سوق ومال



يعزز جودة الحياة الناس ويوفر فرص العمل.. النقل النظيف هدف إستراتيجى

3-8-2025 | 20:24
سلوى سيد

المجلس الدولى للنقل النظيف ICCT: يتعين على قطاع النقل البرى العالمى أن يقلص انبعاثات الغازات الدفيئة إلى 2.3 جيجا طن بحلول العام 2050
 
د. محمد راشد: تحديات كثيرة تعترض توطين النقل الأخضر فى العالم العربى فى طليعتها التكلفة العالية للبنية التحتية
 
فى ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة، تبرز أهمية النقل الأخضر كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتقليل البصمة الكربونية، وتسعى مصر إلى جانب عدد من الدول العربية بخطى حثيثة نحو تبنى هذا التوجه، من خلال إستراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز استخدام المركبات الكهربائية بأنواعها المختلفة، وإعادة تفعيل النقل النهرى، بما يمثل قفزة نوعية فى مستقبل قطاع النقل، ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل غير تقليدية. عبر التوسع فى صناعة المركبات الكهربائية، سواء كان ذلك بالتصنيع المحلى أم التجميع، يستدعى إنشاء مصانع جديدة، وتوفير وظائف فى مجالات التصنيع، والصيانة، وتطوير التكنولوجيا المرتبطة بهذه الصناعة، كما أن تطوير البنية التحتية اللازمة، مثل محطات الشحن الكهربائية ومراكز الخدمة المتخصصة، يخلق هو الآخر فرص عمل إضافية ، مما يدعم الميزان التجارى للدولة ويعزز من استقرار الاقتصاد الكلى. 
 
وفقا للمجلس الدولى للنقل النظيف ICCT، قد تبلغ انبعاثات ثانى أكسيد الكربون الصادرة عن المركبات البرّية ذروتها هذا العام لتصل إلى عتبة 9 مليارات طن، ويتعيّن على قطاع النقل البرى العالمى أن يقلّص الحجم السنوى لانبعاثاته من غازات الدفيئة إلى 2.3 جيجا طن بحلول العام 2050. 
يعود النقل الأخضر بفوائد جمة على جودة حياة الناس، فمن خلال تحسين جودة الهواء يسهم مباشرة فى تحسين الصحة العامة للسكان، وتقليل الإنفاق على الرعاية الصحية المرتبطة بالأمراض الناتجة عن التلوث، ووفقا لتقديرات المنظمات الدولية المعنية بالبيئة يمثل النقل الأخضر الحل الأمثل للحد من الانبعاثات الضارة وتقليل التلوث الهوائى الناتج عن المركبات التقليدية التى تعمل بالوقود الأحفورى، والعوادم المنبعثة من هذه المركبات هى المساهم الرئيسى فى تدهور جودة الهواء فى المدن، وتزيد من مخاطر الأمراض التنفسية والقلبية، لذا، فإن التحول إلى وسائل نقل تعتمد على الطاقة النظيفة، مثل الكهرباء، يسهم بشكل مباشر فى تحسين جودة الهواء وصحة المواطنين، ويقلل من ظاهرة الضباب الدخانى التى تؤثر سلبًا على الرؤية والصحة العامة، كما أن هذا التوجه يدعم مبادئ الاستدامة البيئية، من خلال ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى، الذى ينضب بمرور الوقت، ويعزز من استخدام مصادر الطاقة المتجددة المتوفرة محليًا مثل الشمس والرياح. 
 
جودة الهواء
ويحمل «النقل الأخضر» أهمية كبرى لتحقيق التنمية المستدامة فى مصر ومواجهة التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، يرجع هذا التوجه إلى قدرته على الحد من الانبعاثات وتقليل التلوث الهوائى الناتج عن المركبات التقليدية، مما يسهم فى تحسين جودة الهواء وصحة المواطنين، كما أن «الاستدامة» هى محور أساسى، حيث يعزز استخدام المركبات الكهربائية ومصادر الطاقة المتجددة الحفاظ على البيئة واستدامة الموارد للأجيال المقبلة، علاوة على ذلك، يمكن لهذا التوجه أن يسهم فى التنمية الاقتصادية عبر خلق فرص عمل جديدة فى مجالات التصنيع، والصيانة، والبنية التحتية المرتبطة بالنقل الأخضر، بالإضافة إلى تخفيف الازدحام المرورى، مما يوفر الوقت ويزيد من كفاءة التنقل.
وهناك نماذج بارزة عالمية نجحت فى مجال النقل الأخضر مثل «النرويج»، التى تُعد رائدة فى استخدام المركبات الكهربائية، حيث تشكل نسبة كبيرة من السيارات الجديدة المباعة هناك، كما تبرز «الصين» كنموذج ناجح فى تطوير صناعة السيارات الكهربائية بدعم حكومى قوى وتوسع فى استخدام الحافلات الكهربائية. 
 التحول نحو النقل الأخضر له تأثير إيجابى كبير على أداء الاقتصاد المصرى ومستوى معيشة المواطنين. فعلى الصعيد الاقتصادى، يمكن أن يجذب الاستثمار فى البنية التحتية للنقل الأخضر شركات محلية وأجنبية، مما يعزز النمو الاقتصادى ويوفر تكاليف الوقود بتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى، كما سيؤدى هذا التحول إلى خلق فرص عمل جديدة فى مجالات التصنيع والصيانة والتكنولوجيا، ويعزز السياحة بتحسين وسائل النقل.
أما بالنسبة للمواطن، سيسهم فى تحسين جودة الحياة عبر تقليل التلوث الهوائى، وتقليل تكاليف النقل مع زيادة الاعتماد على المركبات الكهربائية والمواصلات العامة، وتحسين التنقل من خلال تطوير النقل النهرى ووسائل النقل العام، وأخيرًا، زيادة الوعى البيئى لدى المواطنين، مما يشجع على سلوكيات أكثر استدامة.
 
إستراتيجية متكاملة
اتجه عدد من الدولة العربية وفى مقدمتها مصر نحو تبنى إستراتيجية متكاملة لتعزيز النقل الأخضر، بالشراكة مع القطاع الخاص (المحلى والأجنبي) ترتكز على محورين أساسيين: التوسع فى استخدام المركبات الكهربائية بأنواعها، وإعادة تفعيل النقل النهري، فيما يتعلق بالمركبات الكهربائية، تسعى حكومة الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء إلى تشجيع توطين صناعة السيارات الكهربائية من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية والشراكات مع الشركات العالمية الرائدة. ويتمثل الهدف فى بناء قاعدة صناعية محلية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير إلى الأسواق الإقليمية، وهذا يشمل ليس فقط تجميع السيارات، بل أيضًا تصنيع مكوناتها الأساسية مثل البطاريات والمحركات الكهربائية، وفى هذا الصدد، يتم العمل على تقديم حوافز استثمارية للشركات، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية، وتوفير الأيدى العاملة المدربة. على جانب المستهلك، كذلك يتم دراسة آليات لتشجيع شراء السيارات الكهربائية، مثل الإعفاءات الجمركية أو الضريبية، وتسهيل برامج التمويل الميسرة، لتقليل الفارق فى التكلفة الأولية بينها وبين السيارات التقليدية، كما أن هناك خطة طموحة للتوسع فى أعداد محطات الشحن الكهربائية لتغطية جميع المحافظات، وتوفير أنواع مختلفة من الشواحن لتناسب احتياجات جميع المركبات الكهربائية، ولم يقتصر الأمر على السيارات الخاصة، بل امتد ليشمل التوسع فى استخدام الحافلات الكهربائية ضمن منظومة النقل العام، والقطارات الكهربائية الحديثة مثل القطار الكهربائى الخفيف (LRT) والقطار السريع، مما يمثل نقلة نوعية فى شبكة المواصلات العامة الصديقة للبيئة.
 
أما تفعيل النقل النهرى، فيمثل جانبًا مهما من إستراتيجية النقل الأخضر التى تتبناها الدولة. فمصر تمتلك نهر النيل الشريان الحيوى الذى يمر عبر معظم محافظاتها، ويوفر مسارًا طبيعيًا لنقل البضائع والأفراد بكفاءة بيئية واقتصادية عالية، كما تهدف الإستراتيجية إلى إعادة إحياء النقل النهرى كبديل فاعل للطرق البرية المزدحمة، مما يقلل من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الشاحنات ووسائل النقل البرى. يشمل ذلك تطوير البنية التحتية للمراسى والموانئ النهرية، وتحديث الأسطول النهرى ليصبح أكثر صداقة للبيئة من خلال استخدام محركات أقل تلويثًا أو حتى كهربائية، كما يتم العمل على تسهيل إجراءات التراخيص للنقل النهرى، وتشجيع الاستثمار الخاص فى هذا القطاع. كما يسهم تفعيل النقل النهرى فى تخفيف الضغط على شبكة الطرق البرية، وتقليل تكاليف النقل للبضائع، وتوفير تجربة سياحية فريدة ومستدامة.
 
ويرى الدكتور محمد راشد، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنى سويف، أن مصر تتبنى خطة طموحا لتعزيز الاستثمارات فى مجال النقل الأخضر، إيمانًا منها بدوره كإحدى الآليات الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة، وأوضح راشد أن هذه الخطة تتجلى بوضوح فى سياسة الموانئ الخضراء، مستشهدًا بميناء بورسعيد كنموذج رائد فى هذا الشأن. كما أشار إلى التوسع فى وسائل النقل المستدام، ومنها توطين صناعة السيارات الكهربائية فى مصر، والتوسع فى الاعتماد على القطارات الكهربائية والأتوبيس الترددى، إضافة إلى تشجيع استخدام الدراجات الهوائية.
ولم يغفل الدكتور راشد الإشارة إلى التحديات التى تواجه هذه الطموحات الكبيرة، لاسيما فى الدول العربية النامية، مؤكدًا أن أبرزها يتمثل فى التكلفة العالية للبنية التحتية التى تتطلبها شبكة النقل المستدام، وتشتمل هذه البنية التحتية محطات الكهرباء ومحطات شحن وسائل النقل الأخضر فى جميع الطرق، وهو ما يستدعى توفير محفظة تمويلية كبيرة لضمان استدامة التوسع فى الشبكة.
 
وأشار الدكتور راشد إلى الحكومة المصرية ـ كنموذج ـ تعمل على مواجهة هذه التحديات بجذب استثمارات فى مجال إنتاج الطاقة المتجددة من قبل القطاع الخاص المحلى والأجنبى، وتدشين مشروعات عملاقة لتوطين صناعة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. كما تتجه أيضًا نحو إنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر لضمان تكامل المنظومة بأكملها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام