فى الوقت الذى يعيش فيه الإقليم مراحل تحول خطيرة، بسبب الصراعات الكبرى التى تحاصر خرائط العالم، وفى القلب منها ما ترتكبه إسرائيل من جرائم فى غزة، للعبث بخرائط الشرق الأوسط وفرض واقع جديد بالقوة، نجد أن الدبلوماسية المصرية، لا تتوقف عن التحرك البناء من أجل استقرار الإقليم العربى.
فى هذا الإطار، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسى، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، فى زيارة إلى مدينة العلمين الجديدة، كإعلان سياسى واضح أن البديل العربى حاضر، وأن المنطقة ليست ساحة فراغ، تنتظر من يرسم لها مستقبلها.
الاستقبال الحافل الذى حظى به الشيخ محمد بن زايد، لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي، إنما كان رسالة مهمة بأن العلاقات المصرية - الإماراتية تعكس إدراكًا مشتركًا بأن اللحظة الإقليمية لا تحتمل الحياد أو التردد، وأن التنسيق بين القاهرة وأبوظبى، والعواصم العربية، هو الضمانة الأهم لبقاء التوازن العربي فى مواجهة مشاريع الهيمنة. إسرائيل تحاول عبر محرقة غزة أن تفرض منطق التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، بينما تتخذ مصر والإمارات موقفا موحدا، يقوم على رفض كل مخططات الترحيل القسرى، أو إعادة إنتاج «الوطن البديل» للفلسطينيين. هذا الموقف لم يعد مجرد خطاب سياسى، بل تحرك عملى، تجلى فى الوساطات المصرية المتواصلة لوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وفى التحركات المصرية النشطة فى المحافل الدولية لوقف العدوان والضغط من أجل حل سياسى، يضمن حقوق الشعب الفلسطينى.
اللقاء فى العلمين، وسط أجواء هذه المأساة، جاء ليؤكد أن الشراكة بين القاهرة وأبو ظبى، ليست وليدة ظرف طارئ، بل امتداد لعلاقة تاريخية تراهن على المستقبل، وتتمسك بالثوابت، وعلى رأسها مركزية القضية الفلسطينية فى وجدان العرب. الأهمية الأكبر لهذا اللقاء تنبع من أن التعاون المصرى - الإماراتى تجاوز، منذ سنوات، حدود التضامن السياسى إلى بناء تحالفات إستراتيجية متكاملة. فى ذروة الضغوط الاقتصادية العالمية، ضخت الإمارات استثمارات غير مسبوقة فى الاقتصاد المصرى، أبرزها صفقة مشروع "رأس الحكمة" التى قاربت 35 مليار دولار، فى أكبر استثمار منفرد فى تاريخ مصر الحديث. هذا التوجه يعكس رؤية إماراتية، بأن دعم الاستقرار الاقتصادى فى مصر هو دعم للاستقرار الإقليمى برمته، فيما تنظر القاهرة إلى أبوظبى باعتبارها شريكا استثماريا وتنمويا بعيد المدى، تتجاوز معه العلاقة منطق الشراكة الطارئة إلى شراكة مستدامة، تقوم على المصالح المتبادلة. فى المقابل، فإن البعد الأمنى للعلاقة لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادى. مصر والإمارات تنطلقان من قناعة أن أمن الإقليم، لا يمكن أن يظل رهن التدخلات الخارجية أو رهانات القوى الكبرى، بل يجب أن يكون ثمرة تعاون عربى داخلى، ومن ليبيا إلى البحر الأحمر، ومن القرن الإفريقى إلى شرق المتوسط، كان التنسيق بين البلدين حاضرا فى كل الملفات الساخنة، يعكس توافقا إستراتيجيا على أن استقرار المنطقة شرط لبقائها وتقدمها.
فى زمن تعصف فيه الفوضى بعدد من دول الجوار، يظهر النموذج المصرى - الإماراتى، بوصفه التجسيد الأوضح لإمكانية الجمع بين الأمن والتنمية، وبين الحزم السياسى والرؤية الاقتصادية. لا يمكن فصل دلالات زيارة العلمين عن رمزية المكان نفسه. فالعلمين، المدينة الحديثة على الساحل الشمالى، تمثل مشروعا مصريا لتحويل منطقة، كانت رمزا لمعركة دموية فى الحرب العالمية الثانية، إلى مركز للحياة والعمران والاستثمار.
اختيارها مسرحا للقاء هو إعلان ضمنى، أن العرب يبنون بينما يهدم الآخرون، وأن البديل عن مشاهد الركام فى غزة هو مشهد المدن التى تنهض من الصفر، لتكون عنوانا للمستقبل. إنها رسالة بأن القوة العربية لا يمكن اختزالها فى السلاح فحسب، إنما فى القدرة على البناء، وإعطاء الأمل فى زمن يحاول فيه الاحتلال فرض منطق اليأس. بهذا المعنى، فإن زيارة
الشيخ محمد بن زايد ليست مجرد حدث ثنائى بين بلدين تجمعهما علاقات وثيقة، لكنها حدث إقليمى يكرس فكرة الاستقلال الإستراتيجى العربى. بعد عقود طويلة، ظلت فيها خرائط الشرق الأوسط يتم رسمها فى مراكز القرار الأجنبية، تأتي هذه اللحظة لتقول إن القاهرة وأبوظبى معا تصوغان نموذجا مغايرا يقوم على أن الحلول تأتى من داخل الإقليم لا من خارجه، وأن إرادة الشعوب والدول العربية قادرة على حماية نفسها وصناعة مستقبلها. هذا ما يفسر لماذا ينظر كثيرون إلى هذه العلاقة باعتبارها ركيزة لأمن المنطقة، ونواة لتوازن عربي قادر على مقاومة العبث الخارجى. وإذا كان الحاضر يؤكد قوة هذا التحالف، فإن الماضى يقدم سجلا طويلا يثبت أصالة العلاقة بين البلدين.
منذ ما قبل استقلال دولة الإمارات عام 1971، وقفت مصر بقيادة جمال عبد الناصر إلى جانب الإمارات فى مراحلها التأسيسية، وكانت من أوائل الدول التى دعمت الاتحاد واعترفت به، وفى حرب أكتوبر 1973، دون التاريخ موقف الشيخ زايد، حين قال عبارته الشهيرة: "النفط العربي ليس أغلى من الدم العربى"، وقرر دعم مصر وسوريا وقطع النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل، ليجعل من الإمارات طرفا أصيلا فى معركة الكرامة.
فى العقود اللاحقة، استمر التنسيق والتضامن، سواء فى دعم الإمارات للاقتصاد المصرى فى أوقات الأزمات، أم فى التنسيق السياسى خلال القمم العربية والملفات الإقليمية. ومع اضطرابات ما بعد 2011، وقفت الإمارات بجانب مصر لتجاوز مرحلة الفوضى، مؤكدة أن استقرار القاهرة هو ركيزة لاستقرار الخليج والمنطقة. اليوم، مع تحولات العقد الأخير، تعززت العلاقة إلى مستوى غير مسبوق، عبر شراكات اقتصادية كبرى، ومشاريع تنموية مشتركة، وتنسيق سياسى وأمنى فى ملفات الإقليم، وصولا إلى التعاون المباشر فى قضايا مصيرية مثل أزمة غزة. ومن خلال الزيارات المتبادلة بين الرئيس عبدالفتاح السيسى، والشيخ محمد بن زايد، تجسد هذه العلاقة الفريدة حالة من الثقة المتبادلة على المستوى الشخصى والرسمى، تجعل منها واحدة من أكثر العلاقات العربية صلابة واستمرارية. فى المحصلة، فإن زيارة العلمين لم تكن مجرد اجتماع بين رئيسين، إنما كانت تعبيرا عن رؤية إستراتيجية، تتحدى الخرائط التى تحاول إسرائيل فرضها بالحديد والنار والدم.
إنها تأكيد على أن المستقبل للإقليم وأبنائه، لا للقوى الغريبة عنه، وأن مصر والإمارات معا تشكلان نموذجا مضادا لمشاريع الفوضى، نموذجًا يبنى ويستثمر ويصر على أن فلسطين ستبقى قضية العرب المركزية، وأن الاستقلال الإستراتيجى العربى ليس حلمًا بعيدًا بل واقع يتشكل. ومن خلال هذا التحالف التاريخى الفريد، تظل مصر والإمارات، شاهدتين على أن البديل عن الخرائط الدموية حاضر وجاهز: شرق أوسط يكتب بالعقل لا بالقنابل، بالتنمية لا بالإبادة، وبالعروبة الفاعلة لا بالشعارات.