ثقافة



التأثير المصرى فى مشوار "رحبانى"

2-8-2025 | 23:39
سيد محمود

لسنوات طويلة ظل زياد الرحبانى يجاهر بإعجابه برموز الموسيقى المصرية المعاصرة، بداية من سيد درويش مرورا بزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب والشيخ إمام، وهو إعجاب تجاوز التعبيرات المعتادة والتى تقوم على المجاملة، أكثر من النظر النقدى فى تلك التجارب التى مثلت مصدر إلهام له، وبفضل دوره وتأثيره أصبحت تجاربه هدفا تسعى إليه فرق الموسيقى البديلة، والأندر جراوند الذين عدوا تجربته مصدر إلهام فى سياق زمنى آخر.
 
الناظر فى تجربة زياد الرحبانى، سواء كمؤلف أم موزع موسيقى أم رجل مسرح من طراز فريد، لن تفوته بالتأكيد الصلة العميقة التى تربطه بالموسيقى التعبيرية، ذات النزعة الكاريكاتيرية الساخرة، التى رسمت مساره الموسيقى عبر مشواره الاستثنائى، تفسر العبارة التى كتبها الكاتب الرائد يحيى حقى فى كتابه (تعالى معى إلى الكونسير)، الفكرة التى أرغب فى إضاءتها، إذ يشير حقى فى مقاله حول الكاريكاتير فى موسيقى سيد درويش
إلى ارتباط كلمة الكاريكاتير، بالمبالغة التى ترضى نزعة إنسانية أصيلة فى السخرية.
 
الجملة تنطبق تماما على مشروع زياد، إذ يقول حقى عند درويش "ما أكبر فضله علينا، إنه لم يقدم نصوصا يتغنى بها الشعب فحسب، بل عمر قلوب أبنائه جميعا، بهجة مشعة بعد أن انتشرت هذه الأغانى الجماعية بينهما كالحريق، وأخذوا يرددونها باستمتاع كبير، وسر البهجة أنه أقام تلحينه لهذه الأغانى على الرسم الكاريكاتيرى، وهو الذى فتح الطريق أمامه لتحويل الموسيقى العربية من التطريب الصرف إلى التعبيرية.
 
وتمثل التعبيرية أحد أهم مفاتيح تجربة زياد فى مشروعه المسرحى إجمالا، وقد تأثر كثيرا بالتعبيرية المسرحية وتجارب كسر الإيهام التى استلزمتها العروض الحية، التى ظل يقدمها خلال سنوات الحرب الأهلية، وما أعقبها فى لبنان من فترات قلق وهلع.
 
انحاز زياد لهذه التعبيرية فى بداياته، التى كانت مأخوذة بنماذج الالتزام السياسى، لكن انطلاقا من حالة عدمية فيما يتعلق بهوية البطل الفرد وأزماته، واستوعبت حاجته إلى التمرد المضاد لمختلف صور الفساد السياسى وصعود الرأسمالية الطفيلية وجميع صور الاستهلاك، فالتعبيرية التى نتجت عالميا عن أزمة عميقة، استوعبت تماما الأزمات التى عبرها زياد، وواصل مشروعه كمؤلف وملحن، وجاءت تجربته مع فيروز لتوازن بدقة بين قدمه المستندة إلى تراث راسخ ورأسه المحلق فى فضاء التجريب. 
 
وفى تلك التجارب، أعطته تجربة الشيخ سيد درويش ثم تجربة زكريا أحمد، الحلول التى كان يبحث عنها فى الوصول إلى جوهر الموسيقى العربية، والنفاذ إلى كنوزها الخفية، وهو أمر يمكن الاستدلال عليه بمختلف المعالجات التى قدمها لألحان سيد درويش (الحلوة دى / أو أهو دا اللى صار)، والتى تحولت بفضل توزيعاته إلى ألحان معاصرة تماما احتفظت بطابعها الكاريكاتيرى الفرح، وميلها إلى الصخب المصاحب لفكرة الاحتفال أو الكرنفال، وهى سمة أصيلة فى التجارب الرحبانية التى احتفظت بصخب الدبكة والرقصات العفوية.
 
وكما يشير المفكر اللبنانى فواز طرابلسى، فإن زياد نجح فى مسرحياته أن يصوّر التحولات المتسارعة لرسملة المجتمع اللبنانى المتسارعة، وصولا إلى انفجار الحرب، وتابع أطوارها، من منظور يسارى إنسانى نقدى معارض التمييز والظلم الاجتماعيين، وكانت السخرية عنده الواسطة الأمثل لكشف المفارقات، وتنفير التناقضات الاجتماعية فى تلك اللحظة التاريخية المميزة. لم يكن نتاج زياد الرحبانى الفنى إسهاما يساريا متألقا فى الثقافة اللبنانية والعربية والثقافة الشعبية وحسب، بل كان التعبير الأنجح عن الواقع المتحوّل ومخزونه المحتمل من أى خطاب سياسي.
 
كانت بدايات زياد كما يشير إلياس سحاب فى كتابه (دفاعا عن الأغنية العربية)، أكثر ارتباطا من عائلته بالشخصية الفنية العربية، بناء على المادة اللحنية والأسلوب التعبيرى الواضح فى أغلب ألحانه، فبينما كانت بداية الأخوين رحبانى متأثرة بالأغانى الغربية اقتباسا وتقليدا، فإن بصمات سيد درويش مثلا وفيلمون وهبى أحيانا تبدو واضحة لدى زياد، وهو من أنصف فيلمون ورد إليه اعتباره، كرائد وأب شرعى للأغنية اللبنانية، قامت تجربته على امتصاص مزيج من الفلكور اللبنانى وربطه بنماذج أخرى متعددة المصادر، سواء كانت سورية أم عراقية أم مصرية وفلسطينية.
 
فى أكثر من لقاء معه عبر زياد عن عشقه الفريد لموسيقى زكريا أحمد، معتبرا إياه (مثله الأعلى) بل قال إنه لا يضع فى صالون بيته سوى صورة للشيخ زكريا وإلى جوارها صورة والده، وبالتالى فهو أب آخر غير بيولوجى كان له الفضل فى تطوير قالب الطقطوقة أو الأغنية، كما كان له الفضل فى الحفاظ على الطابع الجماعى للأغنية والحوارية المرحة، المأخوذة من المسرح الدرويشى، كما يشير إلى ذلك الناقد اللبنانى فادى العبد الله فى كتابه (فى إثر الغواية/كتب خان 2024 ).
 
نسف الشيخ زكريا القواعد وأوفى شروط اللعب بقوالب الدور الموسيقى وصاغ جملته الفريدة، لكن محمد عبد الوهاب ومعه محمد القصبجى بعد ذلك استطاعا منح هذا التمرد صيغة ليمرإلى الناس. 
 
وكل تلك العناصر أسست لإعجاب زياد الفائق بهؤلاء، وأسس عليها نزعته التجديدية. الرائدة وبرر حاجته لتغيير الأنماط الموسيقية السائدة وصياغة تصوره الجديد عن الالتزام.
وفى إطار البحث عن مسار مغاير نظر زياد إلى تجربة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم بانبهار كبير، ولعل الثنائية التى صاغها مع جوزيف صقر فى جوهرها، كانت تقوم على الرغبة فى التماثل، لكنه سعى إلى شيء آخر مستند إلى وعيه المتفرد بالتطورات التقنية فى الموسيقى الغربية وأشكالها المعاصرة فى الجاز والبلوز، بما تضمنته من غضب وحاجة للتعبير عن الأصوات المقموعة حتى فى اللجوء إلى الموسيقى الكردية، كان يسعى إلى مساندة لتلك الأصوات المقهورة ومن ثم اكتسبت موسيقاه طابعا متمردا تعزز دائما بمواقف سياسية واضحة جرت عليه متاعب كثيرة، لكن رغم طابعها الشعبوى أحيانا ظلت آراؤه التى تعبر عن ايمان وليس عن مصالح أو التصاق بفئة أو جماعة، ومن هنا يمكن أن نفهم شعور الجميع، بأن ما يجمعهم مع زياد رفقة من نوع خاص وهتف الجميع (رفيق وينك يا رفيق) . 
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام