ضبط المجال الإفتائى لا يتحقق إلا عبر مؤسسات راسخة أنشأنا مواقع وتطبيقات إلكترونية ومؤسسات لمتابعة الفتاوى المتطرفة نسعى من خلال المؤتمر إلى تعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء فى مختلف دول العالم المفتى الرشيد فى هذا العصر ليس مجرد ناقل للفتاوى أو حافظ للنصوص بل مشروع علمى مستقبل الفتوى سيكون أكثر رسوخا وفاعلًا إذا استمرت عملية التأهيل الشامل للمفتى أسسنا وحدة متخصصة للإرشاد الزوجى تعنى بتقديم برامج تدريبية لتأهيل المقبلين على الزواج لا نقتصر على مدرسة فقهية واحدة فى إصدار الفتوى بل نعتمد على ما نسميه بـ«معتمد الفتوى» نستعد خلال الفترة المقبلة لافتتاح خمسة فروع لدار الإفتاء فى المحافظات وقريبا نفتتح فرع محافظة السويس
عندما توجهت إليه بالسؤال عن المسئولية العظيمة التى تقع على كاهله، كان جوابه إن «منصب المفتى ليس مجرد منصب، بل مسئولية حقيقية وأمانة عظيمة أمام الله، فالكلمة التى تصدر تترتب عليها مصائر أسر وأناس كثر، لذلك أتعامل مع كل قضية بوعى عميق أحاول أكون فى مقام المتجرد من الهوى، المنصف فى الحكم، الدقيق فى الفهم، المنصت لصوت الحق دون أن أخل بالثوابت الشرعية، أتبع المناهج التى تقوم على الدراسة المتأنية، لكل مسألة مهما بدت صغيرة أو عارضة وعلى العودة إلى المصادر المعتمدة فى الفقه الإسلامى مع مراعاة السياقات الاجتماعية».. هذا باختصار ما يقوم به فضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور نظير عياد فى كل فتوى تتعلق بأمر مهم بشأن المجتمع، لأنه يعتبر أن الكلمة أمانة، وحق، وأنه سيحاسب أمام الله عن كل فتوى تصدر.. فضيلة المفتى قارئ نهم ينهل من المناهل العلمية المختلفة، دينية وشرعية وإنسانية ولغوية واجتماعية، لأنه يؤمن أن من يعمل فى مجال الفتوى لا تقتصر قراءته على نوع معين من الكتب، ودائما يؤكد أن مستقبل الفتوى سيكون أكثر رسوخا وفاعلية إذا استمرت عملية التأهيل الشامل للمفتى. خلال الشهر الجارى وتحديدا يوم 12 أغسطس، تنطلق فاعليات المؤتمر العالمى العاشر الذى تنظمه دور وهيئات الإفتاء فى العالم. يأتى المؤتمر بعنوان «صناعة المفتى الرشيد فى عصر الذكاء الاصطناعى» حيث أكد فضيلة المفتى أن دار الإفتاء المصرية تسعى من خلال هذا المؤتمر إلى تعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء فى مختلف دول العالم، ومناقشة محاور متنوعة منها تكوين المفتى الرشيد حيث سنتناول المؤهلات العلمية، ومهارات فهم الواقع المعاصر، والتوازن بين فقه النص وفقه الواقع، والإفتاء فى عصر الذكاء الاصطناعي: كيف يمكن تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعى فى دعم الفتوى؟ وما ضوابطها؟ لضمان الموثوقية والعدالة، والتحول المؤسسى للمؤسسات الإفتائية عبر وضع آليات لقياس الأداء ومعايير لضمان جودة الفتوى داخل الهيئات الرسمية، وتمكين المفتين رقميًّا من خلال إعداد برامج تدريب فى اللغات المختلفة.
< فضيلة المفتى، فى البداية نود التعرف على أهم محاور مؤتمر الإفتاء الذى سيعقد قريبا فى مصر، والذى سيأتى تحت عنوان عريض «صناعة المفتى الرشيد فى عصر الذكاء الاصطناعى»؟
مؤتمر هذا العام مميز بشكل كبير حيث يناقش موضوعًا مهمًا، ألا وهو الذكاء الاصطناعى وكيفية الاستفادة منه فى المجال الإفتائى، لذا سيبحث المؤتمر هذا العام جملة من المحاور الحيوية التى تسعى إلى تقديم تصور متكامل للمفتى المعاصر، ليس فقط من ناحية التأهيل العلمى، بل من حيث القدرة على فهم الواقع المتغير، والاشتباك الواعى مع قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فنحن لا نتحدث عن الإفتاء كعملية تقليدية، بل كنشاط مؤسسى يحتاج إلى الحوكمة، وضبط الأداء، وتوظيف الأدوات الرقمية الحديثة، مع مراعاة الضوابط الأخلاقية والشرعية فى الوقت نفسه. كما أننا نسعى من خلال هذا المؤتمر إلى تعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء فى مختلف دول العالم، وسنعمد فى المؤتمر إلى مناقشة محاور متنوعة منها تكوين المفتى الرشيد، حيث سنتناول المؤهلات العلمية، ومهارات فهم الواقع المعاصر، والتوازن بين فقه النص وفقه الواقع، والإفتاء فى عصر الذكاء الاصطناعي: كيف يمكن تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعى فى دعم الفتوى؟ وما ضوابطها؟ لضمان الموثوقية والعدالة، والتحول المؤسسى للمؤسسات الإفتائية عبر وضع آليات لقياس الأداء ومعايير لضمان جودة الفتوى داخل الهيئات الرسمية، وتمكين المفتين رقميًّا من خلال إعداد برامج تدريب فى اللغات المختلفة لتكوين وعى رقمى للمفتين يدعم قدرتهم على التعامل مع القضايا التقنية والمعرفية المستجدة، وكذلك تعزيز التعاون الدولى من خلال إصدار ميثاق عالمى وخيارات تنموية مشتركة بين دور الإفتاء، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة عالميًا.
< من واقع هذا العنوان ومحاور هذا المؤتمر، هل مسئولية الفتوى تقع على المشرع علميًا؟
الحقيقة أن عنوان المؤتمر ومحاوره يقودنا إلى إعادة التأمل فى ماهية الفتوى وطبيعة المسئولية المنوطة بالمفتى، وهل تتوقف عند مجرد إصدار الحكم الشرعى، أم تمتد إلى ما هو أوسع من ذلك بكثير، ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد أن المفتى الرشيد فى هذا العصر ليس مجرد ناقل للفتاوى أو حافظ للنصوص، بل هو “مُشرع علمي” بالمعنى الدقيق للكلمة. لذا فإن المسئولية العلمية فى مجال الإفتاء لا تقف عند حدود البيان النظرى، وإنما تشمل إدراك الواقع، وتحليل المعطيات، وتقدير المآلات، ثم بناء الرأى الفقهى على أسس علمية راسخة ومتماسكة، فالمفتى الحقيقى لا يصدر فتواه فى الفراغ، بل يتعامل مع واقع معقد ومتشابك، ويحتاج إلى أدوات علمية مركبة، من الفقه والأصول، ومن العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأيضًا من الوعى التكنولوجى الحديث.
< هناك تحديات كثيرة تواجه مجال الفتوى فى العالم كله، فكيف تتم مجابهة هذه التحديات؟
بالتأكيد.، فمجال الفتوى اليوم يواجه تحديات متزايدة، تتصل بتعقيد الواقع، وسرعة التغيرات، وانتشار الفوضى المعرفية والدينية والإفتائية عبر الفضاء الرقمي، فالفتوى لم تعد تُطلب من أهل التخصص والمؤسسات المعتمدة، بل من خلال محركات البحث، وتتناقل عبر منصات التواصل الاجتماعى دون ضوابط أو تأهيل، ومن هنا جاءت خطورة المرحلة، وبرزت الحاجة إلى مواجهة هذه التحديات بحكمة وعلم وإستراتيجية مدروسة. وأول ما نؤكد عليه فى هذا السياق هو أن ضبط المجال الإفتائى لا يتحقق إلا عبر مؤسسات راسخة ذات مرجعية واضحة ومعايير علمية دقيقة، ولهذا سعت دار الإفتاء المصرية إلى تأسيس منظومة متكاملة تجمع بين التأصيل العلمى، والرصد الواقعى، والتفاعل الرقمى، عبر كيانات متخصصة مثل الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، والمؤشر العالمى للفتوى ومركز سلام لدراسات التطرف، وغيرها. كما أننا نولى أهمية كبرى لتأهيل من يقوم بمهمة الإفتاء نفسه، فالتحديات التى نواجهها لا يمكن مواجهتها إلا بمفتٍ رشيد، مؤهل بامتلاك أدوات الاجتهاد، وبإدراك فقه الواقع.
< كيف يتم إعداد المفتى لمواكبة التطورات العصرية؟
إعداد المفتى فى عصرنا لم يعد مقصورًا على التحصيل التقليدى للعلوم الشرعية، وإن كان ذلك هو الركيزة الأساسية التى لا غنى عنها، المفتى اليوم مطالب بأن يكون عالمًا مؤهلًا، وفى الوقت نفسه يكون مثقفًا معاصرًا، واعيًا بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، وقادرًا على استيعاب تعقيدات الواقع ومخاطبة الإنسان الحديث بلغة تجمع بين المضمون الأصيل والأسلوب الفاعل. ولهذا حرصنا فى دار الإفتاء المصرية على إنشاء منظومة تأهيل متكاملة للمفتى المعاصر، تبدأ من الإعداد العلمى الراسخ فى الفقه وأصوله، وتنفتح على علوم إنسانية متعددة كعلم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد، إلى جانب التدريب على فقه الواقع وقراءة الظواهر الاجتماعية، وتطوير المهارات الاتصالية والتقنية.
< ما الجهود التى تقوم بها دار الإفتاء المصرية، تجاه إعداد مفتٍ متمكن يكون مصدرًا موثوقًا للعامة؟
كما ذكرت فإن دار الإفتاء المصرية، والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم تولى مسألة إعداد المفتى عناية خاصة، لذا أطلقت الدار عددًا من البرامج التدريبية والتأهيلية للمفتين من مصر وخارجها تمتد إلى ثلاث سنوات يتلقى الطالب فيها مجموعة من المواد المؤهلة لمهمة الإفتاء، ويقوم بتدريس هذه المواد نخبة من أساتذة جامعة الأزهر، كما يحضر الطالب مجالس الإفتاء تحت إشراف السادة أمناء الفتوى، ويتلقى أيضا تدريبًا عمليًّا على مهارات الإفتاء تحت إشراف إدارة التدريب بالدار، ويمنح من يجتاز هذه الدورة شهادة فى نهاية مدة دراسته تفيد تلقيه التدريب على الإفتاء بدار الإفتاء المصرية، وبالفعل شهد العام الماضى تنفيذ 65 برنامجًا ودورة تدريبية، بإجمالى 10,993 ساعة تدريبية، استفاد منها 11.292 متدربًا من 25 دولة.
< كيف يتم تطبيق الذكاء الاصطناعى فى مجال الفتوى؟
الذكاء الاصطناعى لم يعد خيارًا أمام مؤسسات الفتوى، بل أصبح أداة لا غنى عنها لمواكبة العصر وفهم احتياجات الناس المتغيرة، ونحن فى دار الإفتاء المصرية ندرك تمامًا أن تسارع وتيرة الحياة، وتعدد مصادر المعرفة، وكثرة الأسئلة الفقهية التى ترد من مختلف بقاع الأرض، تستلزم منا أن نطور أدواتنا، وأن نستخدم كل ما هو متاح من تقنيات حديثة لصالح ترشيد الخطاب الدينى، وايصال الفتوى الصحيحة إلى الناس. من هنا جاءت فكرة دمج الذكاء الاصطناعى فى مجال الإفتاء، ليس كبديل عن المفتى المؤهل، إنما كمساعد قوى ودقيق يمكنه أن يحسِّن من جودة العمل الافتائى، من خلال بناء أنظمة إلكترونية قادرة على فهرسة واستدعاء النصوص الشرعية والفتاوى السابقة وفق سياقاتها، وهو ما يساعد المفتى فى الوصول إلى الحكم الشرعى المناسب بأقصى سرعة، من ضرورة المحافظة على الدقة والجودة. ونسعى كذلك إلى تدريب كوادرنا على كيفية التعامل مع هذه النظم، بحيث لا يشعر المفتى بأن التقنية غريبة عنه، بل هى جزء من أدائه المهنى والعلمى، وهذه الخطوة مهمة فى ظل التحولات الرقمية الكبيرة، واتساع رقعة الفتوى عالميًّا، والحاجة إلى خطاب دينى منضبط يصل إلى الجميع بلغاتهم ووسائلهم.
< كيف نتلافى مخاطر الذكاء الاصطناعي؟
بطبيعة الحال، كل تقنية حديثة تحمل فى طياتها منافع ومخاطر، والذكاء الاصطناعى ليس استثناء، ولذلك نحن فى دار الإفتاء نؤمن أن التعامل مع هذه التكنولوجيا لا يكون فقط بتسخيرها، بل أيضًا بوضع الضوابط الأخلاقية والدينية لاستخدامها. وأول ما يجب الانتباه له هو ضرورة وجود العنصر البشرى المؤهل إشرافيًا على استخدام الذكاء الاصطناعى فى مجال الفتوى، فلا يمكن أبدًا ترك المجال مفتوحًا لخوارزميات قد تنتج فتاوى دون فهم للسياق أو المقاصد الشرعية، ونحن نؤكد دائمًا أن التقنية لا تغنى عن العقل الفقهى المدرب، بل تعاونه وتدعمه فقط.
< منذ سنوات كنا نتحدث عن تجديد الخطاب الدينى، فهل هناك مستجدات فيما يتعلق بأمر الفتوى؟
بالفعل، الحديث عن تجديد الخطاب الدينى لم يكن شعارًا عابرًا، بل كان مشروعًا متكاملًا نعمل عليه منذ سنوات، خصوصا فى ما يتصل بمنظومة الفتوى، ونحن فى دار الإفتاء المصرية أدركنا مبكرًا أن التجديد لا يعنى القطيعة مع التراث، إنما يعنى التفاعل الواعى معه، وتطوير أدواتنا لاستيعاب متغيرات العصر. ومن هذا المنطلق، كان من المهم أن نمزج ما بين العمق العلمى والدقة الفقهية من جهة، وبين المرونة فى الطرح واستيعاب الواقع من جهة أخرى بما يتسق مع سمة التشريع من التيسير والمرونة، وهذا ما حرصنا عليه فى البرامج التدريبية للمفتين وربطها بفقه الواقع، وفهم الأبعاد النفسية والاجتماعية للسائل، والتعامل مع وسائل التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي. ولعل أهم مستجد تحقق، هو أن الفتوى أصبحت أقرب للناس من خلال التكنولوجيا، فأنشأنا مواقع وتطبيقات إلكترونية، ومؤشرًا لمتابعة الفتاوى المتطرفة، وصفحات تفاعلية، مما جعل التجديد ملموسًا على الأرض، وليس فقط فى الأوراق أو المؤتمرات.
< المدارس الفقهية كثيرة، فما المدرسة التى تستندون إليها فى إصدار الفتاوى؟ لا شك أن المدارس الفقهية الإسلامية تمثل ثراءً وتنوعًا علميًّا وفكريًّا كبيرًا، وهى جميعًا محل تقدير واحترام، وفى دار الإفتاء المصرية نحن لا نقتصر على مدرسة فقهية واحدة فى إصدار الفتوى، بل نعتمد ما نُسميه بـ”معتمد الفتوى”، وهو اجتهاد مؤسسى مبنى على الاختيار الفقهى الأنسب من بين آراء المذاهب الإسلامية الأربعة المعتمدة الحنفى، والمالكى، والشافعى، والحنبلى، وقد ينظر أحيانًا فى بعض الآراء الأخرى المعتبرة من أقوال العلماء والمجتهدين من خارج المذاهب الأربعة إذا اقتضى الأمر. هذا المعتمد لا يؤخذ جزافًا، بل يتم اختياره بعد دراسة دقيقة للمسألة محل السؤال، من كافة جوانبها: الشرعية، والاجتماعية، والقانونية، والنفسية، وغيرها، ثم تعرض المسألة على لجنة الفتوى المختصة، التى تضم نخبة من كبار العلماء المتخصصين فى الفقه وأصوله والواقع المعاصر، ويتم فيها النظر فى أقوال أهل العلم، وموازنة الأدلة، ثم ترجيح القول الأنسب الذى يحقق المقاصد الشرعية، ويراعى ظروف السائل والبيئة التى يعيش فيها. هذه المنهجية تمثل فى الحقيقة جوهر التجديد فى الفتوى، وهى ما نسميه بالاجتهاد الجماعى المؤسسى، الذى يحقق التوازن بين ثوابت الدين ومتغيرات الواقع.
< ما حكم من يفتى عن طريق الذكاء الاصطناعي؟
كما قلت سابقًا.، الذكاء الاصطناعى أداة متطورة يمكن توظيفها فى خدمة المجال الإفتائى، ولكن لا يمكن أن يكون هو مصدر الفتوى، ولا أن يُعتمد عليه فى إصدار الفتوى بدون إشراف بشرى علمى، لأن الفتوى ليست مجرد معلومة يجاب بها عن سؤال، وإنما هى اجتهاد علمى دقيق، يتطلب علمًا بالقرآن والسنة، وأقوال العلماء، ومقاصد الشريعة، بالإضافة إلى فهم عميق للسياق والواقع الذى يعيشه المستفتي. فالذى يفتى فى الحقيقة هو الإنسان المؤهل، الذى درس العلوم الشرعية دراسة وافية، وتدرب على ممارسة الفتوى، وله القدرة على تحقيق المناط، ومراعاة ظروف الناس، وتقدير الأحوال، أما الذكاء الاصطناعى، فهو لا يمتلك إدراكًا ولا ضميرًا ولا مسؤولية شرعية، ولا يمكنه أن يوازن بين المصالح والمفاسد أو يراعى مقاصد الشريعة فى الأمور المستجدة. فالفتوى مسئولية، ولا بد أن تبقى فى يد أهل التخصص المؤهلين، ويستخدم الذكاء الاصطناعى فقط تحت إشرافهم وفى حدود ما يضمن سلامة المنهج وصحة الفهم ودقة الفتوى.
< دار الإفتاء ومشيخة الأزهر لهما جهود واضحة، فى مساندة الأشقاء فى غزة وتقديم المساعدات ما تعليقكم؟
لا شك أن ما يتعرض له أهلنا فى غزة من عدوان وحصار واستهداف للمدنيين العزل يمثل جرحًا نازفًا فى جسد الأمة، وواجبنا الدينى والإنسانى أن نقف بكل ما أوتينا من قوة إلى جانب أشقائنا هناك، دعمًا ومساندةً وتضامنًا بكل الوسائل الممكنة، والدولة المصرية بكل مؤسساتها ومنها دار الإفتاء المصرية، إلى جانب مشيخة الأزهر الشريف، لا تدخر جهدًا فى دعم القضية الفلسطينية، وفضح جرائم الاحتلال الغاشم، سواء من خلال البيانات الرسمية أو المبادرات الإغاثية أو التواصل مع الهيئات الدولية لإعلاء صوت الحق ورفع المعاناة عن الأبرياء. وقد وجه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر بإرسال القوافل الطبية والإغاثية العاجلة، فيما أطلقت دار الإفتاء العديد من البيانات التى تؤكد على دعمها لأهل غزة وإدانتها لجرائم الكيان الإسرائيلى المحتل وخصصت صفحة على بوابتها الإلكترونية للتعريف بالقضية الفلسطينية، والتوعية بها وبالمقدسات الإسلامية فى القدس.
< ما أكثر القضايا المعاصرة التى تقدم إليكم بشكل متكرر؟
فى الحقيقة، المشهد الإفتائى اليوم يعكس بوضوح طبيعة التحولات التى تمر بها مجتمعاتنا المعاصرة، سواء على مستوى القيم، أو العلاقات، أو طبيعة الوسائل والظروف المحيطة، ومن ثم فإن أكثر القضايا التى تعرض علينا بشكل متكرر تنتمى إلى هذا النوع من الإشكالات المستجدة التى تواكب التغيرات المجتمعية والتطورات التكنولوجية. فعلى سبيل المثال، تبرز بكثافة قضايا تتعلق بالعلاقات الأسرية، مثل ظاهرة الطلاق الإلكترونى، والطلاق فى حالات الغضب والانفعال، إضافة إلى استفسارات تتعلق بترتيبات الزواج المعاصر، وظواهر كالمساكنة أو زواج التجربة، وكلها مسائل تحتاج إلى معالجة فقهية دقيقة تستند إلى ثوابت الشريعة ومقاصدها، مع وعى بالواقع وتعقيداته. وهناك أيضًا عدد متزايد من الأسئلة المرتبطة بالمعاملات المالية الحديثة، مثل العملات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والعمل الحر عبر الإنترنت، وغيرها من المستجدات التى تتطلب اجتهادًا جماعيًّا مؤسسيًّا، ونحن نعمل من خلال إداراتنا المتخصصة على بحث هذه القضايا من مختلف الزوايا، وإصدار فتاوى دقيقة تراعى ثوابت الشريعة ومصالح الناس.
< المشاكل الأسرية أصبحت فى تزايد رغم صدور مئات الفتوى منذ سنوات؟
هذا السؤال فى غاية الأهمية؛ لأنه يشير إلى مفارقة واقعية بالفعل، وهى أن معدلات المشكلات الأسرية فى ازدياد، رغم الجهود الكبيرة المبذولة من المؤسسات الدينية، وعلى رأسها دار الإفتاء المصرية، فى إصدار الفتاوى التوعوية والتوجيهية. أنا أؤكد أن الفتوى وحدها على أهميتها لا تكفى لمعالجة الأزمة الأسرية إذا لم تكن هناك منظومة متكاملة تعمل فى اتجاه الإصلاح المجتمعى، فالقضية ليست فقط فى وجود فتوى صحيحة، بل فى توافر الوعى الكافى لتلقيها والعمل بها. كما أن المشكلات الأسرية اليوم باتت أكثر تعقيدًا بسبب تغير أنماط الحياة، وسرعة الإيقاع المجتمعى، والتأثيرات الكبيرة لوسائل التواصل الاجتماعى، والتى أصبحت تتدخل فى تفاصيل الحياة الخاصة بشكل لم يكن معهودًا من قبل. نحن فى دار الإفتاء لم نكتف بإصدار الفتاوى، بل أسسنا وحدة متخصصة وهى وحدة الإرشاد الزواجى، التى تعنى بتنفيذ برامج تدريبية لتأهيل المقبلين على الزواج، وكذلك لفض النزاعات الأسرية حال وقوعها بين المتزوجين، هذا بالإضافة إلى إصداراتنا، وبرامجنا الإعلامية، ووجودنا على المنصات الرقمية للتوعية الدائمة.
< كيف ترون مستقبل الفتوى؟
مستقبل الفتوى فى تقديرى يمر بمرحلة انتقالية بالغة الأهمية، وهى مرحلة التحول من الفتوى التقليدية المنعزلة إلى الفتوى المؤسسية الواعية، المتصلة بالواقع، والمبنية على دراسة علمية رصينة، وتقدير دقيق للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، سواء داخل المجتمع أو فى محيطه الإقليمى والدولي. أنا أرى أن مستقبل الفتوى سيكون أكثر رسوخًا وفاعلية إذا ما استمرت عملية “التأهيل الشامل للمفتي”، ليس فقط فى العلوم الشرعية، لكن أيضًا فى أدوات التحليل والبحث، والتواصل المجتمعى، والمهارات الرقمية، وهذا ما تعمل عليه دار الإفتاء المصرية حاليًا عبر برامج التدريب والتأهيل التى نوفرها على المستويين المحلى والدولي.
< ماذا عن طبيعة التعاون بين دار الإفتاء المصرية ودور وهيئات الإفتاء فى مختلف دول العالم؟
العلاقات بين دار الإفتاء المصرية ودور وهيئات الإفتاء فى مختلف دول العالم ليست علاقات عابرة أو شكلية، بل هى علاقات إستراتيجية متينة، تقوم على أسس من التنسيق والتعاون العلمى والتأهيلى، وقد أخذت هذه العلاقة منحى مؤسسيًّا واضحًا منذ تأسيس “الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم” عام 2015، التى تعد اليوم بمثابة المظلة الجامعة لكل الجهود الإفتائية الرسمية عالميا، وتضم فى عضويتها 111 عضوًا من نحو 90 دولة حول العالم. من خلال الأمانة العامة، أصبح لدار الإفتاء دور محورى فى بناء الجسور بين المؤسسات الإفتائية، وتبادل الخبرات، ونقل التجربة المصرية الرائدة فى تنظيم الفتوى وتأصيلها وتجديدها، إلى مختلف الدول، فنحن نقدِّم برامج تدريبية وتأهيلية للأئمة والمفتين، ونوفر مواد علمية ومنهجية مترجمة إلى لغات متعددة، ونستجيب لدعوات التعاون من شتى الجهات. فضلًا عن المؤتمرات العالمية السنوية التى نعقدها كل عام يلتقى فيها العلماء والمفتون والمتخصصون من مختلف دول العالم لمناقشة أبرز القضايا الإفتائية، وذلك إيمانًا منا بأن التنسيق والتكامل بين المؤسسات هو الضمان الحقيقى لسلامة الخطاب الديني.
< فضيلة المفتى يقع على كاهلك حمل ثقيل فكيف تتعامل مع هذه المسئولية؟
لا شك أن منصب المفتى ليس مجرد منصب رسمى أو إدارى، بل هو أمانة عظيمة ومسؤولية ثقيلة أمام الله أولًا، ثم أمام الناس والمجتمع، بل أمام الأمة بأسرها، فالكلمة التى تصدر عن المفتى ليست كلمة عابرة، بل قد يبنى عليها مصير أسرة، أو استقرار مجتمع، أو توجه فكرى فى شأن من شئون الحياة، لذلك أتعامل مع هذه المسئولية بشعور عميق بالخوف من الله، وبوعى تام بجسامة الدور الذى أضطلع به. أحاول دائمًا أن أكون فى مقام المتجرد عن الهوى، المنصف فى الحكم، الدقيق فى الفهم، المنصت لصوت العصر دون أن أغفُل عن الثوابت الشرعية، ومنهجنا فى دار الإفتاء يقوم على الدراسة المتأنية لكل مسألة، مهما بدت صغيرة أو عارضة، وعلى العودة إلى المصادر المعتمدة فى الفقه الإسلامى، مع مراعاة السياقات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التى تحيط بالمستفتي.
< ما الكتب التى تقرأها بين الحين والآخر؟
القراءة بالنسبة لى ليست ترفًا فكريًّا، بل هى جزء من البناء المستمر للمفتى، بل الإنسان المسلم عمومًا، وأنا أؤمن أن المفتى لا بد أن يكون قارئًا نهمًا لا يقتصر على نوع معين من الكتب أو فرع واحد من المعرفة، فالفتوى تستلزم الإلمام بمختلف العلوم: الشرعية، والاجتماعية، واللغوية، والإنسانية، بل والمعاصرة أيضًا. لذلك أحرص على القراءة فى كتب أصول الفقه، وغيرها من الكتب التى تشكل العقل الأصولى للمفتي، كذلك أعود كثيرًا إلى كتب التراث الفقهى المعتمد فى المذاهب الأربعة كما أقرأ فى علم المقاصد، وأحرص كذلك على مطالعة الدراسات الحديثة فى العلوم الإنسانية والاجتماعية.
< ماذا عن فروع دار الإفتاء فى المحافظات؟
مسألة تيسير الوصول إلى الفتوى الرشيدة فى مختلف محافظات الجمهورية تعد من الأولويات التى نحرص عليها فى دار الإفتاء المصرية، وذلك إيمانًا منا بأن الخدمات الإفتائية يجب أن تكون ميسرة ولا بد أن تصل إلى كل ربوع مصر.
فى هذا السياق، فقد تم العمل خلال السنوات الماضية على إنشاء فروع لدار الإفتاء فى عدد من المحافظات، حيث افتُتحت فروعٌ لدار الإفتاء فى عددٍ من المحافظات بجانب الفرع الرئيسى فى القاهرة، وتم ذلك فى كل من: الإسكندرية، أسيوط، ومرسى مطروح، وطنطا. كما نستعد خلال المدة المقبلة لافتتاح خمسة فروع جديدة، من أبرزها فرع محافظة السويس، وقد تفقّدتُ بنفسى أعمال الإنشاء به خلال زيارة ميدانية فى أكتوبر الماضى، وشددت على ضرورة الالتزام بالجدول الزمنى، وتوفير أعلى معايير الجودة فى تقديم الخدمة للمواطنين، ويتبع ذلك افتتاح عدد من الفروع فى محافظات أخرى.