رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الخميس 22 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
ثقافة
زياد الرحبانى.. فى رثاء موسيقى عظيم
2-8-2025
|
23:40
محمد صالح - عازف بأوركسترا القاهرة السيمفونى
كان مشهداً مهيباً يمتد لا بطول لبنان وعرضها، بل بطول الوطن العربى، والأمة التى اجتمعت، تنعى الفنان الكبير والموسيقى العبقرى زياد الرحبانى، ولا أهاب هذه الكلمة وأخالها شديدة الدقة، فى وصف ابن فيروز وعاصى الرحبانى زياد.
يوم أدركنا جميعا أن زياد لم يكن شخصا بقدر ما كان فكرة، لم يكن إنسانا وموسيقيا وفنانا، بقدر ما كان معنى وجوهرا ومرحلة.
لم نبك موت زياد، بقدر ما كنا نبكى نهاية حقبة ومرحلة.. نهاية حلم.. نهاية حب.
لقد بكينا جميعا، بكاه القاصى والدانى، بكاه اللبنانى والسورى والمصرى والفلسطينى والأردنى، بكاه المارونى والدرزى والسنى والشيعى، بكوه فى أوروبا وأمريكا وإفريقيا وأستراليا.
زياد فوق الجغرافيا وفوق التاريخ، فوق الطائفة والعرق والجنس واللون والدين.
إنه الفنان الذى كان يجسد كل المعانى، التى كنا نفكر فيها ونعجز عن تجسيدها موسيقيا، كان زياد يغنى أغنيتنا، يقول عنّا جملتنا.
هو الأغنية التى تدرك فور سماعها، أنها لم تكن لتكون بأى لحن سوى هذا اللحن، كمعادلة الرياضيات البحتة التى تدرك بعد حلّها بنسبة 200 ٪، أنها صحيحة سليمة متسقة، ولا يمكن أن تحمل إجابة أخرى.
لا تطاوعنى لوحة المفاتيح أن أكتب "الراحل".
فزياد فعل مضارع لا فعل ماض.
ما زال وسيظل بفنه وإبداعه وقدرته على الولوج إلى ضمائرنا وأفئدتنا وعقولنا جميعاً.
إن زياد فى إبداعه، مثل الفنانين التشكيليين العظام، الذين تظن أنهم يرسمون فنا إستاتيكيا ثابتا على مر الزمن، فإنه زنبرك يشع طاقة الفنان الذى وضع فى كل فرشاة وكل لون، وكل خط وكل كتلة، جزءا من عمره ومن روحه، حتى يشبعنا بعد مرور مئات السنين.
شأنه فى ذلك فى ذلك، شأن بيتهوفن وبرامز ممن لا يصح أن تقول، إن سيمفونياتهم "طويلة"، بل هى كبيرة ضخمة حقيقية أصيلة متحققة.
كذلك زياد، هو مبنى لا طريق.
فكرة حقيقية وأصيلة ومتحققة ومكتملة.
هكذا كان وهكذا سيظل. كان مشهد الجنازة مهيبا جللا بحق فقد فقدت لبنان، وفقد العالم العربى ابنا بارا، يستحق بحق لقب "الموسيقى"، بالألف واللام، وقبله "الإنسان" بالألف واللام أيضا.
<<<
حينما يعود الملحن لكاتب الأغنية فى جلسة إبداعية تبادلية، يحاول الملحن أن يشرح للكاتب مشكلاته الموسيقية العصية على الحل، ويحاول الكاتب إذا كان مرناً متعاوناً، أن يبحث مع الملحن عن حلول فى كلماته ومقاطعه وحروفه، فإذا بهذا يحذف كلمة هنا أو كلمة هناك، والآخر يغيّر من لحنه ليطاوع الكلمات، فتخرج الأغنية كأنما هكذا نزلت من السماء.
ذاك هو أغلب الحال فى التقاء الكلمات بالألحان.
فماذا لو التقى اللحن والكلمة والأغنية بمقطع فيديو، أو فيلم، أو مسرحية؟
على الثنائى، وبعد كتابة اللحن/الأغنية أن يتعاملا مع المخرج، والمونتير، ومهندس الصوت، والإضاءة وغيرها من أفرع الفن المختلفة التى تتعاون فيما بينها، كى يخرج عمله الاستعراضى الغنائى ضخم إلى الوجود، سواء على خشبة المسرح أم على شاشات السينما والتليفزيون.
كل هؤلاء كان زياد الرحبانى وحده.
لهذا كانت العملية الإبداعية عند زياد الرحبانى متصلة متسقة متناسقة مرنة، كالعجين الذى يعرف وصفته ومقاديره تلك الدماغ العبقرية، التى كانت تتنفس بيننا حتى الأسبوع الماضى.
ولد فى عائلة فنية، فأصبح مصنعاً فنياً إذا ما شئت، استقى منه موهبته جينيا، ثم التهم ما يقع بين يديه وما تحط عليه أذنه من إبداع سيد درويش (بالتحديد)، ليبدع أول ألحانه لوالدته فيروز "سألونى الناس" فى سن 14 عاما، وليتعامل للمرة الأولى مع تغيير الكلام لمنصور الرحباني، وليفهم الآلية التى سيستخدمها فيما بعد مئات المرات فى التعامل التبادلى، ما بين النص الشعرى والنص الموسيقي، ما بين الكلمة واللحن.
فلا هذا مقدس ولا ذاك منزه، ويمكن لأيهما أن يتحرك تجاه الآخر.
وهذا بالتحديد ما دفعه نحو تجاربه وثورته وجنونه، بوضع كلمات لفيروز على لحن الحركة الأولى من السيمفونية الأربعين كوشيل 550 فى سلم صول الصغير، وما المانع؟
لا محاذير عنده ولا حدود ولا قيود، وزياد الرحبانى، هو تجسيد حى لتعريف الفن بأنه علاقة كل الأشياء بكل الأشياء، كل الألحان بكل الكلمات، وكل الأنماط بكل القوالب. بل إن موتسارت وسيمفونيته الشهيرة، أصبح فى الشرق الأوسط يعرّف بفيروز، واشتهر موتسارت بفضل زياد، الذى وضع للأغنية "يا أنا وياك" مقدمة للبيانو تصلح كى تكون جزءا من كونشيرتو لموتسارت بكل بساطة.
إن عبقرية زياد الرحبانى ليست فقط فى أنه امتداد منطقى وطبيعى لإبداع سيد درويش، حيث البطل ليس الشجن أو السلطنة فحسب، إنما أشكال وألوان أخرى من الإبداع تنطلق من بطن الواقع، وجذور الأرض، وإنما العبقرية الحقيقية فى قدرته على الإمساك ببذرة اللحن الموسيقى، وتطويعها والعمل عليها لإخراج عمل فنى متكامل.
يتضح ذلك بشكل جلى فى عمله "وقمح"، حيث يبنى مقطوعة كاملة على أربع نغمات بشكل أساسى فى سلم الحجاز والعلاقة بينها تبدو فى منتهى البساطة، إلا أنه ينسج من هذه العلاقة فكرة واضحة مكتملة.
يتضح ذلك أيضا فى أغنيته الأشهر "أنا مش كافر"، التى تتصدر فيها الكلمات بطلاً للأغنية، بينما لا تنزوى الموسيقى الشجية التى تحمل بصمة زياد، ويصبح صوت زياد الأجش المعبّر للغاية، معلماَ أساسياً من معالم الموسيقى العربية المعاصرة، وصوتا للفقير المهمش المظلوم المعتدى عليه.
لقد نجح زياد فى كل ما امتدت له يداه، فهو عازف جاز، ومؤلف موسيقى جاز عربية متميزة ذات بصمة واضحة، وهو عازف بيانو قادر على أن يكتب مطلعا لمسرحية "ميس الريم" فى تقاليد الكونشيرتو الغربي، وهو صاحب مذهب متفرد فى الموسيقى العربية، فتح فيه آفاقا لم يطرقها قبله أحد.
وإذا كان زياد الإنسان شخصاً يسارى النزعة ارتبط بالحزب الشيوعى اللبناني، فإن موسيقاه هى الأخرى كانت ثورية تقدمية قادرة على استيعاب كل أنماط الموسيقى، وقادرة على أن تحدث ثورة حقيقية فى جميع ما يرتبط بمجالات إبداعه وليس فى الموسيقى وحدها.
كلمات بحث
زياد الرحبانى
موسيقى عظيم
ثقافة
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
أحمد اللباد بعد اختيار والده شخصية معرض الطفل: أبى سيظل ملهما لأبناء المهنة والقراء
حرية الرأى والتعبير .. تاريخ فكرة خطرة.. نهاية لعبة فاشلة
يحتفى به معرض الكتاب.. إبراهيم عبد المجيد: الإبداع يعنى البحث عن عالم أفضل
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام