تأمين الاحتياجات من المعادن النادرة يمثل أولوية قصوى فى الأمن القومى للعديد من البلدان الصناعية الصين تهيمن على نحو 90% من الإمدادات التى يحتاجها العالم من هذا القطاع تأمين الحصول على هذه المواد يحدد الريادة فى الصناعات التكنولوجية الشركات العالمية تبدأ فى البحث عن مصادر تلك العناصر بعيداً عن الصين
أصدرت الصين، تحذيرات للشركات الأجنبية ضد تخزين المعادن النادرة، فى إشارة منها إلى عزمها، تشديد السيطرة على صادرات هذه المواد النادرة، وذلك بسبب ارتفاع الطلب العالمى والتوترات الجيوسياسية التى يشهدها العالم. توقيت التحذير الصينى، يأتى مهما من الناحية الإستراتيجية ويتزامن مع العديد من التطورات العالمية التى زادت من المخاوف بشأن أمن سلاسل التوريد العالمية. تأتى هذه الخطوة مع نمو المخاوف، من إصدار بكين قيودًا على تصدير تلك المعادن النادرة، والمنتجات ذات الصلة، مثل المغناطيس الدائم والمكونات الأساسية فى المحركات الكهربائية والعديد من الصناعات عالية التقنية، حيث يشكل أمن المعادن النادرة، أولوية للأمن القومى للعديد من البلدان، كما تدرك الدول، والشركات أن تأمين إمداد هذه المواد، يحدد الريادة التكنولوجية فى الصناعات الرئيسية. وفقا لتقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، فإن الكثير من كبار المصدرين لتلك المعادن، أكدوا أن السلطات الصينية حذرت قيام الشركات ببناء مخزون كبير من تلك المواد النادرة، وهى خطوة تشكل مخاطر تتمثل فى المزيد من القيود، على العرض بسبب النقص فى المخزون منها، وهو ما يكشف أسباب إصدار تلك التحذيرات ويسلط الضوء على إستراتيجية بكين المقبلة فى مساومة كبار المصدرين لهذا المعادن، وأمام شكاوى الشركات الأمريكية والأوروبية، من نقص المعروض من تلك المواد، قامت الصين باستئناف التصدير جزئيا وسط ضوابط صارمة. هيمنة الصين تهيمن الصين على قدر كبير من قطاع المعادن النادرة، حيث تنتج نحو 90% من الإمدادات التى يحتاجها العالم، ووسط الحرب التجارية بين الصين وأمريكا - حرب التعريفة الجمركية - قامت الصين فى إبريل الماضى، بإضافة سبعة أنواع من المعادن المتوسطة والثقيلة النادرة إلى قائمة التحكم فى التصدير، مما تسبب فى تراجع تصنيع العديد المنتجات وخصوصا السيارات، وفى الوقت هدأت فيه حرب التعريفة الجمركية نتيجة الاتفاق بين واشنطن وبكين، على هدنة مدتها 90 يوما، تظل قيود التصدير على المعادن النادرة، بمثابة نقطة رئيسية فى المفاوضات بينهما. وقد أدركت الصين مبكرًا الأهمية الكبرى لهذه المواد وهو ما دفعها لإصدار سلسلة من اللوائح التنظيمية الخاصة بتصديرها، كما أن هيمنتها على تلك المعادن ليس لمخزونها الكبير منها، وإنما نتيجة لمجموعة من قرارات الاستثمار الخاصة بها، وامتلاكها الخبرة الفنية الكبيرة والبنية التحتية اللازمة لعمليات استخراج وفصل هذه المواد، وهو ما منحها أيضا نفوذًا كبيرًا فى المنافسة العالمية فى مجال صناعة وتجارة التكنولوجيا. ويسيطر على صناعة المعادن النادرة فى الصين المؤسسات المملوكة للدولة والشركات الخاصة التى تعمل بموجب الإشراف الحكومى، والتى تقوم بعملية تنظيم الإنتاج من خلال حصص محددة للتعدين والمعالجة. المغناطيس النادر وفقا لمسح أجراه مجلس الأعمال الأمريكى - الصينى الشهر الماضى، قال نحو 50% من الشركات الأعضاء التى تم استطلاعها، إن معظم طلباتها على المعادن النادرة لاتزال معلقة أو تم رفضها. وقامت الصين بتصدير 3.188 طن من المغناطيس النادر فى يونيو الماضى، بانخفاض 38% عن العام السابق. وقال أحد المشاركين فى الاستطلاع، إن الانتظار لوقت طويل لحين الحصول على تلك المواد النادرة، يشكل ضغوطُا كبيرة على الصناعات التى تدخل فيها، مما يدفعهم إلى رفع الاحتياجات الأكثر إلحاحا إلى وزارة التجارة فى الصين . ودفعت المشكلة بعض الشركات الغربية إلى تحويل الإنتاج إلى الصين، حيث يقول لويس بينكهام، الرئيس التنفيذى لإحدى شركات صناعة السيارات فى الولايات المتحدة، إن الشركة نقلت بعضا من مكونات الإنتاج إلى الصين، من أجل الحصول على المغناطيس النادرة فى أقل فترة زمنية وتخفيف عبء استيرادها. موارد وطنية حيوية ويعكس تحذير الصين وجهة نظرها الإستراتيجية للعناصر الأرضية النادرة كموارد وطنية حيوية، ولذا أعربت البلاد عن قلقها من أن الشراء والتخزين المفرط لتلك المواد النادرة من قبل الشركات المصنعة الغربية يمكن أن يزعزع استقرار الأسواق العالمية، مما يخلق نقصا اصطناعيا وتقلبا فى الأسعار، من شأنه أن يضر فى نهاية المطاف جميع الأطراف فى تلك السوق. وحسبما أشار مسئولون صينيون فإن سلوكيات التخزين، يمكن أن تؤدى إلى تدابير مضادة بما فى ذلك إصدار ضوابط تصدير أكثر صرامة أو تحديد الإنتاج، مما يضع سلاسل التوريد العالمية تحت ضغط كبير. توقيت تحذير الصين من الناحية الإستراتيجية مهما، ويتزامن مع العديد من التطورات العالمية التى زادت من المخاوف بشأن أمن سلاسل التوريد العالمية. فقد خلقت التحولات الجيوسياسية الحالية بيئة، قد يتم تحفيز الشركات الغربية لبناء احتياطيات من المواد الحرجة، علاوة على منافسة التكنولوجيا المتنامية بين القوى العالمية الكبرى، ووجود نقاط الضعف فى سلسلة التوريد المكشوفة خلال الاضطرابات العالمية الأخيرة، حيث يصبح أمن المعادن النادرة أولوية للأمن القومى للعديد من البلدان، حيث تدرك الدول والشركات أن تأمين إمداد هذه المواد يحدد الريادة التكنولوجية فى الصناعات الرئيسية، ومن بعدها الانتقال السلس إلى التكنولوجيا الخضراء، التى تقود طلبًا غير مسبوق على عناصر نادرة بعنيها. نقاط الضعف يشكل موقع الصين فى سوق المعادن النادرة آثارًا بعيدة المدى على التصنيع العالمى والتنمية التكنولوجية، ولذا جاء التحذير الصينى ليلقى الضوء على نقاط الضعف فى الصناعات المتعددة فى قطاع السيارات، الذى قد يواجه اضطرابات محتملة، وشركات التكنولوجيا الطبية التى تعتمد على تلك المعادن. وتمثل تلك القطاعات استثمارات بتريليونات الدولارات فى الاقتصادى العالمى، مما يجعل أمن إمدادات المعادن النادرة ذا أهمية قصوى للاقتصاد العالمى. أهمية إستراتيجية تشتمل عناصر الأرض النادرة 17 معدنا، وعلى الرغم من تسميتها بـ”النادرة” فإنها متوافرة نسبيا فى قشرة الأرض، لكن خصائصها الفريدة تجعلها لا يمكن الاستغناء عنها فى العديد من الصناعات التقنية الحديثة. وتشمل تلك العناصر النادرة الأكثر أهمية: النيوديميوم والبراسيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم، والتى تعد ضرورية لإنتاج المغناطيس الدائم القوى المستخدم فى المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح، ومحركات السيارات، ومحطات تكرير البترول، وتقنيات الليزر والألياف البصرية وأجهزة التصوير الطبى، ومكونات الهاتف الذكى وأقراص الكمبيوتر الصلبة، وأجهزة النظم العسكرية المتقدمة، بما فى ذلك أنظمة التوجيه والرادار ومعدات الرؤية الليلية. وأمام أهمية هذه المواد النادرة، يواجه المصنعون الغربيون قيودًا صينية إستراتيجية معقدة، نتيجة الاحتياجات التشغيلية والأوضاع الجيوسياسية المضطربة التى يشهدها العالم. وأمام ذلك من المحتمل أن تجرى الشركات فى القطاعات المتأثرة تقييمات شاملة لتوفير خيارات الأمان، التى تقلل من تبعية “المصدر الأوحد”،. وتتمثل هذه الخيارات فى وضع إستراتيجيات حديدة لإدارة المخزون مع الحفاظ على مستويات مخزون أعلى، مع منحها الوقت المناسب لترتيب تعاقدات جديدة مع مصدرين غير صينيين. البحث عن بدائل ويجرى الآن التركيز على العديد من المواقع التى تحتوى على معادن نادرة، ومنها فى أستراليا حيث يتم الآن العمل على توسيع عمليات تعدين تلك المواد، كما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بدعم العديد من المشاريع الجديدة، وكذلك فى كندا حيث يتم تقدم مشاريع الاستكشاف بدعم حكومى كبير، وفى أوروبا يجرى الاستثمار فى الموارد المحتملة فى جرينلاند والسويد. وفى فيتنام والبرازيل والهند، تم استكشاف العديد من المواقع التى تحتوى على مواد نادرة. وفى الوقت الذى تشير فيه هذه الاستكشافات إلى تطورات إيجابية واعدة، فإن بناء سلسلة إمداد كامل للمعادن النادرة من خارج الصين يتطلب التغلب على تحديات تقنية واقتصادية كبيرة، حيث يجب على الشركات التى تعتمد على العناصر النادرة تطوير إستراتيجيات شاملة لإدارة مخاطر العرض، واستبدال المواد بعناصر أكثر وفرة لتطبيقات وتصميم ابتكارات صناعية حديثة، تقلل الطلب على تلك دون التأثير على جودة المنتج.
مستقبل غامض لكن الواقع الحالى يشير إلى أنه من المحتمل أن يستمر سوق المعادن النادرة فى التطور، استجابة لكل من الضغوط الجيوسياسية والتطورات التكنولوجية. ويبدو أن تحذير الصين يهدف إلى منع تشوهات السوق التى قد تنجم عن تضخم الأسعار، بسبب الشراء المفرط واختلال التوازن بين الطلب والعرض وعرقلة العلاقات التجارية الطويلة. وهناك عدة عوامل تظل تشكل ديناميات السوق المستقبلية للمعادن النادرة منها، تزايد الطلب على التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة، وزيادة تكاليف التوسع فى الإنتاج خارج نفوذ الصين. كما سيبقى السوق رهن التطور التكنولوجى الذى يقلل من زيادة الطلب، وإعادة التدوير للحصول على إمدادات ثانوية، حيث يوفر إعادة التدوير مصدرا تكميليًا واعدا يمكن أن يوفر ما بين 20% إلى 30% خلال العقد المقبل.