ثقافة



أحمد الشهاوى الحاصل على "التقديرية" فى الآداب: الجائزة من مصر لا تعادلها جوائز أخرى

10-8-2025 | 00:07
حوار أجرته ـ حسناء الجريسى

الكتابة تأتى من الهشاشة
 
أنا ابن الحال الصوفية وليس لغة المتصوفة
 
انتصرت على الصحافة ولم أنشر سطرا واحدا من قصائدى فى «الأهرام»
 
أهتم كثيرا بما يقدمه الغرب من إبداع
 
سؤال الشعر والرواية لا يطرح إلاَّ عندنا
 
تجربة الشاعر أحمد الشهاوى عميقة، تمتزج بعوالم وروافد كثيرة، ربما تظهر النزعة الصوفية فيها بشكل جلي، وكان التراث عنصرا رئيسيا من عناصر أشعاره، فهو قارىء نهم للحلاج وذى النون المصري، والسهروردى وجلال الدين الرومي.
هذه التجربة أهلته لكى يكتب القصيدة، متكئا على مفردات تميزه، فقد نحت لنفسه أسلوبا، ميزه عن أقرانه من أبناء جيله، وأهله للخروج بأشعاره إلى الفضاء الرحب الواسع، وإلى عوالم ودول مختلفة، مكنته من الحصول على جوائز عالمية، لكن تظل جائزة الدولة التقديرية لها بهجة خاصة، ولا تعادلها جوائز أخرى، خصوصا أنها تفتح أمامه عالما جديدا للكتابة، بعد مرحلة من الصمت انتهت بقصيدة "ماذا لو مت وحيدا؟" ونحن فى انتظار هذه التجربة كان لنا معه هذا الحوار.
 
جائزة الدولة التقديرية هل تأخرت كثيرا؟
 هناك عنصر عام داخل مصر، فيما يتعلق بالجوائز، خصوصا التقديرية، فلا ينالها إلا من تخطى الستين، بهذا العرف هى لم تتأخر، ثانيا: أنا لم أتقدم إليها، من قبل كانت هناك فكرة من الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل أن أتقدم للجائزة، وخطفه الموت ولم يتم الأمر، ترشحت بمبادرة من الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية التى يترأسها د. أحمد بهى الدين، والغريب فى الأمر أن رئيس الجمعية السابق الأستاذ الدكتور أحمد مرسى كان قد عرض على الأمر، لكنه رحل قبل أن نقطع خطوة فى هذا الاتجاه، ثالثا: هناك بعض الكتاب والأدباء يتقدمون ويصلون للقائمة القصيرة وهناك من تقدم خمس مرات للجائزة ولم ينلها، رابعا: أن أحصل على 28 صوتا هذا أمر مهم، الأهم بالنسبة لى أن أظل أكتب، الجائزة مهمة بالفعل لأنها تشير إلى أنك فعلت شيئا ما فى مسيرتك الأدبية.
 شعورك بحصولك على جائزة الدولة التقديرية، هل اختلف عن شعورك عندما حصلت على جوائز عالمية كجائزة كفافيس؟
أذكر كلمة لصديقى الراحل الكبير جمال الغيطانى، كان يقول لى "عليك أن تتقدم لتنال جائزة من مصر"، لأن الجائزة المصرية لا تعادلها جوائز الدنيا، المهتمون بالأدب فى أنحاء العالم يعرفون قيمة وأهمية الجائزة الدولية الكبيرة، وهذا وجدته من مباركة شعراء من مختلف دول العالم لي، هى جائزة كبيرة ومهمة وإن كنت أتمنى أن ينالها قبلى شعراء كبار أحب شعرهم مثل محمد سليمان وعبد المنعم رمضان، وجمال القصاص، هؤلاء يستحقون الجائزة أكثر مني.
 
كيف تنظر إلى مسيرتك الإبداعية التى بدأتها بديوان "ركعتان للعشق" بعد هذه السنوات ما الذى تغير؟
هذه التجربة رافقتها أقلام مهمة لنقاد كبار، أتصور أن هذه التجربة التى تحدث عنها هؤلاء النقاد تقول إننى قدمت شيئا يستحق المساءلة والقراءة، ويستحق أن أبدأ من جديد، أكتب جديدا ومغايرا لما يعرفه عنى الناس، وروايتى "حجاب الساحر" ليست يتيمة فلدى روايتان تحت الطبع حاليا.
 
سأكتب من جديد  - هكذا قلت - ربما الفترة السابقة من حياتك كان عنوانها الصمت، هل هذا ما دفعك إلى عالم القصيدة؟
نعيش طوال الوقت فى محاولة للعثور على الغامض داخلنا والمختلف، نحاول أن نكتب مساحات الصمت ونملؤها باللغة،  وأيضا التجربة الحياتية الممتدة والمختلفة ما بين المدينة وما بين الريف الذى عشت فيه، هنا تكون المسيرة ممتلئة بأشياء يمكن أن تقدم قصيدة مختلفة، عما يكتبه الآخرون، فى النهاية هى محاولات، عانت  قلقا وفقدانا مستمرا.
 
بعد هذه المسيرة ما شكل الكتابة المغايرة التى تأتى بعد الحصول على "التقديرية"؟
الجائزة تفتح طريقا أمام الشاعر ليرى نفسه أولا: ماذا فعل وماذا قدم وماذا كتب؟ يكون هناك امتحان بعد الجائزة، هناك من يصيبهم الكسل ويعتقدون ويكتبون تحت اسمهم الحائز على جائزة الدولة التقديرية: أنا لا أحب ذلك، هذا يكتب فى السيرة الذاتية، علي الكاتب أن يفكر، فى أشكال جديدة للكتابة، ويستكُشف الأماكن المجهولة ليقدم نفسه مرة أخرى بطريقة مختلفة، طبعا لا يوجد اختلاف جذرى بين ما كنت عليه وما سأكون عليه، التغيير سيكون فى اختراق الذات، أظن من حق الشاعر إذا كان يؤمن بتجربته،  ويعرف أن لديه الكثير سيقدم شيئا لأن كل شاعر يعرف قدر كتابته، حتى لو قال غير ذلك عمليا عندما يجلس مع ذاته وحيدا سيعرف إلى أين وصل؟ أتصور أننى من الذين يحاسبون أنفسهم على مستوى الكتابة والحياة، هذا الفعل إيجابى وليس سلبيا.
 
كيف تنظر إلى علاقة الشعر مع التصوف؟
هناك مصادر عديدة للشاعر والكاتب، وأنا مع تعدد المصادر، وتنوعها وروافد الكتابة  المختلفة من أبرز روافد تراث مصر القديم والتراث الصوفى والعربي، كلما يتعلق بالتراث سواء كان مصريا أو عربيا فأنا مهووس به دائما أصل ما قطع لأن ما يتصور غيرى أنه قديم هو عندى جديد، ودائما أقو ل: المتنبى وأبو تمام وأبو نواس ربما يكونون أكثر حداثة  فى الشعر مما يكتب الآن فى مصر، لا أستطيع أن أقول من الذى سبق الآخر، لأنى كتبت الشعر مبكرا، ودخلت التصوف مبكرا، وانتقلت من التصوف الطرقى الشاذلى إلى التصوف الفسلفى والإشراقى وأنا فى السنوات الأولى فى الجامعة، وبعد ذلك دخلت من ذى النون المصرى إلي  الحلاج والسهرودي، وجلال الدين الرومي، هذه  الأسماء تشكل جزءا مهما فى تكوينى الإنساني، وأنا أعيش التصوف وأمارسه، لا أقرأ فيه فحسب، أو أقلده، فأنا ابن الحال الصوفية وليس ابن اللغة الصوفية.
 
هل قصيدة التصوف فيها نوع من السيريالية؟
هناك كتاب شهير لأدونيس عنوانه "الصوفية والسريالية" ربط فيه ما بين الصوفية  والسيريالية، يتصور البعض أن التصوف غامض لكنه يأتى من الداخل وهو صعب ومعقد هذه الكتابة المتداخلة يتصور البعض أنها صوفية، لكن منطق الكتابة الصوفية عند ابن عربى والحلاج مختلف عن منطق السيريالية فى العالم لأن السيريالية فى العالم تعتمد على العقل بشكل كبير، بينما فيما هو صوفى يعتمد الباطن أساسا فروحى التى تشتغل طوال الوقت، ولذا تأتى لغة مختلفة أتصور أن العلاقة التى حاول أدونيس أن يبنيها تحتاج إلى قصيدة متصوفة.
 كيف استطعت أن تخرج بأشعارك إلى العالم الواسع للمشاركة فى المهرجانات الشعرية الدولية ، وأنت تكتب الشعر الصوفي؟
 لى كتاب عنوانه "وصايا الكتابة" هو تجربتى الشخصية مع الحرف فيه جزء مهم دائما أقوله: على الشاعر أن يكون ابن أبيه وأمه وابن سمائه  وأرضه ونيله وبحره ولغته وثقافته، الكاتب إذا أراد أن يكون صاحب بصمة، عليه أن يكون نفسه فقط، ألا يقلد أحدا كما أننى ابن تراث عريق، وأنا سافرت إلى مختلف بلاد الدنيا، وطوال الوقت أقول إن فى مصر والبلدان العربية،  شعراء مهمين، عندما أكون صوت نفسى سيقولون هذا شاعر من مصر،  لوقلت كما يقول شعراء العالم سيقولون بضاعتنا ردت إلينا، أنا مع أن يظل الشاعر ابن ثقافته، وأن يكون مطلعا اطلاعا واسعا على ما يفعله الآخرون فى العالم، أنا مع تعددية الكتابة وتنوعها، ولا أعلى شكلا على آخر، المهم أن يكون هذا الشكل فيه شعر، لا يعنينى مسمى القصيدة، لكن يعنينى الشعر العميق .
 
كيف تنظر إلى تجربة الأجيال الحالية؟
الأجيال الحالية أكثر حظا منا، عدد كبير من الشعراء لم يكن موجودا فى أيامنا، مسألة النشر والتواصل أكثر بكثير الأدوات ووسائل التواصل أتاحت للنص أن يصل لأكبر عدد ممكن من القراء، المشكلة أننى أرى النموذج الغربى هو الأعلي، فى النهاية إذا استوردت نموذجا من الكرة سأختار محمد صلاح، وهذا الاختيار ينسحب إلى الفلسفة والشعر والنقد، لا أحب أن ننكسر أمام الآخر الذى يتصور أنه متفوق علي، وأنا صاحب حضارة وتاريخ عميق، لدى تجربة شعرية، عدد كبير من شعراء الغرب استفاد من تجربة الصوفية أكثر من استفادتنا منها، لو عدنا إلى "لوركا" الشاعر الأسباني، هذا الشاعر استفاد كثيرا من شعر الغزل والشعر العربي، ودائم الحديث عن التراث، فهو يعرف الثقافة العربية معرفة جيدة، وهناك العديد من الشعراء الذين استفادوا من التصوف العربي. 
 
ماذا فعلت الصحافة فى الشاعر؟
درست الصحافة وامتهنتها، لكننى قبل دخول المهنة كنت أعلم أنها قضت على كثيرين، عندما أخرج من الأهرام أخلع عباءة الصحافة، لكنى استفدت منها فى الدقة والإيجاز وتنوع القراءة والتكثيف، وأن أكون مباشرا ليس بالمعنى السلبى فى الشعر، أنا ضد الهتاف والتقريرية، الصحافة تمنح الإنسان شهرة زائفة لو عاد أى قارئ إلى أرشيفى فى الأهرام سيجد آلاف الصفحات المكتوب اسمى عليها، على المرء أن  يتكئ على القصيدة وليس على الصحافة، لم أنشر قصيدة واحدة فى الأهرام، الاعتماد على القصيدة يصل بالشاعر إلى ما يريد.
 
من شيوخك؟
 كثيرون من الشرق والغرب وأنا من أكثر الناس الذين أتيح لهم فرص متابعة الكتابات القديمة والجديدة معا، أنا ابن القديم والجديد ومهتم كثيرا بما يقدمه الغرب، وأهتم كثيرا بأفكار الكتاب، لا يوجد شيخ واحد، شيوخ كثيرون يعدون من الروافد الأساسية فى تجربتي.
 
كيف تنظر للشعراء الذين يكتبون الرواية؟
هذا السؤال لا يطرح فى الغرب، لكنه يطرح فى بلداننا، أغلب الشعراء الذين قابلتهم فى الغرب يكتبون القصيدة والرواية فى الوقت نفسه، يعيشون من الرواية، لكنهم يستمتعون بكتابة القصيدة، الرواية بالنسبة لى مساحة مهمة وأنا حكاء ولدى تجارب مهمة، بحكم أننى عشت فى القرية والمدينة، وذهبت إلى مناطق مدهشة فى العالم، كل هذا لا تستوعبه القصيدة  لكن تستوعبه الرواية بشكل أكبر.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام