نحن أمام حدث مميز وتاريخى، واتفاق عالمى جديد، يحدث على أرض أمريكية أصلها روسى، لقاء ترامب وبوتين فى ألاسكا، بعد حرب كبرى استمرت بين الغرب وروسيا، دارت على أرض أوكرانيا.
فجأة اكتشف الأمريكيون والروس فى سنوات الحرب الساخنة بعد الحرب الباردة، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتى، وأصبح الاتحاد الروسى هو المواجه للغرب وأمريكا، إن ما بينهما كبيرا، فهو ليس شريكا فى الحرب العالمية الثانية على النازية فقط، بل إن روسيا وأمريكا جارتان قريبتان من بعضهما، ويقول بوتين إن وفدنا عبر مضيق بيرنج جوا، ليلتقى الرئيسان الأمريكى والروسى، والعالم ينتظر، وإن الاتفاق قد تم، وقد ارتضى الروس نصف نصر يعطيهم رقعة فى المستقبل، أنها لم تنهزم أمام الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفيتى.
ترامب أعطى بوتين احتراما وتقديرا، وأنهما شريكان فى الحرب العالمية المنتظرة، وكانت ألاسكا الأمريكية أرضا للاتفاق، أقرب نقطة تماس بين البلدين، أعطت الروس اعترافا غربيا جديدا بمكانتهم ، وأعطت لبوتين مكانته العالمية التى استباحها الغرب خلال السنوات الماضية، عقوبات ومحاكمات. استطاع بوتين أن يحافظ على مكانة روسيا كقطب عالمى متكافئ مع أمريكا فى هذا العالم الصعب. ألاسكا التى كانت صفقة بين روسيا وأمريكا منذ عام 1867، أصبحت جسرا بين الشعوب المتجددة، أعادت روسيا لمكانتها العالمية.
الصفقة الأولى كانت بيع الأرض لأمريكا، لأنها غير مهمة، والصفقة الثانية إزالة العقوبات على بوتين وعلى روسيا وتبادل الأراضى، بل إزاحة زيلينسكى أوكرانيا من الاتفاق، والاتفاق بين موسكو وواشنطن وأوروبا غائبة.
الحلول الوسط التى تم الاتفاق عليها، كلها تدور فى الأراضى الأوكرانية، الاعتراف بالسيادة على القرم لروسيا، وتبادل الأراضى فى كل من مقاطعتى زابورجيا وخيرسيون، مقابل ما استولت عليه روسيا فى مقاطعتى خاركييف وسوداليتروفسك، ليست هناك بنود سرية، لكنها كلها علنية بين روسيا وأمريكا، وعلى أوكرانيا التكيف، وعلى أوروبا الموافقة، أكبر انتصار سياسى يحققه الرئيس ترامب فى ولايته الثانية، وكان عضده ونصيره فى ذلك هو بوتين.
وذلك يفسر كيف تخلت روسيا عن طهران، برغم الشراكة السياسية والعسكرية بينهما، وهذا التخلى كان مقدمة الطريق إلى ألاسكا، ويفسر أيضا كيف سقط بشار الأسد فى سوريا. وما سيحدث من زلزال آخر فى الشرق الأوسط، هو جزء من الطريق إلى ألاسكا، ولقاء ترامب وبوتين غير كل سوء التفاهم الأمريكى - الروسى، ويستعد الرئيس الأمريكى لرد الزيارة، لإعادة تموضع روسيا فى السياسة العالمية وتأثيرها كان وراءه ترامب، وقطعا الروس، سيثنون بسخاء على الرئيس الذى أنعش اقتصادهم، وحل لهم المعضلة الأوروبية، وسيطلقون للتفاوض صفقة جديدة للمعادن النادرة بين البلدين، وهدية روسيا لأمريكا إعادة تموضعها فى أوراسيا وقيادتها للعالم الجديد، كما أن القمة جاءت اختبارا لحقيقة قدرة ترامب على إعادة صياغة النظام الدولى عبر مقاربة تقوم على الصفقات، حيث المصالح المباشرة مقدمة على الالتزامات الأيديولوجية أو التحالفات التقليدية.
وتظل منطقة القطب الشمالى منطقة حيوية فى المصالح الاقتصادية الأمنية الأمريكية، كما أن طريق ألاسكا هو نفسه الطريق إلى كندا وجزيرة جرينلاند، التى سبق أن تعهد ترامب بفرض السيطرة الأمريكية عليها بطريقة أو بأخرى، ثم جاءت محاولات أمريكا الأخيرة للتواصل مع روسيا لتطرح عرضا مفاده أن هناك صفقة كبرى، والمشهد الجيو سياسى الذى سينتج عن ذلك قد يغير قواعد اللعبة برمتها، أمريكا وروسيا، تفتحان لنفسيهما مساحات شاسعة من القطب الشمالى الذى يمثل منطقة، المجال الحيوى لديمومتهما العسكرية والاقتصادية، بل إنهما سوف تستطيعان أن تمدا التعاون مع الصين، فهى فرصة لتنويع مصالحهما الاقتصادية والدولية وإغنائهما.
هناك ممر مائى هو طريق بحر الشمال، فهناك تحسن اقتصادى وعسكرى فى القطب الشمالى، هناك لعبة بين الكبار، أمريكا وروسيا والصين، لتوسيع نفوذهم وحضورهم فى هذه المنطقة. قمة ألاسكا غيرت المعادلات ووضعت العالم أمام متغيرات وجعلت من أوروبا، ليست قوة رئيسية فى عالمنا، بل هى متغيرات دائمة بعد حقبة ترامب وبوتين وتنتهى، وتعود اللعبة القديمة!