بينما كان العالم منشغلاً بالمآسى التى خلقتها حكومة اليمين الإسرائيلى المتطرف على جبهات لبنان وسوريا وغزة وإيران، وحالما استفاقت شعوب أوروبا وأمريكا لما تقترفه هذه الحكومة من جرائم فى غزة منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، طلع علينا نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل بتصريح، يعلن فيه إيمانه والتزامه بما يسمى «إسرائيل الكبرى».
ومفهوم “إسرائيل الكبرى”، هو مشروع أيديولوجى - سياسى من أحلام الصهيونية العالمية، والذى يؤمن بالتوسع الإسرائيلى على حساب دول المنطقة، ليمتد من النيل إلى الفرات، ويضم فلسطين كلها، وأجزاء من دول الجوار المحيطة بفلسطين.
والحقيقة أنه لا توجد مرجعية دينية أو تاريخية تثبت هذا الادعاء الصهيونى، إنما هو استغلال لنصوص محرفة من أجل تحقيق أحلام توسعية يتبناها اليمين الصهيونى المتطرف الذى يُرجع فكرته المريضة تلك إلى «الوعد الإلهى» فى النصوص الدينية التى تتحدث عن “أرض الميعاد” لبنى إسرائيل، هذا الفكر تبنته الحركة الصهيونية العالمية فى بداية القرن التاسع عشر على يد تيودور هرتزل ، و «بن جوريون» وكذلك أحزاب صهيونية مثل الليكود وحيروت.
وفى مذكرته عام 1956، ألمَح بن جوريون إلى أن إسرائيل لن تعيش ضمن حدود ضيقة، وقد كرر نفس الجملة الرئيس الأمريكى ترامب فى 2025 !!
وفى عام 1982، ظهرت وثيقة الباحث الإسرائيلي”عوديد ينون” داعيةً لتفتيت الدول العربية المحيطة بإسرائيل من أجل إقامة إسرائيل كقوة وحيدة مُهيمنة من النيل إلى الفرات.
وعلى الرغم أن مفهوم “إسرائيل الكبرى”، من النيل إلى الفرات لم يتحقق كواقع سياسى، فإن سياسات التعدى على دول الجوار الفلسطينى، والاستيطان والضم التدريجى للأراضى فى الضفة الغربية، إضافة إلى جرائم التهجير القسرى والتطهير العرقى، ومحو المدن فى قطاع غزة أخيرا، كل هذا يعتبر بدايات تجسيد عملى لمفهوم “إسرائيل الكبرى”.
و«إسرائيل الكبرى»، لم تكن فكرةً حاضرةً فى الدين اليهودى التقليدى الذى اعتنقه اليهود فى الشتات، ولكنها ادعاء صهيونى استند إلى نصوص تم تحريفها على مدى العصور، لتخدم الهدف السياسى التوسعى، ومنها سفر التكوين، وسفر التثنية وسفر يشوع، وفى هذه الأسفار اختلف اليهود أنفسهم على تفسير هذه الآيات على مر العصور. مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلً (النساء-46)
و نقرأ أيضاً : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (البقرة- 79) والسيد المسيح (عليه السلام) أنتقد بقوة الكتبة ورجال الدين اليهود لما أضافوه إلى التوراة و لتحريفهم المعانى، «قد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم» (متى 15:6) ويكرر المسيح توبيخ اليهود قائلاً، “أنتم تبطلون كلام الله بتقليدكم الذى سلمتموه. وأمثال هذا كثيرة تفعلون.” (مرقس 7:13) وهذا دليل على أن نصوص التوراة فى زمن المسيح لم تعد نقية، بل دخلتها إضافات بشرية. وتاريخياً، لا يوجد أى دليل أثرى على أن بنى إسرائيل فى زمن سيدنا موسى أو يشوع قد حكموا أرضاً تمتد من النيل إلى الفرات، ولا سوريا ولا لبنان، حتى إن أقصى أرض عاشوا عليها فى عهد داود و سليمان لم تتجاوز فلسطين التاريخية وبعض تخوم من الأردن. ويُعَرِّف الطب “السيكوباتية” بأنها اضطراب الشخصية المعادى للمجتمع، ويتصف الشخص السيكوباتى كذلك بانعدام التعاطف واستغلال الآخرين والسلوك العدوانى. أما «السيكوباتية السياسية» فتظهر عند بعض الساسة العالميين منعدمى الضمير والأخلاق، وهم على استعداد دائم لاستغلال الشعوب وارتكاب العنف والخداع لتحقيق المصالح الشخصية والأيديولوجية، لتتحول السياسة إلى أداة للهيمنة والقمع. ولهذا، فإن ما يراه الصهاينة أمثال نتنياهو وبن غفير وسموتيريش «حقاً توراتياً» ما هو إلا «تحريف»، لأغراض سياسية توسعية تتبناه شخصيات تتسم بالسيكوباتية السياسية، وتستغلها الإمبريالية العالمية لتحقيق أطماع موازية.
هذا الاتجاه السياسى السيكوباتى، قاومته الحركات القومية العربية، ورفضته الحكومات العربية وجامعة الدول العربية بوضوح، فى تأكيد واضح أن أى مشروع توسعى صهيونى هو عدوان فاقد للشرعية. وفى خطٍ موازٍ، أكدت قرارات مجلس الأمن الدولى، مثل القرار 242 لعام 1967 على “عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة”، وهذا نقيض للفكرة المريضة المسماة “إسرائيل الكبرى”. ومعلومٌ أن غالبية الدول الأوروبية لم تعترف بالضم الإسرائيلى للقدس والجولان، وترى أن الاستيطان يقف عقبة أمام السلام.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها لم تتبنَّ قط بشكل رسمى خطاب “إسرائيل الكبرى”، لكنها عملياً تغض الطرف عن سياسات الاستيطان والضم التدريجى للأراضى. ولا شك فى أن الدبلوماسية المصرية لها من الخبرة ما يكفى للتعامل مع السيكوباتية السياسية الصهيونية. ولا شك فى أن السياسة المصرية لها من الخبرة والقدرة ما يكفى لردع الأحلام المريضة للفكر الصهيونى فى التوسع والاستعمار. ولا شك فى أن الشعب المصرى له من الإرث التاريخى والحضارى ما يمكنه من قراءة الفكر الصهيونى الآثم، وله القدرة على التضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل تراب الوطن. تحيا مصر.