مقالات



غزة.. وأحلام الطغاة

14-8-2025 | 18:27
د.عمرو بسطويسى

فى سياق حرب إسرائيل على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، اجتمع «الكابينيت» الإسرائيلى، أو ما يسمى «بحكومة الحرب» فى يوم السبت 9 أغسطس لمناقشة خطة نتنياهو لاحتلال كامل قطاع غزة.

لم يكن اعتماد «الكابينيت» لهذه الخطة ولا موافقة مجلس الوزراء عليها فى اليوم التالى مفاجأةً أيضاً، ذلك على الرغم من اعتراض الجناح العسكرى فى الحكومة عليها، فالكل يعرف توجهات هذه الحكومة اليمينية المتطرفة منذ البداية، والكل يعلم مدى استغلالها لأحداث السابع من أكتوبر، لتحقيق جزء كبير من حلم «إسرائيل الكبرى»، باحتلال المزيد من الأراضى وقتل وتهجير أصحابها. وفى اعتقادى أن 7 أكتوبر 2023 سيصبح يوم احتفال صهيونى غير معلن، يحتفل به الصهاينة سراً كل عام، فله الفضل فى صنع المبرر المنطقى لبدء الحرب على غزة، استكمالاً للمشروع الصهيونى.

والحقيقة أن ما شد انتباهى أكثر من اجتماعى “الكابينيت” ومجلس الوزراء الإسرائيلى كان المؤتمر الصحفى لنتنياهو، هذا المؤتمر الذى كان هدفه الأساسى تبرير احتلال غزة أمام العالم، كانت علامته البارزة هى لغة جسد وعيون نتنياهو التى نطقت بالكذب والتدليس قبل اللسان. وياللعجب أن يقوم رئيس حكومة بعمل مؤتمر صحفى، ليقنع العالم بحرب جديدة سيقوم بها، ولعل تحول الدفة العالمية ضد حكومة إسرائيل سبباً فى ذلك.

وإذا أردت أن أُفَنِّد كلَ كلمةٍ قالها نتنياهو فى ذلك المؤتمر لما كانت هذه الصفحات كافية. ولكن مما كان عجباً حقاً هو ادعاؤه بأن حماس لا تزال تسيطر على قطاع غزة وأنها تسرق المعونات، وأن أهالى غزة يطلبون من دول العالم أن تخلصهم من حماس. ويتناقض هذا التصريح مع تقرير لمعهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى، والذى يُقر بتدمير أكثر من 70% من قدرة حماس العسكرية والإدارية.
أما قمة الهزل فكانت عندما اعترف باحتلاله 75% من أرض غزة وأن استكمال احتلاله لما تبقى منها لا يُعد احتلالاً، إنما هو تحرير لغزة من سيطرة حماس!! وأن الاحتلال الكامل فقط هو الذى سيعيد الرهائن ويقضى على إرهاب حماس، ولعله عندئذٍ سيحصل على لقب «بطل التحرير» أو «قاهر الاستعمار» مثلاً.

انبرى الرجل بعد ذلك إلى هدفه الأساسى وهو التهجير تحت ما أسماه؛  انتقال المدنيين إلى مناطق بعيدة عن العمليات العسكرية، حيث يقدم لهم الغذاء والكساء !!
أما ادعاؤه بتقديم مليونى طن مواد غذائية لشعب غزة، فيفنده تقرير برنامج الغذاء العالمى التابع للأمم المتحدة (WFP)، الذى أشار إلى أن أقل من 15% من احتياجات القطاع الغذائية دخلت من المعابر، وأن أكثر من نصف الأطفال تحت الخامسة يعانون سوء التغذية.

وبينما هو فى قمة الكذب والتدليس وقلب الحقائق، إذا به يصف الحملة العالمية الموجهة ضد حكومته المتطرفة بأنها “حملة الكذب العالمية”، حسب قوله، بينما هو يقف اليوم ليمثل الصدق والأمانة، كما وصف ساسة العالم والصحافة الحرة، الذين انقلبوا ضده بالسذاجة والسخافة، وذلك لتقبلهم الادعاءات الفلسطينية بارتكاب جيش الاحتلال لجرائم حرب رآها العالم رؤى العين.
ثم انتقل الهَزَل السياسى إلى مرحلةٍ أعلى، عندما قدم صورة لمختطف إسرائيلى هزيل، بينما يظهر ذراعٌ ممتلئة وسمينة لأحد الخاطفين فى الصورة، وقد أخذه قرينةً لعدم وجود مجاعة فى غزة، وتناسى المئات من مقاطع الفيديو التى توثق تلك المجاعة !!

وبالطبع لم يًفوِّت نتنياهو الفرصة للحشر والربط المستمر لأى حدث ولو بسيط بالهولوكوست، فى محاولة لاستعطاف العالم. هذا، فى حين أن مؤرخين يهود بارزين مثل «إيلان بابيه» قد أشاروا أن ربط الصراع الفلسطيني - الإسرائيلى بالهولوكوست بشكلٍ متكرر يُعد تشويهاً للتاريخ، ويُستخدم كأداة سياسية لتبرير الاحتلال.

ويبقى لأى عاقل أن يتساءل عن كيفية عجز جيش الاحتلال الإسرائيلى عن استعادة الرهائن الذين يتواجدون فى حيِّز سيطرته العسكرية، وبعد أن سوى غزة بالأرض وجوَّع وقتل وهجر أهلها، بينما تمكن من قتل قيادات معادية له فى طهران وبيروت ودمشق وطال من يريد فى بيوتهم وهم نيام وعلى بعد آلاف الأميال. هذه القدرة على استخدام الحجج لتحقيق الأهداف، أصبحت لا تنطلى على الأطفال وأصبح العالم أكثر وعياً بها، وعلى الرغم من هذا ما زال الكيان الصهيونى يتمادى فيها، ويضيف لها المزيد من الأكاذيب.

ثم انتقل نتنياهو فى حواره مع الصحفيين بالحديث عن مستقبل غزة بعد تمام الاحتلال وكيف أنه مستعد بإدارةٍ مدنية ستقوم بحكم غزة، وهى إدارة لن يذكرها الآن حتى لا يُفسد الأمر!! أى أنه أعد حكومة “تفصيل” لتحكم أهل غزة بغير إرادتهم، أليس هذا احتلال؟

استخدم نتنياهو أيضاً مصطلح «يهودا وسامرا» لوصف «الضفة الغربية». وهو أسلوب اليمين المتطرف المتطلع لاحتلال المزيد من الأرض.
ما يمنع نتنياهو من احتلال غزة كاملةً، ليس قوة حماس أو أى من حركات المقاومة هناك، بل يعود الأمر لذلك المكون البشرى الضخم الذى يناهز المليونين تعداداً والذين يعيشون فى غزة.
تاريخ العالم يعلمنا أن أحلام الطغاة مهما كانت قوتهم تتحطم أمام إرادة الشعوب.
إن أحلام الطغاة فى احتلال غزة لن تتحقق إلا إذا قاموا بتهجير شعبها.
وهذا لن يحدث.
تحيا مصر ..

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام