ثقافة



أجندات محو الهوية من الرافدين إلى الشام.. سرقة الآثار.. حرب على الذاكرة

14-8-2025 | 21:14
إلهامى المليجى⢴

فى الحروب، تُقصف المدن فتنهار جدرانها، لكن ما هو أدهى من سقوط الحجر أن تُسلب الروح التى تسكنه. هناك فى سوريا، حيث تلتقى حضارات المشرق منذ فجر التاريخ، لا تُسرق الحجارة فقط، بل يُنتزع قلب الزمن من بين أضلاعه. من تدمر التى كانت درة الصحراء، إلى حلب التى اختزنت فى أزقتها حكايا القرون، تتسلل أيادٍ مدربة لا تحمل البنادق، بل المعاول والصناديق الخشبية، لتفرغ ذاكرة أمة فى أسواق الظلام.

ليس هذا المشهد وليد اللحظة؛ فالعراق قبلاً بُترت منه أوتار سومر وبابل تحت أنظار الغزاة، وليبيا تجرعت الطعم نفسه، حين صار إرثها رهينة الميليشيات والموانئ المفتوحة. واليوم، يبدو أن الدور على سوريا، حيث تتقاطع خيوط الجريمة بين طمس الهوية وتجارة التاريخ، فى مسرحية صامتة يديرها أكثر من مخرج، ويشاهدها عالم يدّعى العمى.
فى سوريا، الحرب لا تُخاض فقط على الأرض أو فى دهاليز السياسة، بل فى عمق الذاكرة ذاتها. فالمعارك التى تهدم البيوت وتشرّد العائلات، توازيها معاول تنخر بصمت فى إرث آلاف السنين. منذ اندلاع النزاع، تشير تقارير دولية إلى أن تنظيم "داعش" وحده استولى على آثار من نحو 4.500 موقع أثرى، وحوّلها إلى مصدر تمويل رئيسى لأنشطته، بما يصل إلى 100 مليون دولار سنويًا فى ذروة نشاطه. وإلى جانب داعش، تواصلت عمليات النهب المنظمة عبر أطراف متعددة - من أمراء الحرب المحليين إلى شبكات التهريب الإقليمية - حتى وصلت تقديرات بعض المصادر إلى سرقة نحو مليون قطعة أثرية، بينها لقى نادرة لا تقدر بثمن.

هذه الجريمة ليست استثناءً سوريًا، بل فصل جديد فى كتاب قديم؛ فقد سُلبت بغداد عام 2003 من كنوز متحفها الوطنى تحت أنظار الاحتلال، وأُفرغت مخازن ليبيا بعد 2011 حين صار التراث رهينة الميليشيات والموانئ المفتوحة. فى كل هذه المحطات، كان طمس الهوية الثقافية جزءًا لا يتجزأ من معادلة الصراع، وأداة لتقويض قدرة الشعوب على استعادة ماضيها وصياغة مستقبلها.
الأبعاد السياسية والاقتصادية للنهب

نهب الآثار فى سوريا لم يكن فعلًا عشوائيًا أو نتيجة جانبية للفوضى، بل عملية مركبة ذات أهداف مزدوجة: اقتصادية وسياسية. فمن الناحية الاقتصادية، تحولت القطع المنهوبة إلى سلعة عالية القيمة فى السوق السوداء العالمية، حيث تنتقل من أيدى المنقبين غير الشرعيين إلى شبكات التهريب، ثم إلى مزادات أوروبية وأمريكية، أو إلى مجموعات خاصة محمية بالقوانين الغامضة. هذه التجارة، التى تُغسل عبر وثائق ملكية مزورة، تدر أرباحًا بعشرات الملايين سنويًا، ما يجعلها مصدر تمويل مستداما للتنظيمات المسلحة والمهربين على حد سواء.
أما من الناحية السياسية، فإن محو المعالم الأثرية وتهجيرها إلى خارج البلاد هو ضربة موجهة لهوية الأمة، إذ يُفرَّغ الحيز الجغرافى من رموزه المادية، ويُترك الشعب بلا شواهد حية على حضارته الممتدة. بهذا المعنى، تصبح سرقة الآثار أداة من أدوات إعادة تشكيل الوعى الجمعى، تمهيدًا لفرض سرديات تاريخية بديلة تخدم القوى الفاعلة فى الصراع.
فصول متكررة من مسرحية النهب

ما يجرى فى سوريا اليوم هو صدى لمشاهد سبقت فى مدن عربية أخرى، حيث كان التراث أول ضحايا انهيار الدولة. ففى العراق عام 2003، سقطت بغداد ليس فقط بيد الغزاة، بل تحت أقدام اللصوص الذين اقتحموا المتحف الوطنى ونهبوا أكثر من 15,000 قطعة أثرية، بينها أقدم الألواح المسمارية التى حفظت ذاكرة وادى الرافدين. قوات الاحتلال، المتمركزة على بعد مئات الأمتار، وقفت متفرجة، وكأنها تدرك أن سرقة الماضى تُضعف قدرة الأمة على النهوض مستقبلًا.

وفى ليبيا بعد 2011، تكرر المشهد وإن بتفاصيل مختلفة، حيث تحولت مواقع أثرية كبرى مثل شحات وصبراتة وسرت إلى مسارح مفتوحة للنهب، وسط غياب كامل للدولة، وسيطرة الميليشيات التى استخدمت الموانئ الليبية لتهريب القطع نحو أوروبا. هناك، كما فى العراق، كانت تجارة الآثار ليست مجرد جريمة مالية، بل فعل سياسى يُفرغ الأرض من شواهدها ويحوّلها إلى مساحة قابلة لإعادة التعريف‪.‬
اليوم، فى سوريا، تتداخل هذه الخبرات المظلمة معًا: تنظيمات إرهابية تجيد تحويل الحجر إلى رصيد مالى، وشبكات إقليمية ودولية تحسن تهريب و"غسل" القطع الأثرية، وواقع حرب يسمح بتطبيق أجندات تتجاوز حدود الربح إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الثقافية والسياسية للبلاد.
سرقة التاريخ… جريمة ضد المستقبل

حين تُسرق قطعة أثرية من قلب سوريا، لا يضيع حجر أو تمثال فحسب، بل تُنتزع صفحة من كتاب الحضارة، ويُمحى سطر من ذاكرة العالم قبل ذاكرة السوريين. ما حدث فى بغداد وطرابلس، ويتكرر اليوم فى تدمر وحلب والرقة، ليس مجرد نهب عابر، بل إستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تفريغ الشعوب من ماضيها، حتى يسهل تشكيل وعيها بما يتوافق مع مصالح القوى الغالبة.
إن سرقة الأرض يمكن استردادها بالمقاومة أو المفاوضات، أما سرقة التاريخ فخسارتها قد تكون أبدية، لأن ما يغادر المتاحف والمخازن ويُهرَّب إلى خزائن المقتنين السريين غالبًا ما يختفى إلى الأبد. فى هذا المعنى، معركة حماية التراث ليست ترفًا ثقافيًا، بل خط دفاع إستراتيجى عن السيادة والهوية، لا يقل أهمية عن حماية الحدود. ومن لا يدرك أن الحروب على الذاكرة هى الوجه الآخر للحروب على الجغرافيا، سيجد نفسه يومًا يعيش فوق أرضه لكنه غريب عنها، بلا ماضٍ يستند إليه ولا حاضر يحميه.
 نهب الذاكرة فى ثلاث محطات عربية

ليست سوريا وحدها من واجهت جريمة اقتلاع التاريخ من جذوره؛ فقبلها بسنوات وأعوام، شهدت مدن عربية أخرى مشاهد مشابهة، اختلفت تفاصيلها لكن تشابهت نتائجها: تفريغ الذاكرة المادية للشعوب وتحويل التراث إلى غنيمة حرب. من بغداد التى نُهبت فى وضح النهار، إلى ليبيا التى ابتلعتها فوضى الميليشيات، وصولًا إلى سوريا التى تداخلت فيها الأجندات السياسية مع التجارة السوداء، تكررت فصول مسرحية واحدة بأكثر من سيناريو، والهدف النهائى واحد: إضعاف الحاضر عبر محو الماضي.
العراق 2003: الفوضى كغطاء للنهب

فى ربيع 2003، وبينما كانت بغداد تحت وقع القصف وصدمة الغزو، كان المتحف الوطنى العراقى - أقدم حارس لذاكرة وادى الرافدين - يتعرض لواحدة من أبشع عمليات النهب فى التاريخ الحديث. خلال أيام معدودة، اختفت أكثر من 15,000 قطعة أثرية، بينها أقدم الألواح المسمارية التى وثقت ولادة الكتابة، وأختام أسطوانية فريدة، وتماثيل من عصور سومر وبابل وآشور.
لم يكن الأمر فعل عصابات منفلتة فحسب؛ فقد تجاهلت قوات الاحتلال الأمريكى حماية المتحف، رغم تمركزها على مقربة منه، فيما اعتبره خبراء التراث تواطؤًا غير مباشر سمح بتمرير الجريمة. النتيجة كانت ضياع جزء أساسى من الأرشيف المادى للحضارة الرافدية، وانتقال آلاف القطع إلى مزادات ومجموعات خاصة فى أنحاء العالم، فى عملية إعادة توزيع للتاريخ على مقاس السوق السوداء.
ليبيا 2011: التراث رهينة الميليشيات

بعد سقوط النظام الليبى، وجدت ليبيا نفسها بلا دولة مركزية، وبلا مؤسسات قادرة على حماية إرثها الممتد من الحقبة الإغريقية والرومانية إلى العصور الإسلامية. فى هذه الفوضى، تعرضت مواقع أثرية كبرى مثل شحات وصبراتة وسرت للنهب، وسُرقت مخازن المتاحف الإقليمية من تماثيل رخامية، وموزاييك نادرة، وقطع نقدية تعود لآلاف السنين.
الميليشيات المسلحة، التى سيطرت على الموانئ البحرية، جعلت من تهريب هذه الكنوز إلى أوروبا تجارة مربحة، مستخدمة سفن الصيد أو شحنات تجارية صغيرة لتجاوز الرقابة. كثير من هذه القطع ظهر لاحقًا فى أسواق الفن فى إيطاليا ومالطا، ما جعل ليبيا مثالًا على كيف يمكن للصراع الداخلى أن يحوّل التراث إلى عملة تمويل للصراع.
سوريا 2011 إلى الآن: تداخل الأجندات السياسية مع النهب

فى سوريا، المشهد أكثر تعقيدًا وأشد قسوة. فهنا تداخلت الأجندات السياسية مع أهداف التمويل، لتنتج منظومة نهب متكاملة.
‪ ‬تنظيم داعش استغل عشرات المواقع الأثرية ‪-‬ خصوصا فى الرقة ودير الزور ‪-‬ كمناجم ذهب ثقافى، حيث قام بعمليات تنقيب منظمة، وفرض ضرائب على المهربين المحليين، ليحقق أرباحًا تقدّر بـ مئات الملايين من الدولارات خلال سنوات قليلة.
شبكات تهريب إقليمية، خصوصًا عبر تركيا، نقلت وفق تقارير ما بين 16,000 و20,000 قطعة إلى الداخل التركى، بعضها استقر فى متاحف، وأخرى وجدت طريقها إلى السوق السوداء العالمية.
أمراء الحرب المحليون انخرطوا بدورهم فى هذه التجارة، فنهبوا متاحف حمص وإدلب، فيما تعرّضت مواقع مصنفة على قائمة التراث العالمى لليونسكو - مثل تدمر وحلب القديمة - لتدمير ممنهج أزال معالمها من الخريطة.
 خريطة الجريمة عبر ثلاث دول

رغم اختلاف الجغرافيا والسياقات السياسية، فإن نهب الآثار فى العراق وليبيا وسوريا يجمعه خيط واحد: استغلال الفوضى لاقتلاع الذاكرة. فى العراق، كان المشهد واضحًا: قوات الاحتلال تقف على مقربة، فيما عصابات محلية تفرغ المتحف الوطنى من 15.000 قطعة موثقة، فى عملية نهب مباشر استهدفت قلب الهوية الرافدية. أما فى ليبيا، فقد تحولت المواقع والمخازن الأثرية إلى غنائم للميليشيات المسلحة، التى جعلت من الآثار عملة تمويل، تُهرّب عبر الموانئ إلى أوروبا، لتختفى آلاف القطع غير الموثقة من الحقبة الإغريقية والرومانية.
فى سوريا، المشهد أكثر تركيبًا؛ فإلى جانب التنظيمات الإرهابية مثل داعش، التى اتخذت من الآثار مصدر تمويل رئيسيا، ظهرت شبكات تهريب إقليمية وأمراء حرب يعملون على تدمير ونهب مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمى، من تدمر إلى حلب القديمة. هنا، لم يكن الهدف الربح المادى فقط، بل محو الهوية السورية وطمس شواهدها التاريخية.
الاختلاف الجوهرى بين الحالات الثلاث يكمن فى طبيعة الفاعلين ودوافعهم: العراق شهد نهبًا موجهًا فى ظل احتلال أجنبى، ليبيا عانت من فوضى الميليشيات العابرة للولاءات، وسوريا واجهت مزيجًا قاتلًا من الإرهاب، التهريب المنظم، وأجندات سياسية تسعى لإعادة رسم الخريطة الثقافية للبلاد.
حين تصبح الذاكرة ساحة حرب

تجارب العراق وليبيا وسوريا تكشف بوضوح أن نهب الآثار ليس عرضًا جانبيًا للفوضى، بل أداة إستراتيجية تُستخدم عمدًا لاقتلاع الذاكرة وإعادة صياغة هوية الشعوب. ففى سوريا اليوم، لا تُسرق القطع الأثرية بوصفها مجرد مقتنيات نادرة أو سلعة فى السوق السوداء، بل باعتبارها مفاتيح الوعى الجمعى، وشواهد حية على مسار حضارة تمتد لآلاف السنين.
هذه الجريمة تتجاوز حدود الاقتصاد غير المشروع لتبلغ ميدان السياسة العميقة: إعادة تشكيل الهوية الوطنية، وتجريد المجتمع من ماضيه حتى يصبح مستقبله هشًا، سهل الاختراق، وقابلًا لإعادة التعريف وفق إرادة القوى المهيمنة.

الاحتلال قد يرحل، والأنظمة قد تتبدل، لكن التاريخ إذا ضاع - أو أُعيد توزيعه فى خزائن المتاحف والمقتنين بعيدًا عن موطنه - فإن استعادته قد تكون شبه مستحيلة. من هنا، تصبح حماية التراث معركة سيادة بالمعنى الكامل، لا تقل شأنًا عن الدفاع عن الحدود. فالخسارة فى ميدان الذاكرة ليست أقل فداحة من خسارة الأرض، بل قد تكون أخطر، لأنها تجعلنا غرباء فوق ترابنا، بلا جذور تمتد فى عمق الزمن.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام