وجوه عبر الزمن



أحمد إبراهيم الفقيه.. خرائط الروح فى صحراء الذاكرة (1)

3-8-2025 | 00:31
إلهامى المليجى

لم يكن الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه، مجرد روائى ينسج العبارات، ولا دبلوماسيا يتقن لغة الخطابات الرسمية. كان ـ فى جوهره ـ ساردًا مهووسًا بتعقب المعنى فى متاهة الزمان الليبي، منغمسًا فى الحفر داخل ذاكرة المكان، باحثًا عن الإنسان وسط ركام الحروب، والاستعمار، وتبدلات الهويات.
 
ولد فى بلدة مزدة الليبية فى عام 1942، فاختزن منذ الطفولة مزيجًا من الصحراء والقرى والحنين إلى بدايات مأهولة بالأحلام والعزلة، حملته اللغة إلى القاهرة فدرس الأدب بعمق وشغف، ثم إلى لندن التى نال منها الدكتوراه، لكنها لم تنتزع منه رائحة الأرض الأولى، فى قلبه كان دائمًا ذلك البدوى الحالم الذى يسأل الرواية أن تُعيد تشكيل العالم، أو على الأقل أن تبرر أوجاعه.
اشتهر الفقيه بثلاثيته “سأهبك مدينة أخرى”، التى حملت قارئها إلى تخوم الحلم والخراب، لكنها لم تكن سوى مدخل إلى عمله الأضخم، “خرائط الروح”، العمل الملحمى المكون من اثنى عشر جزءًا، والذى يمكن اعتباره محاولة لتأريخ ليبيا من الداخل، من وجهة نظر الشخصيات المنكسرة والطامحة والمُستلبة، لم يعتمد الفقيه على التاريخ الرسمي، بل سعى إلى كتابة “تاريخ الروح الليبية” فى لحظات شقائها، مقاومتها، وسقوطها.
فى هذا العمل، لا يظهر الاستعمار كجيوش ومدافع فحسب، بل كخرابٍ فى اللغة، وتمزق فى الذات، وشروخٍ فى الذاكرة الجمعية. لكنه أيضًا يقدّم ترياقًا مضادًا: الحكاية، إذ يرى أن السرد قد يكون أكثر فاعلية من البندقية فى مقاومة المحو.
عمل فى السلك الدبلوماسى، لكنه لم يذُب فى رتابته. كانت تجربته فى السفارات، لا سيما فى أثينا وبوخارست، فصولًا موازية لروايته الطويلة مع الحياة، لم ينقطع عن الكتابة، بل ظل يرسل نصوصه كما تُرسل الرسائل من منفى اختيارى إلى الوطن، وكان فى كل محطة، سواء بصفته سفيرًا أو مستشارًا ثقافيًا، سفيرًا فعليًا للثقافة الليبية والعربية، رافعًا راية التنوير بلا ادعاء.
كتب القصة والرواية والمقال، وأدار المجلات، وحرر الصحف، وأشرف على مؤسسات ثقافية، لكنه ظل ـ حتى وفاته فى أبريل 2019 ـ وفيًا لنداء داخلى يطالبه بأن يكتب، أن يشهد، أن يبوح، أن يُخلد ذاكرة بلاده لا فى كتب التاريخ، بل فى نصوص تحتفظ برائحة الناس وبكاء الأمهات ونداءات الجنود المجهولين.
لم يكن الفقيه ناقدًا مباشرًا للأنظمة، لكنه مارس ما هو أعمق: نقدًا وجوديًا للمصائر العربية، وإعادة صياغة للهوية، لا باعتبارها شيئًا ثابتًا، بل ككائن جريح يتشكل فى تضاريس الألم والأمل. لم تكن “خرائط الروح” مجرد عنوان، بل تعريفا لمشروعه كله: أن يرسم خريطة للأرواح الهائمة فى برارى الوطن، وأن يقول إن الأدب ـ رغم كل شيء ـ لا يزال ممكنًا، وأن الخلاص لا يأتى من الخارج، بل من مصالحة داخلية مع الذات والتاريخ والمستقبل.
 
المشهد الأول: القاهرة، 1989 – حين التقت ضفتان على مائدة ثقافة
كان العام يشارف على نهايته، وشتاء القاهرة لا يزال يراوح بين بردٍ خفيف ودفءٍ اجتماعى لا تخطئه العين، فى ذلك الزمن، كانت العلاقات الليبية المصرية مجمدة فى قوالب السياسة، على وقع القطيعة التى فجّرها الخلاف العاصف بين السادات والقذافى عام 1977، وظلت شظاياه تتناثر أكثر من عقد، بين غبار معارك حدودية، وأجهزة أمنية ترقب كل كلمة، وتشكّ فى كل ظل.
كنت فى زيارة إلى طرابلس، أتنقل بين مقاهيها ووجوه أصدقائها، حين جمعتنى سهرة حميمة بالصديقين الميرغنى جمعة وعلى فرحات. كنا نحاور الزمن والسياسة والكتب، حتى انزلق الحديث إلى ما بدا للسامعين نكتة دبلوماسية أو مزحة ثقافية. قلت مازحًا وجادًا معًا:
“لا يوجد ما يمنع قانونيًا مشاركة مركز الكتاب الأخضر فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، بل ويمكن حتى طباعة الكتاب نفسه فى مصر”!
ضحكنا، لكن الضحك، كما يحدث أحيانًا، كان تمهيدًا لشىء آخر أكثر جدّية.
لم تمضِ سوى ساعات، حتى تلقيت اتصالًا عاجلًا من الفريق عبد الله حجازي، الذى كنت قد التقيته فى اليوم السابق. دعانى للقاء عاجل، وهناك فاجأنى بسؤال مباشر، لم تسبقه مقدمات:
“هل تحدّثت عن مشاركة مركز الكتاب الأخضر فى معرض القاهرة؟”
 “نعم، دار حديث عابر مع الميرغنى وعلي، وقلت إن المعرض دولي، ولا يحق له قانونًا أن يرفض مشاركة أى دولة، حتى ليبيا”.
لم يحتج الأمر أكثر من هذا التوضيح، حتى أمسك حجازى بالسماعة، واتصل بمدير المركز، إبراهيم أبجاد، طالبًا إصدار تفويض رسمى باسمى لإنهاء إجراءات المشاركة. وفى مساء اليوم ذاته، وصلنى التفويض إلى الفندق الكبير، عشية سفرى إلى روما ومنها إلى القاهرة.
وهكذا، دخل «الكتاب الأخضر» بوابة القاهرة، لا كبيان أيديولوجى ملاحق، بل كحقيقة ثقافية فى معرض دولى لا يميز بين النصوص مهما كانت مرجعياتها، المفارقة أن تلك المشاركة وقعت فى زمن كانت بعض الأجهزة المصرية تلاحق من يقتنى نسخة من الكتاب، وكأنما أرادت الثقافة أن تسبق السياسة بخطوة.
ولأن الرموز تحتاج طقوسًا، اقترحت على أبجاد تنظيم مائدة مستديرة، تتخللها مأدبة عشاء أدبى، احتفاءً بكسر الجليد. رحّب بالفكرة بحماسة، ورافقه فى تلك الأمسية وجه لم أكن قد التقيته من قبل: الكاتب والدبلوماسى الليبى الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه.
انعقد اللقاء فى الـ”رووف”، العلوى لفندق أوديون العتيق، حيث تمتزج رائحة الخشب بالحنين، وحيث النيل يطل من بعيد كشاهد على كل المصالحات المؤجلة، حضر الأمسية عدد من رموز الثقافة المصرية والعربية، ممن يجيدون العبور بين الجدّ والهزل، بين الشعر والسياسة، من بينهم: إبراهيم أصلان، سليمان فياض، إبراهيم عبد المجيد، محمد كشيك، مهدى مصطفى، سيد خميس، أحمد زرزور، حلمى سالم، محمد مستجاب، مدحت الجيار، هشام قشطة، وظبية خميس، وغيرهم ممن لم تسعفنى الذاكرة لاحقًا إلا بصورة أو تعليق.
كان الجو مشحونًا فى البداية، وكل طرف يقيس المسافة بينه وبين الآخر بما تراكم من ظنون التاريخ. لكن أحمد إبراهيم الفقيه، بعذوبة لهجته، وأناقة منطقه، وفطنته للنفَس الطويل، تولى إدارة الحوار دون أن يُطلب منه ذلك. فجّر الأسئلة، وتجنّب الاستقطاب، وفتح المجال للبوح. قال أحدهم لاحقًا وهو يهمس لى على الطاولة:
الرجل يتحدث كأديب لا كموظف رسمى، لغته أرقى من أى بيان سياسى.
ثم جاء دور أحدهم، وهو كاتب موهوب، فطلب مشروبات روحية بعينها، ووافق أبجاد بهدوء دبلوماسى، أنزل النادل بعد قليل ما لذا وطاب، واختلطت السياسة بالنكتة، والأدب بالكأس، وخفّت التشنجات، وبدأت القاهرة تفتح قلبها، على طريقتها، للوفد القادم من غرب الصحراء.
فى تلك الأمسية، لم نُنهِ خلافًا سياسيًا، لكننا بدأنا ما هو أبقى: استعادة اللغة المشتركة بين الضفتين. وانتهى اللقاء بمشروع غير متوقّع: كتابة قصص للأطفال تُنشر ضمن سلسلة “الكتاب الأخضر للأطفال”، فى محاولة لتجديد الروح من جذورها.
أما علاقتى بأحمد إبراهيم الفقيه، فقد بدأت من تلك الليلة. وظلت تنمو على مهل، بين الحوارات والمراسلات واللقاءات المتقطعة، رجل لا يرفع صوته، لكن صوته لا يُنسى؛ مثقف لا يتكلف، لكنه عميق كعينٍ بربريةٍ تعرف دروب التاريخ دون خرائط.
 
 حين تتقاطع الدروب
منذ تلك الليلة على سطح فندق أوديون، ثم اللقاء فى مكتبى، بدأت تتشكل بينى وبين أحمد إبراهيم الفقيه صداقة من نوع خاص، قوامها الاحترام المتبادل، والانفتاح على الحوار، والقدرة على الإصغاء دون أحكام مسبقة. كانت علاقة نضجت على مهل، وتعمّقت عبر جلسات حوار طويلة، وكتب متبادلة، وذكريات مشتركة.
ولعل اللحظة المفصلية التى عززت ذلك التقارب، تمثلت فى تلك الأمسية التى أهدانى فيها نسخته من ثلاثيته “سأهبك مدينة أخرى”، التى كانت قد صدرت عن دار رياض الريّس اللندنية. جلسنا طويلًا نتأمل بنية العمل، وشخصياته، ولغته المتدفقة، وما بين السطور من ألمٍ ليبيّ خالص. كان النقاش حولها بمثابة مرآة عاكسة لتجربته، ومفتاحًا جديدًا لفهم هذا السارد الذى أصر أن يُعيد رسم خرائط الروح فى زمن تشوّهت فيه الحدود والمعانى.
لكن كما يحدث دائمًا حين يتقاطع الأدب بالسياسة، والأمل بالخذلان، جاءت لحظة الاختلاف. حين انحاز الفقيه، لاحقًا، لما سُمى بثورة فبراير، لم يكن انحيازه عابرًا أو تكتيكيًا، بل جاء من موقع قناعة داخلية بأنه آن أوان التغيير. أما أنا، فرأيت فى تلك اللحظة مشروع فوضى مقنّعة، سرعان ما كشفت عن وجهها الدموى وفتحت أبواب ليبيا لرياح لا ترحم.
هكذا، من دون صدام، ومن دون كلمات قاسية، بدأت علاقتنا تدخل طور الفتور.. ذلك النوع من البُعد الصامت الذى لا يلغى الود، لكنه لا يسمح باستمراره كما كان.
الخاتمة فى الحلقة 
المقبلة، أستعيد تلك اللحظة الفارقة: لحظة الإهداء، ولحظة الاختلاف. وسأحاول، ما استطعت، أن أجيب عن السؤال: كيف ينقلب الرفاق إلى غرباء حين تفترق التأويلات؟ وكيف تبقى المحبة برغم الغبار؟
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام