مقالات



«المناطق الآمنة» .. حق العرب الأصيل

30-8-2025 | 16:04
د.عمرو بسطويسى

فى عالم اليوم، حيث اختلط الحق بالباطل، ولعب الجلادون دور الضحايا، وصنعت أكاذيبهم دموعاً زائفة، بينما تقطر أياديهم بدماء ضحايا قضوا فى صمتٍ مهيب.

فى هذا العالم، قد تختلط على الشعوب الحقائق وقد تصل إليهم الأخبار مغلوطة، ولكن التاريخ لا يكذب، والقانون الدولى لا يُجامل وذاكرة الإنسانية لا تنسى.

وفى هذا الشأن، نجد «إسرائيل»، دولة الاحتلال، وليدة الاستعمار العالمى، والأكثر إثارة للحروب والجدل فى عالمنا الحديث، نجدها تنتقل من الشكل الفج لاحتلال فلسطين فى عام 1948، وبشكل تدريجى، لترسم نفسها كحَمَلٍ وديع مُسالم يُعانى من إرهاب الشعب الفلسطينى الذى احتل هو أرضه،  ومن عداء الدول المحيطة بفلسطين التاريخية، والتى داومت إسرائيل على غزو أراضيها والاعتداء على حقوق شعوبها.

ومنذ 1948، مارست إسرائيل فى خمسينيات القرن الماضى ما أسمته «غارات الانتقام» على الضفة الغربية وقطاع غزة وأشهرها «مجزرة قبية» عام 1953، وانتهاءً بالعدوان الثلاثى فى 1956.

وفى 1967، انتقل العدوان إلى مرحلة جديدة باحتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان.
تلى ذلك قرار مجلس الأمن التاريخى رقم 242، والذى نص على «عدم جواز احتلال أراضى الغير بالقوة» وعلى «ضرورة الانسحاب من الأراضى المحتلة».
لم تخضع إسرائيل لهذا القرار ولا لغيره، ولكنها خضعت لقوة مصر وجيشها فى حرب السادس من أكتوبر 1973، والتى كانت مفتاحاً لنصر مصر عسكرياً ولاتفاقية كامب ديفيد للسلام التى ردت لمصر كامل أرضها. ولولا قوة مصر لما خضعت إسرائيل لاتفاق السلام.
ونُذَكِّر أيضاً باقتحام إسرائيل لقرية الكرامة فى غور الأردن عام 1968 بحجة وجود قواعد للفدائيين.
أما لبنان فكان لها من العدوان الصهيونى نصيب متكرر، فكان اجتياح الجنوب اللبنانى فى «عملية الليطاني» عام 1978 والتى انتهت بقرارى مجلس الأمن 425 و426 وإنشاء قوة اليونيفيل.
تكرر الأمر فى 1982 باجتياح لبنان والوصول إلى بيروت من أجل طرد منظمة التحرير الفلسطينية وإنشاء حزام أمنى فى الجنوب حتى عام 2000.

وفى عامى 1993 و1996 قادت إسرائيل عمليتى «المحاسبة» و«عناقيد الغضب» بقصف كثيف على رؤوس المدنيين اللبنانيين مع تدمير واسع للبنية التحتية.

وفى 2006، قادت إسرائيل مرة أخرى حرباً شاملة على حزب الله فى جنوب لبنان، والتى انتهت بقرار مجلس الأمن 1701 مع تعزيز لدور قوات اليونيفيل.
أما فى سوريا، وبعد حرب 1973 تم إبرام قرار فصل القوات فى 1974 مع إنشاء منطقة فاصلة تحت إشراف «الأندوف» «UNDOF» فى الجولان. ولم يمنع هذا إسرائيل من تكثيف غاراتها على الداخل السورى منتهكة سيادة سوريا بدعوى ضرب تموضعات إيرانية ودون سند دولى أو قانونى كالمعتاد.

ومنذ عام 2000، تعرض الداخل الفلسطينى مُمثلاً فى الضفة وغزة لجولات حربٍ متكررة، فنالت غزة حملات «الرصاص المصبوب» (2008-2009) و«عمود السحاب» (2012) و«الجرف الصامد» (2014) و«سيف القدس» (2021)، ثم الحرب الراهنة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم.
ومن العجب ما يُلاحظ من استخدام إسرائيل فى كل حملاتها العدوانية والاستعمارية لمسميات فخمة ورنانة، فى محاولات فاشلة لإضفاء قدسية وشرعية  زائفة على تجاوزاتها من القتل والتدمير واحتلال أراضى الغير.

والأكثر عجباً أن إسرائيل بعد كل عدوان مما ذكرنا، تسارع للمطالبة فى الحصول على ما يُسمى «المناطق الآمنة» أو «المناطق العازلة» (Buffer/Security zones) بغرض الحفاظ على أمنها من الدول التى اعتدت هى عليها واحتلت أرضها !!

ومن أمثلة تلك المناطق الآمنة، الشريط الأمنى جنوب الليطانى فى لبنان (1985-2000)، وتلك الموجودة فى الجولان السورى منذ 1974، والتى انتهت بضم الجولان فى 1981، ثم احتلال كامل الشريط الحدودى وجبل الشيخ فى 2025 مع محاولات جعل منطقة الدروز الجنوبية شريطاً عازلاً أيضاً !!

أما وادى الأردن فقد وضعت إسرائيل له «خطة آلون» وهى تصور إستراتيجى لخلق شريط أمنى على طول نهر الأردن كحاجز أمنى لإسرائيل عبر مستوطنات وقواعد عسكرية. وإن لم تتحقق هذه الخطة إلا أنهم يجددون المطالبة بها دائماً.

وفى غزة، وقبل 2014 تم إنشاء مناطق عازلة ومحظورة بسياج إلكترونى، مما جعل من غزة أكبر سجن مفتوح فى العالم. وقد وثقت منظمات حقوقية هذه القيود البشرية غير المسبوقة.
وبعد السابع من أكتوبر 2023, توسعت رقعة المنطقة العازلة لتشمل أغلب قطاع غزة مع خطط التهجير القسرى والتطهير العرقى بالقتل المباشر والتجويع وتدمير كامل البنية التحتية والبيوت السكنية.

ومما يثبت ذات السياسة هو نية حكومة اليمين المتطرف إعادة تنفيذ مخطط مستوطنات المنطقة E1 التى ستُقسم الضفة الغربية وتعزل عنها مدينة القدس.

إن أمن الشعوب العربية، والشعب الفلسطينى خصوصاً ليس مِنَّةً من المجتمع الدولى ولا استثناء، بل هو جوهر العدالة الدولية وحق التاريخ. وإن أى حديث عن أمن إسرائيل لا معنى له مادامت هى أصل الخطر ومصدر العدوان.

إن حق المناطق الآمنة لا يمكن أن يكون للدولة المعتدية، التى تحتل أراضى الغير ثم تبحث عن حزامٍ يقيها تبعاتِ أفعالها، بل إنه حق أصيل للدول المُعتدى عليها من قبل إسرائيل وذلك استناداً إلى مرجعية القرارين 242 و338.

إن المناطقَ الآمنة حقٌ أصيلٌ للعرب.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام