وجوه عبر الزمن



أبو بكر يوسف.. من دروس الحكمة إلى ذاكرة المقاومة

30-8-2025 | 17:42
إلهامى المليجى

فى زمنٍ تتهاوى فيه جسور المعنى بين اللغات والثقافات، وسط طغيان السرعة وكسل الحروف المترجمة عن بُعد، برز اسم الدكتور أبو بكر يوسف كمثقفٍ اختار الطريق الأصعب: أن يكون جسرًا حيًّا بين الحضارتين الروسية والعربية، لا ناقلًا للكلمات فحسب، بل حارس للروح، وسادن للمعنى، وبستاني يصون عطْر الوردة وهى تُنقَل من مناخٍ إلى آخر. لم يكن المترجم عنده مجرد وسيطٍ محايد، بل مثقف عضوى يُدرك أن للنص سلطة، وللكلمة وظيفة، وأن الترجمة فعل مقاومة ضد العزلة والجهل وإغلاق النوافذ على الذات.

كان انحيازه للفكر الماركسى وعدله الاجتماعى بوصلةً أخلاقية لا تحيد، إذ رأى فى الأدب الروسى ـ بأبعاده الفلسفية والإنسانية ـ مخزونًا هائلًا لاستنهاض الوعى العربي، وإيقاظ الأسئلة الكبرى حول المصير والمجتمع والحرية والكرامة. لذلك لم يكتفِ بممارسة الترجمة بوصفها مهارة لغوية، وإنما جعل منها مشروعًا تنويريًا كفاحيًا، يُعيد عبره تقديم بوشكين وتشيخوف ودوستويفسكى وجوركى وشولوخوف، باعتبارهم شهودًا على الأوجاع الإنسانية المشتركة، لا مجرد أيقونات أدبية مغلقة داخل قاعات أكاديمية.

بهذه الروح المخلصة للنص الأصلي، لكن الأكثر إخلاصًا للقارئ العربي، صنع أبو بكر يوسف معبرًا طويلًا بين موسكو والقاهرة، بين ضفاف الفولجا وشطآن النيل، ليحفر اسمه فى الذاكرة الثقافية العربية واحدًا من أهم حملة راية الترجمة الجادة فى القرن العشرين. أما أنا، فقد جمعتنى به لقاءات قليلة نسبيًا بحكم استقراره الطويل فى موسكو وتنقلى بين بيروت وساحات الإعلام العربي، لكنها تركت فى نفسى أثرًا لا يُمحى، وأضاءت لى عالمه الإنسانى والفكرى العميق. فى السطور التالية أسجل بعضًا من تلك المشاهد، لا كشذرات من سيرة شخصية، بل كجزء من شهادة واجبة فى حق رجلٍ جمع بين التواضع الجمّ، وحرارة الموهبة، ورصانة المناضل اليساري، وعمق المترجم الذى حوّل الترجمة إلى مقاومة.

المشهد الأول: درس فى القيادة الحكيمة
فى ربيع العام 1980، كان لقائى الأول مع أبى بكر يوسف فى زيارة خاطفة إلى بيروت لم تدم سوى أيام قليلة، لكنها كانت كافية لغرس بذرة من الإعجاب والاحترام المتبادل. وبعد عام واحد فقط، تعمّقت تلك البذرة فى دورة حزبية مكثفة بإحدى مدن جنوب غرب بلغاريا، قرب منتجع ساندانسكى الجبلي. كانت الدورة أقرب إلى معسكر أيديولوجى لكوادر الحزب الشيوعى المصرى فى الخارج: وفود جاءت من عدن ودمشق وبيروت وباريس والجزائر، جمعتهم الماركسية وفرّقتهم المشارب والتجارب والطبائع.
كنت مسئولًا عن مجموعة بلاد الشام واليمن، بينما كان الدكتور أبو بكر مسئول مجموعة الاتحاد السوفيتي، بل والمسئول العام عن الدورة بأكملها. وقد جمع فريقه شخصيات لامعة ومشاكسة، سرعان ما ستتوزع مساراتها فى الحياة: المهندس منير مجاهد القادم من جلاسجو والمولع بالشيوعية الأوروبية الإصلاحية، وكان حينها طالب دكتوراه قبل أن يصبح لاحقًا نائب رئيس هيئة الطاقة الذرية فى مصر؛ والدكتور محمد العدل، الطبيب البيطرى الذى سيغدو فيما بعد كاتبًا وشاعرًا ومنتجًا بارزًا؛ وشقيقه مدحت العدل، الطبيب البشرى الذى مضى بدوره إلى عالم التأليف الدرامى والسيناريو والإنتاج الفني؛ إلى جانب آخرين من ساحات متعددة.

كانوا يومها وجوهًا شابة تتجادل فى أروقة الماركسية وتجتهد فى صوغ هويتها الفكرية، ولم يكن أحد يتخيّل أن تتشعب مصائرهم لاحقًا فى حقول شتى من الإبداع والعمل العام.
بدا المشهد أقرب إلى مركب يمخر عباب بحر متلاطم: مجادلات فكرية محتدمة، وأهواء متباينة، وطبائع أشد اضطرابًا من الطقس البلغارى المتقلّب.
وسط هذه التباينات، تجلّت براعة أبى بكر القيادية: حازم من دون توتر، مرن من دون رخاوة، يرى فى الاختلاف ضرورة حياتية لا خطرًا وجوديًا. وحين جاءنى محمد هاني، وهو شاب لم يتجاوز التزامه الحزبى صلة قرابة بخاله القيادى بالحزب، طالبًا إذنًا للاحتفال بعيد ميلاد زوجته الأردنية شيرين حمارنة فى منتصف الأسبوع، خالف بذلك التقاليد الصارمة للدورة. حاولت إقناعه بتأجيل الأمر إلى ليلة الأحد المعتادة، فثار غاضبًا وكاد يبكي. وضعت الأمر بين يدى أبى بكر، فتعامل معه بنُبل المربى لا بصرامة القيادي؛ استحصل إذنًا استثنائيًا ورتب حفلًا صغيرًا واتصالًا هاتفيًا بزوجته، ثم قال لى بهدوء: “الشاب طريّ الخبرة… ينبغى أن نحتويه لا أن نكسر روحه”. كان ذلك درسًا لا يُنسى.
وبرغم الجدية والانضباط، كان أبو بكر فى سهرات الأحد يتحوّل إلى راوٍ أدبى بهيّ، يستدعى صديقه نجيب سرور وطرائف أيّامهما فى موسكو، ويُلقى أبياتًا من شعره. وحين أبديت، بنبرة نقدية حادة، تحفظى على بعض قصائده التى اعتبرتها سقطة لا تُغتفر، لم يستنكر نقدي، بل أخذ يشرح بصفاء الظروف النفسية والاجتماعية التى أحاطت بنجيب، مؤكدًا رفضه الشخصى للخروج، لكنه استدرك بفطنة العارف: “الأدب لا يُختزل فى مفرداته”. عندها أيقنت أننى أمام رجل يجمع بين صرامة الماركسي، ورهافة المترجم، وحنكة الحكيم؛ رجل لا يحاورك ليغلبك، بل ليأخذك معه إلى مرتبة أعلى من الفهم.

المشهد الثاني: شهادة على النار والوفاء
قبيل أن تنقضَّ آلة الحرب الصهيونية على بيروت فى صيف 1982، كان الدكتور أبو بكر يوسف يقيم بيننا، وكأنه اختار بإرادته أن يكون فى خط النار لا فى هامش التاريخ. نصحه بعض الأصدقاء بمغادرة لبنان تحسّبًا لعدوان وشيك، لكنه رفض بحزم من عاش الفكرة قبل أن يشهد الرصاصة، قائلًا: “إذا كان العدوان قادمًا، فمكاننا الواجب أن يكون هنا… ويشرّفنى أن أبقى فى خندق المقاومة اللبنانية والفلسطينية، لا مغادرًا مسرعًا كبقية من ترتجفهم عواصف الخطر”.
ظل مرابطًا بقلبٍ لا يهاب، يكتب فى جريدة المعركة، ويلتقينى كلما سنحت الظروف فى جريدة النداء اللبنانية أو عند الموقع الذى كنت أحرس فيه الذاكرة فى رحاب الجامعة الأمريكية، حيث كنّا نحاول أن نحول الحبر والمتاريس إلى شرفة لصمود بيروت من البحر. كان كثيرًا ما يردّد وهو يضع يده على كتفى كأننا على أعتاب قدرٍ يتجاوزنا:
“هذه لحظات تتشكَّل فيها روح الأمة… من يبقَ على قيد الحياة، فعليه أن يسجّلها كما هي، قبل أن ينهبها سارقو التاريخ ومزوّرو الذاكرة».
حتى بعد خروج المقاومة من بيروت وعودته إلى موسكو، ظلّ التواصل بيننا جسرًا صلبًا من الوفاء والتحفيز النبيل على المواصلة. فهو لم يكن مجرد ناقد أدبى رفيع، بل مثقفًا جسَّر بين ثقافتين، الروسية والعربية، ومناضلًا يساريًا آمن بأن المعرفة موقف، وأن الثقافة سلاح فى يد المقاومة. كان واحدًا من القلائل الذين هنأونى بصدق حين عدتُ إلى مصر، وألحّ عليّ مرارًا أن نلتقى فى القاهرة أو موسكو، لكن طاحونة الحياة حالت دون اكتمال اللقاء… إلى أن بلغنى نبأ مرضه ثم رحيله إلى السماء.
حزنتُ عليه كمن يفقد أخًا روحيًا لا مجرد صديق مثقف، ومع ذلك لم أجد فى حضرة الغياب سوى أن أرفع كفّ القلب وأبعث إلى روحه سلامًا ومحبة، مرددًا فى سري: هنيئًا لك أيها العابر النبيل… كنت وفيًا للفكر اليسارى والمقاومة حتى اللحظة الأخيرة، والذاكرة ستبقى سلاحك وسلاحنا فى وجه طغيان النسيان.

ذاكرة لا تُترجمها الهزيمة
لم يكن الدكتور أبو بكر يوسف عابرًا فى الهامش، بل كان جسرًا ممتدًا بين ضفتين: الضفة الروسية الغنية بالأدب والفكر والفلسفة، والضفة العربية المتعطشة إلى المعنى والعدل. عبر ترجماته الدقيقة ووفائه للنصوص العظيمة، فتح نوافذ واسعة على تولستوى ودوستويفسكى وتشخوف، كما نقل إلينا بعمق إنتاج الفكر والفلسفة، ليجعل من العربية بيتًا يتسع لهم جميعًا. لم تكن الترجمة عنده مجرد جهد لغوي، بل كانت موقفًا مناضلًا، وانحيازًا واعيًا إلى قيم الحرية والعدل الاجتماعي، تمامًا كما كان انحيازه إلى المقاومة فى بيروت زمن النار والدم.
غاب جسده، لكن صوته ما زال يتردّد فى الذاكرة: أن المثقف الحق لا يقاس بعدد مؤلفاته، بل بقدرته على أن يكون شاهدًا ومقاومًا وناقلًا للمعنى. رحل أبو بكر يوسف، لكن أثره يظل قائمًا فى كتبه، فى مواقفه، وفى تلك اللحظات التى اختار فيها أن يبقى فى خندق المقاومة لا فى برّ الأمان. الخاتمة الترجمة كانت سلاحه، والنضال نهجه، والوفاء وصيته الأخيرة… ذخيرة لا تنفد، ما دمنا نواصل حملها ونكتب التاريخ كما عاشه هو، لا كما يريده سارقو الذاكرة ومزوروها.
غاب أبو بكر يوسف، وبقيت ثلاثيته الباقية: الذاكرة… المقاومة… والوفاء.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام