانت نكتك تسعفنا لنضحك، بدل أن نختنق.
 
وفى 2009، حضرت حفلتك فى قلعة دمشق، بعد سنة من غيابك الطويل، أتيت من حلب فى القطار مع صديقتى، نحمل لهفة لا تشبه أى لهفة، جلسنا فى الصف الثانى على اليمين، كنتَ أنت أمامنا، ترانا ونراك، غنينا، بكينا، ضحكنا، وصرخنا، عندما سألت: "مين فيكن أخوت".
 
أجبتك بصوتٍ وصل أسوار دمشق كلها: "كلنا خوتان!" وضحكت لى، شو انبسطت أنك ضحكت لى، كان حولنا صف كامل من البدلات الرسمية والوجوه الصلبة، لم يغنّ أحد معهم، ربما
لم يفهموا لماذا جئنا، ولماذا بدونا مثل شعب صغير، يبحث عن شىء ينقذه.
 
أنا من جيل تعلّم فى مدارس البعث، حيث تُلقن الكلمات كالعقوبات، فى أغانيك وجدتنى فى خفتك الثقيلة، فى سخريتك من الواقع الاجتماعى والسياسى، فى مجزك للجاز بالدبكة والماركسية بالمناجاة.
 
حين قلت:"هو يللى ديّن قال، وأنا يللى كافر عال، راجعوا الكتب السماوية، راجعوا كلام القادر". لم نعد نخاف، غنّينا، تحدّينا، وتعلمنا أن السخرية أقوى من الرصاص أحيانًا.
عندما عزفت على البيانو، بكيت، كما أبكيك الآن، لم أستطع رؤيتك بعد الحفلة لأشكرك على قدومك، والعودة لسوريا بعد سنوات غياب طويلة، سوريا التى حرمنا منها من وقتها، بسبب النظام المجرم الذى قيل إنك وقفت معه، زعلنا منك كثيراً يا زياد ولم أسمعك من حينها، لم نصدق وقتها، كيف زياد مؤلف مقطوعات المعمل، كتحية للعمال فى يومهم (1984)، وتل الزعتر بعد مجزرة تل الزعتر، ولحنتها على الجيتار دون البيانو فى الطابق الأرضى الذى كان يطلّ على المخيم. رحيلك أعادنا لخساراتنا فى هذى البلاد التى فقدناها، وفقدنا معها أجزاء من روحنا وذاكرتنا، سألك أحدهم منذ عامين، لماذا لم تعد تكتب المسرحيات؟ قلت إن كل ما حكت عنه مسرحياتك يحدث الآن، وأن بلادنا عالقة وواقفة، ولا تنهض من موتها فلم تكتب الجديد، وما من جديد، هذا ما فعله موتك بنا، ذكرنا أننا أموات، أننا نحاول أن نتمسك بالحياة لأجل من نحب، لأجل أهلنا، لأجل أطفالنا، لأجل ما تبقى من هذى البلاد، التى سرقها منها الغزاة والطغاة، وما كنا نستطيع. 
 
كامرأة، شعرتُ مع زياد أنّنى لست مجرّد موضوع للغزل، بل كيان حى يُفكّر ويغضب ويثور ويترك، لم يكن يكتب الحب كما كتبه غيره، بل كما عشناه نحن، بكل تناقضاته وتعبه ورغبته فى النجاة، أغنيات مثل "قلتيلى حبيتك لأنك غير شى" منحتنا صوتًاً نادراً، امرأة تقول الحقيقة ولا تبرّر حبّها، تضحك فى وجه الجنون وتصرخ كلنا خوتان، من دون خوف أو خجل.
وفى "مش فارقة معاى"، تظهر امرأة قررت أخيراً أن تضع الكرامة فوق الحب، وتسمّى الأشياء بأسمائها:"حبّك أنانى بالتأكيد"، فتهزّ كيان رجلٍ كان يظن نفسه محور الكون، لا بكاء، لا استعطاف، فقط وضوح:«تمرق ما بتمرق؟ مش فارقة معاى»، وكم غنيتها لأشباه رجالٍ أحبوننى.
 
أما فى "تنذكر ما تنعاد"، فتكتب زياد امرأة جديدة، لا تندم، بل تقول وداعاً بهدوء يشبه النضوج: "فى غيرك ناس جداد، فى شى تانى".
 
كان انتصاره لفيروز، الأم والمطربة، امتداداً لهذا الحسّ النبيل تجاه النساء: فهمه لضعفهنّ، لقوّتهنّ، لانكساراتهنّ، لإرادتهنّ فى الحب والحرية معاً  لم يضعنا فى قالب، بل فتح لنا نافذة نطلّ منها على أنفسنا، بلا وسائط ولا أقنعة.
 
رحيلك أخذ معه آخر أغنية تشبهنا، وترك لنا شتيمة كبيرة للزمن نقولها بصوتك فى "وقمح"، عجلت يا زياد، ربما سيهدء حزننا بعد قليل، لكن قلوبنا عند فيروز التى مسحت دمعتك يوم رحل عاصى، من سيلحن ويكتب لها فى غيابك؟ 
 
لم أستطع أن أودعك فى شارع الحمرا، الذى نحب لأننى فى كندا البعيدة وأنت فى لبنان، لكننى أسمعك الآن، وأسمع الجاز فى رأسى مصاحبا للألحان الشرقية والبزق والناى، وأسمع سخريتك من الموت حتى وأنت تتحدث عن فلسفة فرويد، وتكمل حديثاً بدأته مع الله فى كتابك "صديقى الله"، الذى كتبته وأنت فى الثانية عشر من عمرك .
لا نرثيك لأنك متّ. نرثى الزمن الذى لم يعد يشبهك.
 
نرثى أنفسنا حين لم نكن نعرف كم نحبك، وكم كنا نحتاج إلى صوت مثلك ليذكّرنا أننا لم نجنّ بعد، وأننا، برغم كل شىء، ما زلنا نحلم.
العزاء والحب للفيروز التى مسحت دمعتك الأولى، وشجعتك بكل حنان أمهات العالم، وأنت تعزف البيانو طفلاً.
 
سلامٌ لجوزيف صقر، الذى عرف كيف يغنيك كما تُروى القصائد، لا كما تُؤدّى.
وسلامٌ لنا، نحن الذين سنظل نبحث عنك بين النغمات، وننصت إلى ما تبقّى منك فينا، ونمشى نمشى نمشى ونكفى الطريق يا "رفيق".
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام