مقالات



«الكوبرا» تهرب فى ثياب «الكبرى»

24-8-2025 | 22:46
أسامة سرايا

أعتقد أن تصريحات رئيس وزراء إسرائيل، نتنياهو، فى حديثه لقناة lnews24، لم تكن زلة لسان، فقد اختارها بعناية مع المذيع اليمينى المتطرف، شارون ماتيوس جاليانو، الذى تماهى مع رئيسه، وتبادلا الهدايا والخرائط الوهمية لإسرائيل المتصورة.

نتنياهو، وهو فى حالة الغروب، يريد أن يلبس ثوبا جديدا ويتحول إلى مبعوث إلهى، جاء بعد المؤسسين للدولة، لكى يخبر محاوره أن حروبه الدامية فى المنطقة، وإبادة غزة، وقتل الأطفال، تمت لأسباب تاريخية ولاهوتية، فى الوقت الذى كشف فيه العالم كله، طبيعة الدولة الإسرائيلية الراهنة، التى أصبحت «الكوبرا»، وهذا نوع من أنواع الثعابين.

رئيس الوزراء المتهم والمجرم، أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويداه الملطختان بالدماء لا يريد السلام، فى هذا العالم، بل إنه يزور التاريخ، وينشر صورة لمملكة يهوذا تضم أجزاء من الأراضى الفلسطينية المحتلة، والأردن ولبنان، وسوريا ومصر، ضاربا عرض الحائط على الأقل باتفاقية نهائية للسلام بين إسرائيل ومصر والأردن، أى أنه يعيد الصراع العربى الإسرائيلى إلى نقطة الصفر.

فى الوقت الذى يعترف فيه العالم كله، بما فيه إنجلترا وفرنسا الدولتان الكبريان المنشئتان، لدولة إسرائيل الأولى صاحبة بلفور والثانية أعطته القنبلة النووية، يرتكب نتنياهو وهو فى حالة هروبه من جرائمه الشخصية، أمام المحاكم الإسرائيلية، وصراع حزبه خلال العامين المنتهيين جرائم جديدة، بل يحاول توريط إسرائيل فى هذه الجرائم.

أحلام نتنياهو المجنونة، ستجعل إسرائيل تندم عليها، هذه التصريحات المدانة من كل العالم، كشفها سياسى أوروبى عتيد، أنها لا تعدو مغازلة لليمين المتطرف، وأن علماء الدين الحقيقيين يدركون ذلك جيدا، وأن ما يفعله نتنياهو بغزة جريمة لن يستطيع أن يهرب منها، وأنه ليس مفوضا من السماء لاستكمال المهمة الخاصة بإسرائيل إلا ولو كان يريد تقويض دولة إسرائيل نفسها قبل رحيله، عبارات نتنياهو التى تفوه بها بدون إدراك، جاءت تحت ضغط حالة النشوة التى يشعر بها بعد حربه مع الميليشيات، سواء فى غزة أو فى لبنان، أو سوريا، وهى لا تعنى نصرا، بقدر ما تعنى تدميرا.

يتصرف نتنياهو باعتباره رابحا لهذه الحروب، أو منتصرا وبفارق كبير كما يتصور، لكن يخطىء خطأ إجراميا فظيعا، لأنه يجر المنطقة إلى نقطة الصفر، أو إلى بدايات الصراع العربى - الإسرائيلى، وهو ما لا يتحمله هذا العالم الذى يعيش فيه الآن، ولا تتحمله أى قوة عالمية بما فيها أمريكا التى تسبغ رعايتها على إسرائيل.

حلم إقامة إسرائيل الكبرى عفا عليه الزمن، بل أصبح بالضبط مثل أحلام أو مزاعم من يعيشون فى أوهام أرض الميعاد، بل إن هذه التصريحات جعلت إسرائيل كلها أمام العالم، فى حالة من التراجع، بل إنها تنشئ لها جيتو جديدا، فى الشرق الأوسط، على غرار نموذجها الأوروبى فى القرون الوسطى.

أدان العالم العربى، بل العالم الخارجى، هذه الخرائط الإسرائيلية، وهذا الهراء المنشور، لأنه ببساطة يهدد السلام القائم فى المنطقة، حتى ولو كان باردا، ولاسيما بين إسرائيل ومصر والأردن، بل إنه يدفع

الأشقاء العرب الذين أدانوا هذا الفكر وفتحوا أبوابهم للسلم حديثا إلى التراجع، كما تقطع الطريق على الذين يؤمنون بالسلام العادل، فى مقبل الأيام.

هذا الطرح ستدفع إسرائيل ثمنه، قبل أى طرف آخر، لأنه يكشف حقيقة أن المعركة مع إسرائيل وجودية، وليست حدودية، معركة تحتاج إلى وعى ونهضة حضارية، بل إن نتنياهو استخدم مصطلحات الملصقات، بما يعنى أن السلام معه زائف.

العالم المتحضر كله، سيقف فى هذه المعركة، ضد هذا الفكر الإسرائيلى المغلق، الذى لا يستطيعون تحمله هم أنفسهم، فهم فى كل الحالات أقلية فى عالمهم، ولا يستطيعون أن يفرض على العالم هذا الفكر، لكن التلون الثعبانى «الكوبرا» وقع فى مأزق جريمته الكبرى ليهرب من جرائم ارتكبها فى محاولة لإثبات وجوده، جرائمه هى الأخرى ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم، وسوف تتحملها إسرائيل، وتدفع ثمنها للشعب الفلسطينى، بل للشعوب العربية كلها.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام