نحن والعالم



صادق على الخطة العسكرية.. وأعلن استعداده للتفاوض نتنياهو.. المراوغ

30-8-2025 | 16:45
⢴ العزب الطيب الطاهر

فرض التهجير.. إنهاء حماس والمقاومة.. استعادة الفعل الاستيطانى.. 3 أهداف رئيسية مطلوب تحقيقها من العملية الجديدة

قطاع غزة بأكمله يشهد كارثة إنسانية بعد أن أعلنته الأمم المتحدة رسميا منكوبا بالمجاعة جراء ممارسات مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من تل أبيب وواشنطن

لا تختلف الأهداف  التى يسعى جيش الاحتلال لتحقيقها عن أهداف عملية عربات جدعون

فى حال استئناف مفاوضات صفقة الأسرى بالتوازى مع العملية العسكرية ستكون بمنزلة مفاوضات تحت النار

تخصيص 9 مليارات دولار لتوفير متطلبات العدوان الجديد ما يعنى رفع العجز المالى فى الميزانية إلى 5.2 % 


ليس ثمة ما يكبح رئيس حكومة القوة القائمة بالاحتلال بنيامين نتنياهو،عن المضى قدما باتجاه بلورة مشروعه العدوانى فى قطاع غزة فى نسخته الجديدة، معلنا تفضيله لمسمى القبضة الحديدية، بفعل ما وصفه بعدم رضا الجمهور عن الاسم نفسه، الذى أطلق على العملية السابقة، التى بدأت وقائعها الدامية فى شهر مارس وانتهت فى يونيو مارس، دون أن تحقق أهدافها التى تحددت بهزيمة “حماس” وتحرير المحتجزين، على الرغم من سيطرة جيش الاحتلال على 75% من مساحة قطاع غزة، وتهجير مئات الألوف كثير من سكان الشمال والوسط إلى الجنوب، ما يؤشر إلى تمسكه بموروثه التوراتى المزيف فى التعامل مع الوقائع الحديثة، إرضاء للشرائح الضخمة التى باتت تهيمن على الرأى العام فى الكيان الإسرائيلى، التى انحازت فى العقدين الأخيرين إلى التيار اليمينى المتطرف بشقه الدينى والقومى، وكلاهما يقدم الإسناد التام لحكومته من ائتلاف يضم أحزاب هذا التيار، وإن كان استقال بعض وزرائه منها فى الآونة الأخيرة، إلا أنها حافظت على نوابها فى الكنيست حتى لا ينهار الائتلاف، على خلفية أزمة تجنيد الحريديم (الشباب اليهودى المتدين).

فقد أعلن - أى نتنياهو - أنه أوعز بالبدء بمفاوضات فورية لإطلاق سراح جميع الأسرى فى قطاع غزة وإنهاء الحرب، تزامناً مع تصديقه على خطة السيطرة على مدينة غزة، وحسم المعركة مع حماس، خلال تفقده فرقة غزة التابعة لجيش الاحتلال مساء الخميس قبل الماضى، فى ازدواجية تعكس منهجية المراوغة التى ينفذها بكفاءة عالية، منذ إصدار أوامره بالبدء فى حرب الإبادة فى السابع من أكتوبر من العام قبل الفائت.

وبذلك يبدو مرتديا ثوب المتجاوب مع المقترح المصرى - القطرى الأخير، الرامى إلى تسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ووقفاً مؤقتاً للعمليات العسكرية لـ60 يوماً، يجرى خلالها التبادل على مرحلتين: الإفراج عن 10 أسرى أحياء فى غزة، فضلا عن 18 جثماناً، مقابل عدد من الأسرى الفلسطينيين، إلى جانب مناقشة ترتيبات التهدئة الدائمة منذ اليوم الأول للاتفاق، وهى بنود لا تختلف كثيرا عن بنود المقترح، الذى تقدم به المبعوث الأمريكى للشرق الأوسط ستيف ويتكوف من قبل، وأقرته تل أبيب بينما أبدت حماس بعض التحفظات عليه، غير أنها أعلنت موافقتها عليه عقب أن أدخل عليه الجانبان المصرى والقطرى قليلا من التعديلات، بيد أن نتنياهو لم يعلن صراحة وبصورة رسمية الموافقة عليه، وإن كان يوعز أحيانا لمسئولى مكتبه بإصدار مواقف تتسم بالغموض نحوه، ما قد يشكل تحديا كبيرا له – أى المقترح - ويعرقل تطبيقه، على نحو يهيئ البيئة السياسية، التى تفتح أبواب الجحيم والإسراع فى إنجاز خطة السيطرة الأمنية العسكرية والأمنية الكاملة على القطاع، انطلاقا من مدينة غزة التى يظن قادة جيش الاحتلال واستخباراته، أنها تشكل المعقل الأخير لكتائب عز الدين القسام، حيث ما زالت تحتفظ بكتيبة فيها، إلى جانب كتيبة أخرى فى منطقة الوسط، أى إن الخيار العسكرى، أو بالأحرى الخيار العدوانى، هو الأقرب لذهنية نتنياهو ونخبته السياسية اليمينية المتطرفة، والذى برغم اعتراضات قيادة جيش الاحتلال عليه، فإنه بات يمتلك التأثير القوى عليها، فى أعقاب نجاحه فى السنوات الأخيرة بتغيير المعادلة الداخلية لصالح إخضاع المؤسسة العسكرية للمستوى السياسى، خصما من رصيد رقمها القوى الذى كان سائدا فيها، منذ تأسيس إسرائيل على جماجم الفلسطينيين فى حرب 1948، وبات يردد بقدر من الاعتزاز، مقولة “إننا أصبحنا دولة لها جيش وليس جيشا لدولة”، ما يستوجب- وفق رؤيته ورؤية كلا من وزير المالية “بتسلئيل سموتريش” ووزير الأمن القومى إيتمار بن غفير، الأشد تطرفا فى حكومته - ضرورة تنفيذ المستوى العسكرى أوامر المستوى السياسى، وهى مقولة صحيحة فى كل الأحوال، غير أنها فى حالة غزة تنطوى على مخاطر، فى مقدمتها أن العملية الجديدة لن تمضى بيسر وسهولة وانسيابية، على نحو يمكن جيش الاحتلال من التهام وابتلاع غزة.. فثمة قدرات ومهارات عالية أبدتها المقاومة فى الآونة الأخيرة، وعلى رأسها مقاتلو القسام والجهاد، فى التصدى لقوات الاحتلال فى عمليات نوعية، أفضت إلى مقتل وإصابة أعداد منهم فى كمائن محكمة، كان آخرها كمين خان يونس، الذى خاض فيه مقاتلو القسام مواجهة شرسة مع هذه القوات من المسافة صفر، اقتربوا فيها من أسر أحد عناصرها، وكان ذلك من شأنه -لو تحقق- أن يرفع منسوب أوراقها التفاوضية، بعد إضافة أسير جديد لمن لديها فى أنفاق غزة.

أولويات نتنياهو
وهذا المعطى المتعلق بأسرى إسرائيل الأحياء والأموات فى القطاع، فضلا عن تصاعد أرقام قتلى جنود جيش الاحتلال فى متوالية يومية، لم يشكل أولوية فى إدارة نتنياهو لوقائع حرب الإبادة فى غزة، وبالتالى لا يشكل فى الوقت الراهن كابحا قويا لمنعه من مواصلة هذه الحرب، وهو ما بدا واضحا أثناء إصدار أوامره باجتياح شمال القطاع، على الرغم من أنه يطرحه على الدوام، بحسبانه واحدا من أهدافه المحورية لاستمرار القتال، لكن ثبت على مدى الأشهر المنصرمة أن أولوياته، تتركز فقط فى اكتساب المزيد من الفترات الزمنية، لإطالة أمد بقاء حكومته وائتلافه اليمينى، لأنه لو كان يرغب بجدية فى إطلاق سراح الأسرى فى غزة - باعتراف دوائر من داخل إسرائيل - لما عطل تنفيذ اتفاق التاسع عشر من يناير المنصرم، الذى سرعان ما تخلى عن مرحلته الثانية بعد النجاح الكبير الذى حققته المرحلة الأولى، ثم استعاد نزوعه العدوانى معلنا استئناف حرب الإبادة فى مارس الماضى على نحو أشد ضراوة وجنونا، واستمرأ على مدى هذه الفترة رفض كل مقترحات الهدنة وتبادل الأسرى، ما أدى إلى أن بدا الأمر كأنه دخل طريقا مسدودا، على الرغم من الجهود المكثفة التى تبذلها مصر وقطر بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية التى يتسم موقفها بحالة سيولة، فبينما يتحدث رئيسها دونالد ترامب عن ضرورة إطلاق سراح المحتجزين وإنهاء الحرب وتقديم المساعدات الإنسانية، ويلجأ فى معظم الأحيان إلى لغة التهديد والوعيد لحركة حماس- مثلما حدث الأسبوع قبل الماضى - فإنها تواصل منح تل أبيب الضوء الأخضر للانخراط بصورة أكثر عدوانية فى حرب الإبادة على غزة، ما يطمئن نتنياهو ويجعله فى حالة انسجام مع هذه العدوانية، على الرغم من المواقف الرافضة لسياساته وقراراته، بما فيها قرار إعادة احتلال القطاع، التى صدرت من دول فاعلة ومؤثرة فى النظام الدولى الراهن، أعلنت أخيرا إقدامها على الاعتراف الرسمى بدولة فلسطين المستقلة، خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر المقبل، لكنه - أى نتنياهو- لا يأبه لذلك، متكئا على إسناد ترامب، وإن كان فى الآن ذاته لا يتورع عن شن حملات سياسية مناهضة ضد هذه الدول، إلى حد وصفها بمعاداة السامية، وهى التهمة الجاهزة لكل من يجاهر بانتقاد القوة القائمة بالاحتلال، مثل ما جرى مع الرئيس الفرنسى إيماويل ماكرون أخيرا، الذى عقب مكتبه بقصر الإليزيه على ذلك بلغة حادة، وصف فيها هذا الاتهام بالعمل الدنىء.
وفى تل أبيب يتحدثون عن أن نتنياهو، لم يتجاوب مع تنفيذ مقترحات ومبادرات قدمت من إدارة الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن، وأيضا من القاهرة والدوحة اللتين استضافتا عديد جولات التفاوض، عندما كان عدد أسرى إسرائيل فى غزة كبيرا وماطل فى إطلاق سراحهم، حتى إن كثيرا منهم لقى حتفه، بفعل غارات مقاتلات الاحتلال على المواقع المحتجزين فيها، دون أن تدرى عنهم شيئا، وبعضهم توفى بشكل طبيعى نتيجة أمراض مزمنة أو كبر سن، وبالتالى فإن هذه الدوائر تتوقع أن يضحى نتنياهو بمن تبقى منهم أحياء وعددهم 20 أسيرا، إلى جانب الموتى (30) فى سبيل أن تمضى وقائع حرب الإبادة فى مرحلتها الجديدة، التى ستكون أكثر التهابا وتقتيلا وتدميرا، لاسيما مع اقتراب الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى، التى ما زالت تقض مضاجع القوة القائمة بالاحتلال.
أهداف ليست جديدة
 ولا تختلف الأهداف التى يسعى جيش الاحتلال لتحقيقها من خطة السيطرة على مدينة غزة عن أهداف عملية عربات جدعون الأولى، لكنها تأخذ هذه المرة نبرة، يحاول أن يبدو فيها نتنياهو حاسما وصارما، وتتجسد فى عدة محاور، أولها تهجير سكان المدينة إلى الجنوب من خلال ممرات آمنة، مع توفير الاحتياجات الإنسانية من خلال مؤسسات دولية وبناء مستشفيات ميدانية - حسب زعم القائمين عليها - وذلك لتفادى النقد الدولى ضد تهجير مليون فلسطينى من المدينة، وقد بدأت إرهاصات تنفيذها، بعد مصادقة كل من نتنياهو ووزير دفاعه “يسرائيل كاتس” عليها، نهاية الأسبوع الماضى، والأخير توعد فى نبرة تجسد غطرسة القوى لدى حكومة الاحتلال، بتدمير مدينة غزة فى حال لم تتخل حركة حماس عن سلاحها، ولم تطلق جميع المحتجزين الذين ما زالوا قيد الاحتجاز وإنهاء الحرب بشروط تل أبيب، وخاطب قيادة حماس، عبر منصة «إكس»، بقوله: “إذا لم يقبلوا، ستصبح (مدينة) غزة - عاصمة حماس - رفح وبيت حانون”، فى إشارة إلى مدينتين تم تدميرهما بشكل كبير، أثناء حرب الإبادة المستعرة فى القطاع منذ أكثر من 22 شهرا، وهو ما يفسر الاستعدادات العسكرية الضخمة لتنفيذ هذه الخطة، التى تمثلت فى إعداد ستة فرق عسكرية خصوصا قوات النخبة، التى قد تستمر العملية حتى العام 2026، وسيتم فى خلالها استدعاء 120 ألفا من جنود الاحتياط على عدة دفعات: 60 ألفاً فى سبتمبر، و60 ألفاً آخرين فى نوفمبر، كما ستُمدَّد خدمة الاحتياط الموجودين فى الخدمة حاليا شهراً إضافياً. ويلى ذلك مرحلة ثانية تشمل احتلال مخيمات اللاجئين وسط القطاع، التى دمر جيش الاحتلال أجزاء واسعة منها.

وثانى هذه المحاور -وفق نتنياهو- يكمن فى السعى إلى تدمير حركة حماس نهائياً، وتحرير الأسرى بالقطاع الأحياء والأموات، وتجريد القطاع من السلاح، وفرض السيطرة الأمنية الكاملة عليه، وإنشاء إدارة مدنية غير تابعة لحماس أو السلطة الفلسطينية.. وهى أهداف كانت أيضا محددة لعملية عربات جدعون الأولى ولم تفلح فى مقاربتها، وإن نجحت فى توسيع الدائرة الجهنمية للقتل الذى ثبت - طبقا لقواعد بيانات جيش الاحتلال - أن 17 % فقط من حصيلة الشهداء فى غزة منذ 7 أكتوبر 2023 ينتمون للفصائل الفلسطينية، مقابل 83 % جميعهم من المدنيين العزل.. وبحسب تحقيق مشترك لصحيفة جارديان البريطانية ومجلة 972 و”لوكال” الإسرائيليتين، فإن 5 من كل 6 فلسطينيين استشهدوا على يد قوات الاحتلال فى غزة كانوا مدنيين، وهو ما يجعل من حرب غزة “مذبحة نادرة” فى تاريخ حروب العقود الأخيرة.

وفى السياق ذاته، كشفت نائبة المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة دانييلا جروس، عن بلوغ عدد الفلسطينيين النازحين فى غزة جراء العمليات العسكرية لجيش الاحتلال، أكثر من 796 ألف شخص منذ منتصف مارس الماضى، مشيرة إلى أن يقرب من 17 ألف حالة نزوح جديدة فى أنحاء غزة، سجلت ما بين 12 و20 أغسطس الجارى، ولفتت النظر أن 95 % من النزوح القسرى يحدث فى مدينة غزة، وأن الناس يفرون من شرقها إلى جنوبها وغربها، هربا من الهجمات الوحشية التى بدأ جيش الاحتلال فى شنها.. وبالتالى فإن المزيد من القتل والنزوح سيشكل أهم مخرجات العملية العسكرية الجديدة.
نفق المجاعة الكارثية

لكن أخطر ما نتج عن “عربات جدعون” الأولى وما قبلها، هو إدخال القطاع بسكانه البالغين أكثر من مليونى فلسطينى، نفق مجاعة كارثية بلا ضوء فى نهايته، وهو ما دفع الأمم المتحدة وأربع من المنظمات الإنسانية، هى منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، وبرنامج الغذاء العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فى بيان مشترك بجنيف يوم الجمعة قبل الماضى، إلى الإعلان عن المجاعة رسميا فى غزة، فى خطوة هى الأولى من نوعها.. والأمر نفسه أكّده التصنيف المرحلى للأمن الغذائى - وهو مرصد عالمى لمراقبة الجوع-ومقرّه فى روما، موضحا أنّ محافظة غزة (مدينة غزة وحدها) التى تغطى نحو 20 % من القطاع ، تشهد مجاعة، وستنتشر على الأرجح فى الشهر المقبل، لافتا النظر إلى أنّ 514 ألفاً تقريباً، أى ما يقرب من ربع سكان قطاع غزة، يعانون من المجاعة، وهو عدد سيرتفع إلى 641 ألفاً بحلول نهاية سبتمبر المقبل، مبينا أن نحو 280 ألفاً تقريباً من هؤلاء، يعيشون فى المنطقة الشمالية بالقطاع التى تضمّ مدينة غزة، المعروفة بمحافظة غزة، التى يقول التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى إنها فى حالة مجاعة بالفعل، أما الباقون فيعيشون فى دير البلح فى وسط القطاع وخانيونس فى الجنوب، متوقعا أن تضرب المجاعة المنطقتين نهايةَ الشهر المقبل .. وهى توقعات تتزامن مع تطبيق العملية العسكرية الجديدة، ما يؤشر إلى أن مدينة غزة والقطاع بأكمله مرشح لضربات معاول التجويع، من قبل جيش الاحتلال التى ستصيب أمعاء كل فلسطينى وفلسطينية، فى ظل قبضته العسكرية الباطشة وكذلك قبضة مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من تل أبيب وواشنطن، التى برهنت شهادات حية من قبل رجال أمن أمريكيين عاملين بها، على أنها شريك فى قتل المجوعين الذين يتمددون فى طوابير طويلة فجرا حتى آخر النهار، للحصول على كيس عدس أو أرز أو لقمة خبز جافة.

المحور الثالث يتجلى فى أن الخطة، تستهدف تمهيد السبيل لاستعادة بناء المستوطنات التى تم التخلى عنها فى قطاع غزة، فى ضوء القرار الأحادى الذى اتخذه رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إرييل شارون فى العام 2005، لاسيما أن مخططاتها جاهزة لدى الدوائر المعنية بالاستيطان، وعلى أهبة الاستعداد للبدء فى ترجمتها على الأرض: وحدات ومشروعات وطرق وبنية تحتية، على نفس نمط ما يجرى بالضفة الغربية والقدس المحتلة، حتى تكتمل الدائرة الجهنمية للمشروع الاستيطانى الاستعمارى الذى يشكل الغاية، والمبتغى لتمدد القوة القائمة بالاحتلال داخل فلسطين، أو فى الإقليم ضمن مشروع إسرائيل الكبرى.. وفى هذا السياق عقد ائتلاف من حركات المستوطنين مؤتمرا فى الحادى عشر من ديسمبر 2023، أى بعد نحو شهرين من بدء العدوان على القطاع، لمناقشة خطة إعادة إنشاء المستوطنات اليهودية فى قطاع غزة، وأعد منظموه قائمة بالعائلات التى تعهدت بالاستقرار فى مشروع استيطانى محتمل فى غزة، وفى الثامن والعشرين من يناير 2024، عقد مؤتمر فى مدينة القدس بعنوان (الاستيطان يُحقق الأمن والنصر)، والذى نظمته جمعيات استيطانية وأحزاب اليمين المتطرف الصهيونى بمشاركة 12 وزيرا من حكومة الاحتلال الصهيونى ، ونحو 14 نائبا من الكنيست، ووقع الوزراء وأعضاء الكنيست وغيرهم من المشاركين عريضة سميت (معاهدة النصر وتجديد الاستيطان فى قطاع غزة وشمال الضفة الغربية)، بزعم أن ذلك من شأنه وحده سيحقق الأمن للكيان الصهيوني، وحمل بعض الناشطين لافتة كُتب عليها: (فقط الترانسفير هو الذى سيجلب السلام) ، بينما ظهرت على الشاشة المركزية فى قاعة المؤتمر خريطة قطاع غزة مع موقع المستوطنات الجديدة، التى ترغب قيادات المستوطنين فى إقامتها شمال القطاع، بما فيها مستوطنة جديدة يتصورها المنظمون بدلا من مدينة غزة التى دمرت اليوم إلى حد كبير .

وبرغم أن المؤتمر قد لاقى معارضة قوية وبالذات من خارج الكيان الصهيونى آنذاك، فإنه من المهم عدم الاستخفاف بدلالاته، ذلك أن القوى التى نظمته عازمة على تحقيق مشروعها الاستيطاني، وترى فى العدوان على غزة فرصة وأملا لتحقيقه، ويُمكن لها أن تحقق هدفها عن طريق استخدام سياسة فرض الأمر الواقع، الذى تتبعه حركة الاستيطان فى الضفة الغربية منذ سنوات، أى أنها ستسعى لفرض وجودها عن طريق التمركز فى الأراضى أو فى مواقع الجيش فى بؤر استيطانية ومجموعات صغيرة، ثم تمارس الضغط السياسى على الحكومة وفى الكنيست، كى تُشرعن وجودها كأمر واقع وتسنه بقوانين، وهو ما يمكن أن توفره بأريحية العملية المرتقبة للاستيلاء على مدينة غزة ثم القطاع بكامله . 
مفاوضات بالنار

وعلى الرغم من كل هذه المعطيات المحيطة بخطة إعادة احتلال شمال غزة، فإنها تواجه جملة من التحديات حسب دراسة أعدتها وحدة الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية بمركز الإمارات للسياسات، تلقتها “الأهرام العربى” بعنوان “مفاوضات بالنار: عملية احتلال مدينة غزة واتفاق الهدنة بين إسرائيل وحركة حماس “، من أهمها:
أولاً، تعميق الشرخ الاجتماعى الداخلى فى إسرائيل، فحكومة الاحتلال ستنفذ العملية من دون أن يكون لها تأييد واسع من الرأى العام، إذ إن شرائح مهمة باتوا يعارضون استمرار الحرب ويطالبون بوقفها، ليس بسبب الكارثة الإنسانية للسكان الفلسطينيين فهذا لا يعنيهم، وإنما للأثمان العالية لها، والتى تتمثل فى الخسائر فى صفوف جيش الاحتلال من جهة، واحتمال مقتل الأسرى الأحياء فى غزة، وهو ما لوحت به حركة حماس إذا اضطر حراسهم للدفاع عن أنفسهم فى المواجهات التى ستحتد أثناء تنفيذ العملية،، فضلا عن حالة الإرهاق من خدمة الاحتياط وعدم تجنيد اليهود المتدينين (الحريديم) للجيش؛ وكلها عوامل جعلت أغلب الإسرائيليين يعارضون استمرار الحرب. وقد تدفع العملية إلى تصعيد الاحتجاج عبر توسيع الإضرابات فى القطاعات الخدماتية والاقتصادية، التى بدأت فى الإضراب الجزئى فى السابع عشر من أغسطس الجارى، وبخاصة إذا بدأ الجيش يتكبد خسائر كبيرة بسبب العملية أو أدت إلى قتل الأسرى.
ثانياً، التكاليف الاقتصادية للحرب أصبحت عالية، وهى تؤثر فى اقتصاد القوة القائمة بالاحتلال وفى أوضاع الناس الحياتية، فالحكومة اضطرت لفتح إطار الميزانية للمرة الخامسة من أجل تمويل العملية العسكرية، وخصصت مبلغ 30 مليار شيكل، أى ما يعادل (9 مليارات دولار)، ما يعنى رفع العجز المالى فى الميزانية إلى 5.2 %، مما سيؤدى إلى إجراء تقليص فى موازنة الوزارات الأخرى.. ولا تنحصر التداعيات الاقتصادية على التقليصات فى قطاعات مهمة ورفع العجز المالى فحسب، بل تشمل أيضاً تمدُّد المقاطعة الدولية لتل أبيب بسبب استمرار الحرب، فعلى سبيل المثال أعلن صندوق الاستثمار النرويجى عن بيع استثماراته فى 61 شركة إسرائيلية، فضلاً عن بداية مقاطعة غربية لقطاعات أخرى فى إسرائيل مثل الجامعات، والتلويح بمراجعة وتجميد اتفاقات الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية معه.
ثالثاً، تعريض حياة المحتجزين للخطر، فالعملية فى مدينة غزة سوف تهدد حياة الأسرى، إذ تشير المعلومات لدى الأجهزة الأمنية، إلى أنهم يوجدون فى المناطق التى لم يسيطر عليها جيش الاحتلال حتى الآن. وتعرُّض حياة المحتجزين الأحياء للخطر يشكل عبئاً على الجيش من الناحية العسكرية، وعلى الحكومة من الناحية السياسية، كما أنه سوف يعد نقطة تحول فى الاحتجاج الشعبى فى إسرائيل.
رابعاً، التكاليف الدولية للعملية العسكرية ستكون باهظة وكبيرة على إسرائيل، فاحتلال مدينة غزة التى يسكنها حالياً أكثر من مليون فلسطينى وتهجيرهم نحو الجنوب، سيؤدى إلى مقتلة كبيرة فى صفوف المدنيين، فضلاً عن تعمُّق الكارثة الإنسانية، مما سيزيد فى عزل القوة القائمة بالاحتلال دولياً، وفرض عقوبات جديدة عليها، وانطلاق هبة شعبية دولية جديدة، تكون أكبر مما سبقت قد تدفع الدول إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد تل أبيب.
خامساً- يواجه جيش الاحتلال تحدى وقوع خسائر كبيرة فى صفوفه، وقد قُتل فى خلال عملية عربات جدعون الأولى نحو 40 جندياً، مع أن العملية لم تشكل تحدياً عسكرياً كبيراً له، فى حين أن عربات جدعون الثانية ستكون أكثر تعقيداً من الناحية العسكرية، وفى معقل لحركة حماس وضمن بيئة حضرية، مما يعرض جنوده لمخاطر أكبر ويوقع بهم عدداً كبيراً من القتلى، وهو ما سيؤدى إلى تآكل ما تبقى من تأييد لهذه العملية، وفرض المزيد من الضغط السياسى على الحكومة، لاسيّما أن هناك شبه إجماع ضمن التقديرات العسكرية، على أن هذه المرحلة من الحرب عبثية ولا تخدم سوى أهداف أيديولوجية وسياسية .
ويتضح من تصريحات ومواقف نتنياهو- كما تضيف الدراسة - أنه يرغب فى مواصلة الحرب على قطاع غزة، وأن حديثه عن التفاوض ما هو إلا مراوغة لتخفيف الضغطَين الداخلى والخارجى عليه، معتمدا فى هذا التوجه على الموقف الأمريكى الذى يمنحه حرية القرار بشأن غزة، وضغط اليمين على نتنياهو لتنفيذ العملية العسكرية واحتلال قطاع غزة بالكامل، والتخوف من خروج قوائم اليمين المتطرف من الحكومة، ومن ثم وفى حال استُؤنفت المفاوضات، بالتوازى مع العملية العسكرية، فستكون بمنزلة مفاوضات تحت النار، وهو ما يدفعها –أى حكومة نتنياهو – للوقوف أمام خيارين لا ثالث لهما:
 الأول: الإصرار على الاتفاق الشامل.. وهذا يعنى أن تل أبيب سترفض المقترح الحالى وتشترط الانخراط فى مباحثات حول اتفاق شامل على أساس شروطها لوقف الحرب، ويعد هذا الخيار مفضلاً لدى نتنياهو، لكونه يحقق أهداف الحرب ويُرضى اليمين المتطرف، ما يعنى استمرار حكومته، كما أن من المتوقع أن تدعم إدارة ترامب الخيار إذا ذهب باتجاهه، بيد أن العقبة الرئيسة أمام هذا الخيار تكمن، فى أن حركة حماس سترفضه قطعياً، لأنه يعنى إعلان الاستسلام، كما أنه لن يكون مقبولاً من السلطة الفلسطينية لأنه يعنى إبعادها عن حكم غزة، إلى جانب الأطراف العربية المؤثرة، خصوصا مصر.
والخيار الثانى قد يكون بإجراء تعديل فى المقترح المصري- القطرى، انطلاقا من أنه قريب من الاقتراح الذى وافقت عليه حكومة نتنياهو فى السابق، ويمنحها فرصة لاستعادة نصف المحتجزين الأحياء والأموات، وتموضع الجيش فى مناطق مريحة من الناحية العسكرية والأمنية، وعليه ستسعى إلى كسب المزيد من التنازلات من حماس، كأن تفرج الحركة عن جميع المحتجزين دفعة واحدة، ومن شأن هذا الخيار أن يسهم فى تخفيف حدة الضغط الدولى على هذه الحكومة، فضلاً عن الضغط الداخلي، غير أن مشكلة نتنياهو فى التعامل مع هذا الخيار، تكمن فى أنه يرى أن أوانه قد فات بسبب رفع سقف وعوده، وإقرار المجلس الوزارى شروط إسرائيل لوقف الحرب، وثقته بتحقيق الحسم العسكرى فى هذه المرحلة من الحرب، فضلاً عن إدراكه أن الموافقة على هدنة تعنى أن القوة القائمة بالاحتلال، لن تستطيع بعدها استئناف الحرب، ولن تستطع فرض جميع شروطها المتعلقة بوقفها، فضلاً عن معارضة اليمين لهذا الخيار فى هذه المرحلة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام