«الفيب» يحتوى على مواد كيميائية سامة أكثر خطورة على الصحة من التدخين التقليدى تناول الهرمونات لبناء العضلات دون إشراف طبى يسبب اضطراباً فى وظائف الجسم ويؤثر على الكبد والكلى
عبوة من مشروب الطاقة تحتوى على كافيين يعادل عشرة أضعاف فنجان القهوة و15 ملعقة سكر عماد الدين فهمى: تمثل خطراً حقيقياً على الصحة العامة وتؤدى إلى مضاعفات خطيرة محمد البتانونى: سوائل الفيب تحتوى على معادن ثقيلة تدمر الحويصلات الهوائية فيما يعرف طبياً بـ «رئة الفيشار»
يلهث فريق من جيل الشباب لتحقيق صورة يرونها مثالية لأنفسهم تتسم بالمظهر المثالى والقوة والسرعة، وفى سبيلها يسعون وراء مشروبات الطاقة، وتدخين السجائر الإلكترونية «الفيب»، وتناول الهرمونات لبناء العضلات. ثلاثة عناصر باتت تشكل ما يمكن وصفه بـ «مثلث تدمير الشباب» لما تتركه على صحة كل من يلجأ إليها من مخاطر جسيمة. «الأهرام العربي» تفتح هذا الملف وترصد بالأرقام، الآثار السلبية وتبحث مع الخبراء عن بدائل صحية أكثر أمانًا. أصبحت مشروبات الطاقة شبه حاضرة فى يوميات طلاب الجامعات والمراهقين، سواء خلال الدراسة أو أثناء ممارسة الرياضة أو حتى فى السهرات، ويرتبط استهلاكها بصورة نمطية عن القوة والتركيز والتميز. ويحذر الدكتور عماد الدين فهمى، خبير التغذية، من الانتشار المتزايد بين الشباب لظواهر استهلاك مشروبات الطاقة، وتدخين الفيب، وتناول الهرمونات، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات تمثل خطرًا حقيقيًا على الصحة العامة وتؤدى إلى مضاعفات خطيرة. وأوضح فهمى أن الفيب بدأ كبديل للسجائر لدى المترددين من المدخنين، لكنه سرعان ما تحول إلى بوابة لإدمان النيكوتين، بسبب اعتقاد خاطئ أنه أقل ضررًا من التدخين التقليدى، مؤكدًا أن مكوناته تحتوى على مواد كيميائية خطيرة، منها بروبلين جليكول، جلسرين نباتى، نكهات صناعية، والنيكوتين بتركيزات متفاوتة، وكلها تُستنشَق بعد تسخينها، مما يعرض الجسم لمخاطر صحية جسيمة. وأضاف أن مشروبات الطاقة تحتوى على كميات ضخمة من الكافيين قد تعادل عشرة أضعاف فنجان القهوة، بالإضافة إلى ما يعادل 12 إلى 15 ملعقة سكر فى العبوة الواحدة، مما يؤدى إلى الإدمان، ورفع ضغط الدم، وزيادة خطر الإصابة بالسكتات الدماغية، ومشكلات فى القلب والأعصاب والجهاز الهضمى، خصوصاً عند الشباب والمراهقين. كما أشار إلى تأثيرها السلبى على الحمل، حيث ترتبط بزيادة احتمالات الإجهاض وانخفاض وزن الجنين. وأكد أن الهرمونات التى يلجأ إليها بعض الشباب لبناء العضلات دون إشراف طبى تسبب اضطرابًا فى وظائف الجسم، وتؤثر على الكبد والكلى والهرمونات الطبيعية. ودعا فهمى إلى اللجوء للبدائل الصحية مثل الماء، والعصائر الطبيعية، والحليب، والشاى والقهوة باعتدال، والمشروبات الغنية بالحديد كعصير البنجر، مطالبًا بتوعية مستمرة بخطورة هذه المنتجات. مخاطر قاتلة تشير دراسات إلى أن أكثر من 65% من الشباب بين عمر 15 و30 عامًا جربوا مشروبات الطاقة، ويستخدمها الطلاب لمقاومة النعاس قبل الامتحانات ويتناولها الرياضيون لتحسين الأداء، فيما يدمجها البعض مع الكحول فى الحفلات، ما يزيد خطورتها بشكل كبير. وفى دراسة أُجريت بمركز “مايو كلينك” الطبى بالولايات المتحدة، تبيّن أن تناول عبوة واحدة فقط من مشروب طاقة أدى إلى ارتفاع ضغط الدم بنسبة 6.8%، وزيادة هرمونات التوتر بنحو 71% خلال 30 دقيقة من الاستهلاك. حيث تحتوى تلك المشروبات على مكونات تهدف إلى تحفيز الجهاز العصبى وزيادة اليقظة والنشاط العقلى والبدنى، ورغم أنها تُسوّق على أنها مشروبات تُساعد فى التركيز ومكافحة التعب، فإن مكوناتها الأساسية تثير الكثير من الجدل. وتتركز المكونات الأساسية لمشروبات الطاقة فى الكافيين، والذى يعد المادة المنبهة الرئيسية، وتوجد بكميات قد تصل إلى 300 ملجرام فى بعض المنتجات، أى ما يعادل 3 - 4 أكواب قهوة، كذلك السكر الذى يوجد بنسب عالية جدًا قد تتجاوز 10 ملاعق فى العبوة الواحدة، بالإضافة إلى التاورين وهو حمض أمينى يُزعم أنه يُحسن الأداء البدنى والعقل، وكذلك الجينسنج، الجوارانا، فيتامينات B التى تضاف لزيادة التأثير المنبه، وأخيرا نكهات صناعية وملونات ومواد حافظة. ضربات القلب ترافقت هذه التغيرات مع تسارع واضح فى ضربات القلب والتنفس، ما يثير القلق بشأن سلامة هذه المنتجات على المدى القصير والطويل. ولا يتوقف الخطر عند القلب فقط، بل يمتد ليشمل الصحة النفسية، فقد كشفت دراسات لباحثين بهيئة الصحة الأوروبية شملت أكثر من 1.2 مليون طفل ومراهق أن استهلاك مشروبات الطاقة يرتبط بزيادة اضطرابات القلب فى 45% من الحالات، واضطرابات عصبية ونفسية لدى ثلث المشاركين، إلى جانب تسجيل مشاكل كلوية لدى 22% منهم، والأخطر من ذلك أن مستويات الكافيين المرتفعة فى هذه المشروبات ارتبطت بزيادة احتمالية الإصابة بالقلق، الاكتئاب، وحتى الأفكار الانتحارية. كما كشفت أن 82% من المشاركين يتناولون مشروب طاقة واحدًا إلى مرتين أسبوعيًا، وربطت النتائج بين تكرار الاستهلاك وكثرة التعرض للإعلانات الترويجية عبر وسائل التواصل الاجتماعى، حيث وجد الباحثون ارتباطا قويا بين المشاهدة والتجربة الفعلية. أما على مستوى جودة النوم، فقد أظهرت بيانات جمعت من أكثر من 53 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا، أن مجرد الاستخدام العرضى لمشروبات الطاقة يمكن أن يؤدى إلى قلة النوم، والاستيقاظ المتكرر ليلًا، ما ينعكس سلبًا على التركيز والأداء الذهني. السجائر الإلكترونية شهدت السجائر الإلكترونية، أو ما يعرف بـ”الفيب”، انتشاراً واسعاً خلال السنوات الأخيرة كبديل حديث للسجائر التقليدية، ويُستخدم الفيب لتسخين سائل يحتوى على النيكوتين والنكهات دون احتراق التبغ، مما يقلل من انبعاث المواد الضارة مقارنةً بالتدخين التقليدى. ومع ذلك، أثار الفيب جدلاً صحياً واسعاً، حيث يطرح تساؤلات حول مدى أمانه وتأثيره على الصحة العامة، خصوصاً بين الشباب والمراهقين، وتسعى الجهات الصحية إلى توعية الجمهور بمخاطر الفيب وتنظيم استخدامه لضمان حماية المجتمع من مخاطره المحتملة. وكشفت دراسة حديثة أُجريت على 428 مدخناً فى عدة دول عربية من بينها قطر ومصر، عن تباينات واضحة فى سلوك التدخين الإلكترونى بين الفئات المختلفة، وبيّنت النتائج أن الذكور وسكان قطر هم الأكثر عرضة لبدء استخدام “الفيب” فى سن مبكرة، بمعدل يزيد بـ4 إلى 5 مرات مقارنة بغيرهم، وفى المقابل، أظهرت البيانات أن النساء والمغتربين أقل إقبالاً على هذه العادة، وهو ما يعزوه الباحثون إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعى والعوامل الاجتماعية المحيطة.
وبين الحلم بجسم مثالى والتحذيرات الطبية، تبرز الحاجة إلى وعى مجتمعى متزايد ومراقبة صارمة لاستخدام هذه الهرمونات فى الأوساط الرياضية والشبابية، وتشير البيانات العالمية الأخيرة إلى معدلات رواج متصاعدة بين المراهقين والشباب، ووفقاً لتقرير «The Guardian»، فإن عدد زيارات الفيديوهات التى تتعلق بالستيرويدات ومحفزات النمو على تطبيق تيك توك تجاوز 580 مليون مشاهدة فى الولايات المتحدة وحدها ما بين 2020 و2024، وكان 72% من تلك المشاهدات من فئة الأعمار 18–24 عامًا، وهذا يدل على التأثر الكبير بالمحتوى التحفيزي. أما إحصائيات أستراليا، فتكشف أن 3.2% من الأولاد فى المدارس الثانوية و1.2% من الفتيات جربوا الستيرويدات فى مرحلة المراهقة، بينما فى الولايات المتحدة، أفادت دراسة أن 19% من طلاب المرحلة الثانوية قد جربوا الستيرويدات مرة واحدة على الأقل . كما أن الاستعمال العرضى لدى الرياضيين الشباب يتراوح بين 2–3%.
الاستخدام يرتبط غالباً برغبة فى تحسين المظهر الجسدى أو الأداء الرياضى، لكن ترتبط به آثار صحية خطيرة مثل: اضطرابات نفسية (اكتئاب، وقلق، تقلبات مزاجية وحتى سلوك عدوانى ومشكلات قلبية وكبدية، وتأثيرات على النمو لدى المراهقين . بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسة الأيسلندية أن 30% من مستخدمى الستيرويدات حاولوا الانتحار مقارنة بـ10% من غير المستخدمين . من جهته أكد الدكتور محمد البتانوتى، أستاذ الأمراض الصدرية بكلية طب قصر العينى – جامعة القاهرة، أن السجائر الإلكترونية أو ما يعرف بـ”الفايب” لا تختلف كثيرًا عن التدخين التقليدى من حيث التأثير السلبى على الصحة، بل قد تكون أشد خطرًا فى بعض الجوانب.
وأوضح أن هذه الأجهزة تعتمد على تسخين سائل يحتوى على مادة النيكوتين، وهى المادة المسئولة عن الإدمان، مما يجعلها غير صالحة كمساعدة للإقلاع عن التدخين، كما يروج لها البعض، بل تؤدى إلى زيادة التعلق بالتدخين.
وأشار البتانوتى إلى أن الأبخرة الناتجة عن تسخين سوائل الفيب تحتوى على مركبات كيميائية ومعادن ثقيلة مثل النيكل والقصدير والرصاص، التى تسبب التهابات مزمنة فى الشعب الهوائية وتدمير الحويصلات الهوائية بالرئة على المدى الطويل، فيما يعرف طبيًا بـ”رئة الفيشار”، وهى حالة مرضية خطيرة مرتبطة بالتعرض المزمن للأبخرة الكيميائية. كما حذر من أن استنشاق هذه المواد السامة يزيد من احتمالية الإصابة بسرطان الرئة، إضافة إلى أمراض القلب مثل تصلب الشرايين وضيق الأوعية الدموية، وقد يؤدى إلى ذبحات صدرية أو سكتات دماغية وشلل نصفى. وشدد على أهمية التوجه إلى عيادات الإقلاع عن التدخين المعتمدة، التى توفر مسارات طبية وآمنة للتخلص من الإدمان، مؤكدًا أن مواجهة هذا الخطر لا تكون بتبديل شكل التدخين، بل بقرار حاسم لوقفه بشكل تام.