وجوه عبر الزمن



أبو العز الحريرى.. تاريخ محفور فى الذاكرة (2)

23-8-2025 | 20:16
إلهامى المليجى

فى زمنٍ ازدحمت فيه الحياة السياسية بأصوات عالية ووجوه عابرة، كان أبو العز الحريرى استثناءً نادرًا، لم يأتِ من قاعات الجامعات أو صالونات النخبة، بل خرج من قلب مصنع الغزل والنسيج، حاملاً رائحة القطن وعرق العمال، ووعيًا صُقل على ماكينة النضال اليومى فى مواجهة الظلم الاجتماعى قبل أن يعرف طريقه إلى مقاعد البرلمان.
 لم يكن النائب الذى يكتفى بترديد شعارات المعارضة من خلف الميكروفون، ولا السياسى الذى يحسب خطواته بميزان المناصب والمكاسب، بل كان يقتحم المعارك بلا حساب، مهتدياً فقط بالحق الذى يدافع عنه، ومستنفرًا كل ما فيه من طاقة ليقف حيث يجب أن يكون: فى صف الناس.
أعرفه منذ زمنٍ بعيد، وتقاطعت مساراتنا فى محطات لا تُنسى، من أزقة بيروت ومكاتب القاهرة، إلى أسواق كرموز الشعبية وخيم طرابلس الليبية. رجلٌ إذا حضر ترك أثره فى العيون قبل الأذان، وإذا غاب ظل صدى صوته يلاحقك فى الذاكرة: جملة قصيرة، لكنها حاسمة، تلخّص موقفه وتفضح زيف خصومه.
هذه الحكاية ليست سيرة كاملة لرجل لا تكفيه الصفحات، لكنها محاولة لالتقاط بعض المشاهد التى تختصر جوهره، مشاهد عشتها معه، وفيها ما يكشف عن معدن المناضل الذى ظل حتى آخر أنفاسه وفيًّا لمبادئه، عصيًّا على المساومة، وأقرب ما يكون إلى صورة النائب الذى أراد الناس أن يروه، ولم يروه كثيرًا فى زمننا.
 
المشهد الثانى: على الطريق إلى طرابلس… أبو العز يختار الانحياز لا الحياد
لم يكن اللقاء الأول بعد العودة من سوريا عابرًا، بقدر ما كان استئنافًا لزمن قُطِع ثم عاد ليتّصل، التقينا مصادفة فى مكتب الدكتور رفعت السعيد، أمين عام حزب التجمع وقتها، وكان أبو العز هناك كعادته: صوته جهورى، لكن نبرته هادئة، عيناه تلمعان بحدة الوعى لا بانفعال الغضب، استعدنا سريعًا شذرات من ذكريات بيروت، كأننا نلملم قطعًا متناثرة من مشهد قديم لم يُكتمل.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت لقاءاتنا تتكثف فى القاهرة كلما جاء من الإسكندرية – مدينته التى لم يغادرها قلبًا وإن غاب عنها جسدًا - كان يفضّل أن يستقل القطار الأول من الصباح، ويصل إلى القاهرة فى وقت مبكر، ثم ينطلق مباشرة فى جولة لا تهدأ، تبدأ من الحزب ومجلس الشعب ولا تنتهى إلا مع عودته مساءً، يتنقّل بين المقاهى والندوات والاجتماعات الحزبية، كأنه فى سباق مع الزمن لنقل هموم الناس من الشارع إلى البرلمان، ومن المصانع إلى المنابر.
وذات صباح، حين علم أننى أشارك فى الإعداد لمسيرة عربية من النقابات المهنية والعمالية للتوجّه برًا إلى ليبيا، دعمًا لها فى مواجهة الحصار الجائر، سألنى دون مقدمات:
“أنا جاى معاكم متى نتحرك؟”
لم يسأل عن تفاصيل الرحلة، ولا عن صعوبة الطريق، ولا عن ردود الفعل المتوقعة، كان يدرك أن المشاركة فى مثل هذا الحدث لا تُحسب على مقياس السياسة التقليدية، بل تُقاس بميزان الانحياز الأخلاقى، فالعقوبات التى فُرضت على ليبيا – بعد اتهامها فى حادثة لوكيربى – كانت من أكثر إجراءات الهيمنة الأمريكية فجاجة، تستهدف شعبًا بأكمله تحت غطاء القانون الدولى.
أبو العز لم يكن صديقًا للقذافى ولا مُهادنًا له، لكنه كان منحازًا – بلا تردد – للحق فى مواجهة الباطل، وللشعب فى وجه الابتزاز السياسى. وحين وصلنا إلى طبرق ومنها إلى طرابلس، لم يكن مجرد مشارك فى المسيرة، بل كان أحد وجوهها الأبرز، فى الندوة الكبرى التى عُقدت هناك، أمسك بالميكروفون وتحدث بلسان العامل البرلمانى لا السياسى المتلوّن، دعا لكسر الحصار بكل الوسائل، وأدان صمت الأنظمة العربية، ثم ألقى كلمته فى خيمة القذافى بصوت هادئ لكنه نافذ، خالٍ من التزلف، مليء بالمواقف:
“لسنا هنا لنصفق، جئنا نرفع صوت الشعب العربى لا نُزيّن صور الزعماء. الحصار جريمة، والمطلوب أن نواجه أمريكا لا أن نهادنها”.
أحدثت كلماته صدى واسعًا، التفتت إليه الشخصيات الليبية، وطُلبت لقاءات خاصة، لكنه أصرّ على أن أكون حاضرًا فى كل جلسة، لم أستوعب وقتها سرّ هذا الإصرار، لكنه أوضح لى ذلك لاحقًا، فى جلسة خاصة بالقاهرة، كشفت لى جانبًا آخر من حكمته السياسية وبصيرته الأخلاقية، وربما سأعود إليه فى مشهد مقبل.
 
المشهد الثالث – من الدقى إلى كرموز… حكايتان فى زمن واحد
29 نوفمبر 1990، تاريخ محفور فى ذاكرتى، لم يكن يوم انتخابات نيابية فحسب، بل كان أول سباق انتخابى أعيشه فى مصر بعد غيابٍ دام عقدًا من الزمان، عدتُ محمّلًا بلهفة من يريد أن يقرأ خريطة السياسة من الميدان لا من الصحف، هذه المرة، كنت طرفًا فى المشهد: مترشحًا عن دائرة الدقى والعجوزة، حيث أعيش فى قلب المهندسين، بدلًا من دائرتى الأصلية – منية النصر بالدقهلية – لأسباب لا مجال للخوض فيها الآن.
تفاعلى مع تلك الانتخابات كان واسعًا ومتشعبًا، فبموازاة معركتى الانتخابية، حرصت على زيارة أغلب المرشحين من التيارات القومية واليسارية، بل ورؤساء معظم أحزاب المعارضة آنذاك، كثير من هذه اللقاءات وما دار فيها سجّلته لاحقًا فى كتابى “نصف قرن من المال الحرام”.
وسط هذه الجولة المزدوجة بين معركتى ومعارك الآخرين، كانت محطة أبو العز الحريرى مميزة، كان يخوض معركته فى كرموز بالإسكندرية، وأصر على أن أرافقه فى جولة وسط دائرته. هناك، وسط الأزقة والأسواق، رأيت كيف يلتف الناس حوله بحب جارح فى صدقه، لم يكن نائبًا يبحث عن أصوات بقدر ما كان واحدًا منهم: يقف مع الباعة، يربّت على أكتاف العمال، ويمازح الكبار والصغار بلا تكلف.
توقفنا أمام مكتبة صغيرة يملكها، تديرها رفيقة دربه الفاضلة الأستاذة زينب الحضرى بابتسامة صافية، كأنها امتداد لبيته فى قلب السوق. وما لفت نظرى أن شعبيته لم تكن حبيسة كرموز، بل كانت الإسكندرية كلها تعرفه وتثق فيه، ومع ذلك، لم يسلم من مكائد الحزب الوطنى، الذى اعتبره صداعًا دائمًا داخل البرلمان، فاستنفر كل أدواته لإسقاطه.
سقط أبو العز فى تلك الدورة، كما لم يحالفنى الحظ أنا الآخر فى معركتى بالدقى والعجوزة، لكننا التقينا بعدها مرفوعى الرأس، نعلم أن المعركة الحقيقية لم تكن على المقاعد بقدر ما كانت على الموقف والمبدأ.
مرت الأعوام، حتى جاء يناير 2011، فوجدته حاضرًا فى الميادين بقوة، مشاركًا فى التأسيس لحزب التحالف الشعبى الاشتراكى مع عبد الغفار شكر وآخرين، وعاد فى 2012 ليفوز بمقعده، ويكون شوكة فى حلق الإخوان، واجههم بجرأة بلغت حد محاولة اغتياله، وشارك فى الصفوف الأمامية لثورة 30 يونيو، قبل أن يداهمه المرض أواخر 2014.
كنت خارج مصر حين أدخل المستشفى، وحين عدت كان الموت قد سبَقنى، فى الثالث من سبتمبر، غادرنا أبو العز الحريرى، تاركًا إرثًا من النزاهة والانحياز للناس، وسيرة برلمانى لم يساوم حتى النفس الأخير.
رحيل الجسد… وبقاء الموقف
رحل أبو العز الحريرى فى الثالث من سبتمبر 2014، لكن حضوره ظل حيًا فى ذاكرة كل من عرفه أو صادفه فى ساحة نضال، لم يكن مجرد نائب معارض أو صوت مشاغب تحت قبة البرلمان، بل كان ضميرًا يقظًا يرفض أن يُباع أو يُشترى، ورجلًا حمل صدقه كدرع، ومبدئيته كسيف، حتى وهو يدرك أن كليهما يثقل الكاهل فى زمن المساومات.
من مصنع الغزل والنسيج إلى مقاعد البرلمان، ومن شوارع الإسكندرية الشعبية إلى ميادين السياسة العربية، ظل منحازًا بلا تردد للناس البسطاء، مؤمنًا أن السياسة ليست لعبة سلطة، بل أمانة ومسئولية، لم يهادن سلطة الحزب الوطنى، ولم ينخدع بشعارات الإخوان، ولم يساوم على كلمة الحق فى مواجهة أى حاكم أو مشروع استبداد.
الخاتمة ربما لم تمنحه الحياة
 كل ما يستحقه من انتصار، لكن يكفيه أنه خرج منها كما دخلها: نظيف اليد، مرفوع الرأس، محاطًا بالحب والاحترام من خصومه قبل أصدقائه، وفى زمن يتساقط فيه كثيرون أمام إغراء السلطة أو بريق المال، بقى أبو العز الحريرى شاهدًا على أن الوفاء للمبدأ ليس أسطورة، وأنه ما زال ممكنًا أن يعيش السياسى ويموت واقفًا، تاركًا سيرته أمانة للأجيال المقبلة، تذكّرهم أن السياسة إذا فقدت ضميرها، فقدت معناها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام