مقالات



برقع الحياء السياسى

7-8-2025 | 21:34
د.عمرو بسطويسى

منذ خمسة أعوام، وفى المكان نفسه على صفحات «الأهرام العربى» سطرت بقلمى مقالاً بعنوان «رداء الدين»، فى ذلك المقال تحدثت عن تلك الظاهرة القديمة قِدم الزمان، والتى تعرضت لكثير من التحديث فى العقود الأخيرة، ألا وهى التَمَسُّح بالدين واستغلاله لأغراضٍ شتى.

فبدءًا من المحال التجارية التى تعمل تحت مسميات دينية رنانة لتقنع الزبائن أن أصحابها هم «ناس بتوع ربنا»، فيتقبلون أسعار السلع مهما كانت!!  ومروراً بالطبيب «الشيخ» أو «المتصوف» الذى يمزج العلم بالدين فى توليفة خادعة للمرضى للإيحاء بقدراتٍ علاجية أقرب إلى المعجزات، فيصبح كف يده بركةً تَحِلُ على المريض فإن لامسه شفى!! وانتهاء بالأحزاب والتنظيمات السياسية والميليشيات التى تتخذ من المسميات الدينية عنواناً لها، فتجذب إليها البسطاء من العامة والمغيبين عن الحقائق، وتجعل من حولها هالة من المناعة العقائدية، حتى إذا ما اختلف معهم أحد سياسيا وصموه بالكفر والتعدى على الدين وعلى خالق الكون، وهو -جل فى علاه- منهم براء، والتاريخ يعلمنا أيضاً قصص «صكوك الغفران» فى أوروبا العصور الوسطى.

وهكذا، كنا قد اعتدنا على تلك الصور المجتمعية التى ترتدى رداء الدين لتحقيق أغراض دنيوية. أما اليوم، فسأكتب عن شكلٍ جديد من أشكال هؤلاء الملتحفين بعباءة الدين كذباً وزوراً وبهتاناً؛ ولعل من القراء من تابع أخيرا تلك القافلة الآتية من الغرب والتى لا تحمل رغيفَ خبزٍ واحدا ونيتها المعلنة اقتحام الحدود المصرية فى معبر رفح بادعاء فك الحصار عن غزة المكلومة، بينما نيتها غير المعلنة كانت إحداث فوضى تؤدى إلى تهجير اهل غزة إلى سيناء وإغلاق القضية الفلسطينية.

لقد سلكوا ما سلكوه من مسارٍ خبيث، متناسين أن ذلك المعبر مغلق ومحتل من قبل الجيش الإسرائيلى من جهة غزة، وأن هناك أكثر من خمسة معابر أخرى تخضع للاحتلال الإسرائيلى بشكلٍ كامل، كان يمكن أن يتوجهوا اليها.

صاحب ذلك حملات ممنهجة لزعزعة الداخل المصرى على صفحات التواصل الاجتماعى عن طريق الذباب الإلكترونى، وكذلك تلك المحاولات لاسترجاع منظومة الإرهاب والتى تم إجهاضها من قبل الأمن المصرى.

كل هذا كان تكراراً مملاً عهدناه مراراً بنفس الطرق المعروفة لنفس الجماعات المريضة والمعروفة للجميع والتى تستهدف مصر حكومةً وشعباً.
هذا إلى أن تفاقم الوضع الدولى وسمعنا أصوات العديد من الدول التى سبق لها مساندة إسرائيل تدعو إلى الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية بالأمم المتحدة، وذلك بفضل الجهود المصرية والعربية لكشف الواقع الفلسطينى أمام دول وشعوب العالم.

هنا، لم تستطع جماعات الظلام أن تصمت أو أن تنتهج طريقاً أكثر ذكاءً، فبدأت فى استكمال السلسلة التآمرية منذ قافلة الأوهام تلك، فتم الدفع بها من قبل قوى الصهيونية العالمية لتشتت الانتباه بعيداً عما تراه أعين العالم من جرائم حرب وتطهير عرقى ومحاولات تهجير على أرض غزة، فوجدنا مأجوريهم وقد نظموا تلك المظاهرات البلهاء حول سفارات مصر فى بعض دول العالم بادعاء سفيه بأن مصر هى السبب فى حصار غزة وتجويعها فى مخالفة فجة لحقائق يعرفها الأطفال قبل الكبار ورآها العالم كله رؤى العين لا مجازاً، وقد شاهدنا بعضاً من تلك الفيديوهات الكوميدية لبعض الرعاع الذين يحاولون وضع أقفالاً على أبواب السفارات المصرية فى الخارج!!

والحقيقة أنه كان من الممكن أن ينخدع بعض البسطاء بسهولة بهذا المسلسل التآمرى والواضح ترابط حلقاته، وبتلك التظاهرات البلهاء المصطنعة، إلا أن تظاهرة واحدة أمام السفارة المصرية فى تل أبيب كانت كفيلة بشرح الوضع برمته للعالم، وأن تكشف حقيقة تلك التنظيمات التى التحفت برداء الدين لعقودٍ طويلة.

هؤلاء المأجورون والخونة فى هذه المرة لم يكتفوا بارتداء رداء الدين فقط ليخدعوا بذلك شعوبهم ويضللوهم على مدار عقود، بل إنهم هذه المرة أزالوا برقع الحياء السياسى تماماً لكى نرى من تحته تلك الوجوه القبيحة الخائنة والتى تؤكد بما لا يقبل الشك أن هؤلاء ليسوا موالين للماسونية والصهيونية العالمية وحسب، بل أنهم وجوه مختلفة لعملةٍ واحدة. كلهم تنظيم واحد لا يتجزأ هدفه هو تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى» من الفرات إلى النيل وتهجير وقتل الشعب الفلسطيني.

ولعل من الفضائل القليلة لكل ما حدث منذ بدء العدوان على غزة فى أكتوبر 2023، هو ظاهرة سقوط الأقنعة والتى أدت إلى أن تدرك الشعوب العربية مواطن الخيانة فى هذه الأمة وأن تعرف حجم المؤامرة على الأوطان العربية، كما أنها جعلت شعوب العالم الحر تثور من أجل الحق الفلسطينى، حتى فى الدول التى عُرفت بتأييدها لحكومة الاحتلال الإسرائيلي.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام