ثقافة



متحف تحت مياه الإسكندرية.. آثار مصر الغارقة تطفو من جديد

30-8-2025 | 17:47
⢴ الإسكندرية - هبة عادل

العثور على موانئ ملكية وقطع  أثرية التى ترجع إلى العصور القديمة تحت مياه البحر المتوسط بالإسكندرية

الإسكندرية عامرة بالكثير من الآثار والمزارات التاريخية المهمة، لاسيما تلك الغارقة بالقرب من شواطئ المدينة على ساحل البحر المتوسط. وقد تم انتشال ثلاث قطع أثرية ضخمة من أعماقها أخيرا قرب ميناء أبو قير، تعكس جانبا من الحياة اليومية والمعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية فى العصرين البطلمى والرومانى.

وزارة السياحة والآثار سارعت للحفاظ على تلك الكنوز وغيرها، بتخصيص معرض لها داخل متحف الإسكندرية، لتثبت من خلاله أن مصر دولة عظيمة قادرة على صون تراثها العريق وتعزيز مكانتها على خريطة السياحية العالمية.

ترجع أول اكتشافات آثار مصر الغارقة إلى عام 1933، عندما تمكن طيار بريطانى كان يحلق فوق خليج أبو قير البحرى من اكتشاف عدد من الآثار المغمورة تحت المياه، لتبدأ رحلة الأبحاث والاكتشافات بتمويل من الأمير عمر طوسون، عاشق الإسكندرية - آنذاك - حيث يعد خليج أبو قير شرق الإسكندرية من أبرز مواقع الآثار الغارقة، ويضم حطام سفن أسطول نابليون التى غرقت عام 1798م، وفى مقدمتها سفينة القيادة أورينت، إلى جانب بقايا مدينتى هيراكليون وكانوب اللتين ابتلعتهما المياه بفعل زلازل ومد بحرى فى العصور القديمة، قبل أن يعاد اكتشافها بين عامى 1999 و2001م على يد بعثة المعهد الأوروبى للآثار الغارقة، وغيرها من الكنوز التى تم تخصيص معرض مؤقت لها داخل متحف الإسكندرية القومى يضم 86 قطعة من مكتشفات مدينتى كانوب وهيراكليون بخليج أبو قير شرق مدينة الإسكندرية، وقام وزير السياحة شريف فتحى بافتتاحه أخيرا. وتضم المكتبة الخاصة بالمتحف مجموعة من 1100 كتاب متنوعة التخصصات ما بين آثار مصرية قديمة ويونانية ورومانية وقبطية وإسلامية وعصر حديث والأدلة المتحفية، وكتب متخصصة فى علوم الترميم والصيانة ومجموعة متنوعة من الكتب فى موضوعات ثقافية واجتماعية وكتب للأطفال، كما تتميز المكتبة بآليات الإتاحة لغير المبصرين.

أجهزة دقيقة
يقول د. محمود بيرم، مفتش ومدير مخازن الآثار الغارقة بمتحف الإسكندرية، الذى يقوم بعمليات الغطس لانتشال الآثار المغمورة من داخل المياه بميناء أبو قير، هو وعدد من رجال الآثار: يوجد حتى الآن عدد كبير من الآثار الغارقة تحت المياه والذى تم استخراجه لا يتجاوز الـ10 ٪ ، وما تم استخراجه والإعلان عنه هو ثلاثة تماثيل التى تتنوع بين العصر البطلمى والرومانى والمصرى القديم، حيث عثرنا على تمثال للملك رمسيس الثانى، وهذا كان غريبا للبعض عند رؤيته.
 وكان الرومان يشتهرون بسرقة الآثار المصرية القديمة، ويقومون بإعادة استخدامها بعد ذلك ووضعها فى معابدهم، ويتم البحث يتم من خلال خرائط بها حصر للمدن القديمة فى المنطقة، ونعمل فى البداية على أبحاث من خلال أجهزة دقيقة ونقوم بالغطس لاكتشافها والعمل على إمكانية استخراجها أو بقائها تحت المياه، لأن هناك قطعا ضخمة لا يتم انتشالها والحفاظ على بقائها تحت المياه فهناك اتفاقية مع اليونسكو بعدم استخراج كل ما يتم الكشف عنه للحفاظ على أثرية المكان الذى وجدت به، كما قمنا باكتشاف أرضية ضخمة من الفسيفساء تم استخراجها وتركيبها وعرضها بشكلها الأصلى.
وتابع الدكتور محمود بيرم، قائلا: نجد عددا من الحلى والعملات التى نتعرف من خلالها على الفترة التاريخية، وهناك قطع على عمق قريب يتم انتشالها بسهولة، كما يقوم الصيادون بالمنطقة بإبلاغنا عند رؤية أى جسم غريب داخل المياه تصطدم به جسم المركب وعلى الفور نذهب ونقوم بالغطس. وهناك قطع كبير جدًا من آثار وشواهد لمكان المعبد، وتتواجد الآثار الغارقة فى أماكن متفرقة منها مرسى مطروح ووادى جرف بالبحر الأحمر، وفى الساحل الشمالى. والآثار المغمورة ليست مدنا فقط بل سفن ضخمة، حيث يوجد نحو 75 مركبا وسفينة  مازالت تحت المياه لم يتم بانتشالها، فى منطقة شرق أبو قير على عمق 7 و9 كيلو تحت المياه، قمنا بتوثيقها وتصويرها وتسجيلها فقط، لأنه مجرد خروجها من تحت المياه تتدمر لأنها من الأخشاب.

تطوير خليج أبو قير
من جهته، قال دكتور محمد إسماعيل، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إن عملية الانتشال تمثل خطوة محورية ضمن مشروع قومى تتبناه الدولة المصرية لتطوير خليج أبو قير، حيث نجح فريق من مفتشى الآثار بالمجلس الأعلى للآثار فى العمل تحت سطح البحر وكشفوا عن مبانٍ ثابتة ومنقولة غمرتها المياه عبر القرون، ربما نتيجة تغيرات جيولوجية أو زلازل أدت إلى هبوطها تحت مياه المتوسط.
وأضاف أن هذا الكشف يعكس حجم التعاون والتكامل بين مختلف أجهزة الدولة فى سبيل حماية وصون التراث المصرى الفريد، مؤكدًا استمرار أعمال البحث والتنقيب تحت الماء فى الموقع لاكتشاف المزيد من أسرار أبوقير، وكشف أن من بين الاكتشافات المرتقبة سفينة أثرية، سيتم الإعلان عنها خلال الفترة المقبلة فور استكمال أعمال الكشف والدراسة العلمية المتكاملة لها. ويعد الموقع الذى تم فيه الانتشال أحد أهم الاكتشافات الأثرية التى جرى رصدها خلال أعمال المسح الأثرى السابقة فى غرب مدينة أبو قير، إذ لا تزال المنطقة تخبئ بين طياتها أسرارًا، تكشف فصولًا جديدة من حضارة "مصر الغارقة" تحت مياه البحر المتوسط.
ويؤكد دكتور محمد إسماعيل، أنه طبقا لأعمال المسح والدراسة، فإن الموقع يمثل مدينة متكاملة المرافق تعود للعصر الرومانى، تضم مبانى ومعابد، وميناء وأرصفة، ما يرجح أنه امتداد للجانب الغربى من "مدينة كانوب" الشهيرة، التى سبق اكتشاف جزء منها شرق المنطقة. كما تكشف الشواهد عن استمرارية حضارية عبر عصور متعددة، تشمل المصرى القديم، البطلمى، الرومانى، البيزنطى، والإسلامى. كما أسفرت أعمال البحث عن العثور على مجموعة كبيرة من الشواهد الأثرية المهمة، أبرزها آثار تحمل أختام البضائع وتاريخ إنشائها، وبقايا سفينة تجارية محملة بالجوز واللوز والمكسرات وبها ميزان نحاسى كان يستخدم للقياس، إضافة إلى تماثيل ملكية وتماثيل لأبى الهول، ومجموعة من تماثيل الأوشابتى، ومرساوات حجرية، وعملات من العصور البطلمية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، فضلاً عن أوانٍ وأطباق فخارية وأحواض تربية الأسماك ورصيف بحرى يمتد بطول 125 مترًا.

الجرانيت الأحمر
يقول د. محمد مصطفى عبد المجيد المشرف العام على الإدارة المركزية للآثار الغارقة، بدأ البحث عن الآثار الغارقة باهتمام الأمير العاشق للحضارة عمر طوسون بملاحظة لأحد الطيارين الإنجليز فوق مياه خليج أبوقير، حيث أدى ذلك إلى توصل الأمير إلى معبد الإله إيزيس غارقا أسفل المياه وهو من الجرانيت الأحمر ويبلغ طوله 7.5 متر وقد تم نقله حاليًا إلى حديقة المتحف البحرى بالإسكندرية، وكذلك رأس رخامى للإسكندر الأكبر. ومنذ ذلك التاريخ اقتصر العمل على هواة الغوص، وكذلك صيادى الأسماك حتى بدأ المجلس الأعلى للآثار منذ العقد الماضى رحلة البحث عن الآثار الغارقة .وهناك خطة لإنشاء متحف للتراث الثقافى المغمور بالمياه فى الميناء الشرقى بالإسكندرية أقدم ميناء فى العالم فهو أنسب مكان لإقامة المتحف باعتباره خليج بحر مفتوحا.
 يتابع د. محمد مصطفى، قائلا: هناك اتفاقية مع منظمة "اليونسكو" تختص بحماية جميع آثار الوجود البشرى المغمورة تحت الماء، التى تتسم بطابع ثقافى أو تاريخى أو أثرى لأكثر من 100 عام، ومنها حماية حطام السفن والمدن الغارقة والأعمال الفنية ما قبل التاريخ، والكنوز التى تم نهبها ومواقع الدفن فضلًا عن الموانئ القديمة التى تغطى المحيطات. وكشف العمل تحت الماء عن موانئ ملكية خاصة بالقصور الملكية، وبعض القطع الأثرية التى ترجع إلى النصوص الكلاسيكية القديمة، وكذلك مجموعة من العملات الذهبية التى ترجع للعصر الرومانى، وكذلك عثر فى خليج أبى قير على لوحة أساس من الذهب تماثل لوحات معبد السيرابيوم، وهى تتحدث عن قيام بطليموس الثالث بتأسيس معبد لهيرقل، وهو من الحجر الصلب وتبلغ أبعادها الطول 1.95 العرض 88 سم جرانيت أسود وكذلك عثر على أحواض وأجزاء من باب برونزى وأدوات مائدة وأباريق إغريقية ومطاحن للحبوب وحلى وأدوات تجميل، وكذلك عثر على باب من الجرانيت على هيئة صرح مصرى يعتقد أنه باب مقبرة كليوباترا .
كما سجل جاستون جوندية اكتشافه للميناء الفرعونى الغارق غرب جزيرة فاروس (رأس التين) وامتداده حتى جزيرة أبو بكار الغارقة قرب الورديان، وفى عام 1960 تم إجراء مسح لقاع الميناء الشرقى لتحديد أماكن الآثار الغارقة، كان من نتائجه انتشال تمثال ضخم لإحدى ملكات البطالمة فى هيئة الإله إيزيس وفى عام (1997-1996) تم تحديد موقع ما يزيد على 1600 قطعة أثرية. وفى عام 1996 تم إنشاء إدارة للآثار الغارقة بالإسكندرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار لأول مرة، وتضم مجموعة من الأثاريين المصريين برئاسة الأثارى إبراهيم درويش رائد الغوص فى أعماق البحار .
وقد قامت البعثة المصرية اليونانية أخيرا بالعمل فى أعماق البحر فى المنطقة الواقعة بين الشاطبى وسيدى جابر حيث عثرت فى أعماق الماء على خزانات منحوتة فى الصخر فى منطقة عميقة من البحر، وقد عثر على أهم هذه الخزانات فى منطقة الإبراهيمية كما عثر أيضاً على أحواض منحوتة فى الصخر .

زلازل ومد بحرى 
ويقول د. إسلام سليم الرئيس الأسبق للإدارة المركزية للآثار الغارقة بالإسكندرية، يعد خليج أبو قير شرق الإسكندرية أبرز مواقع الآثار الغارقة، حيث يضم حطام سفن أسطول نابليون التى غرقت عام 1798م، وفى مقدمتها سفينة القيادة أورينت، إلى جانب بقايا مدينتى هيراكليون وكانوب اللتين ابتلعتهما المياه بفعل زلازل ومد بحرى فى العصور القديمة، قبل أن يعاد اكتشافها بين عامى 1999 و2001 م على يد بعثة المعهد الأوروبى للآثار الغارقة، ويعتبر ثانى المواقع المهمة هو خليج المعمورة، الواقع إلى الشرق من المدينة، حيث اكتشفت به كسرات فخارية متنوعة وبقايا سفينة رومانية ما زالت بعض عناصرها ظاهرة فى قاع البحر، إضافة إلى أحواض صخرية مستقيمة الأضلاع يرجح أنها استخدمت فى تربية الأسماك.
ويقع الميناء الشرقى فى قلب الإسكندرية، والذى يحوى كنوزًا غارقة تمتد من رأس السلسلة حتى قلعة قايتباى، بدأت الاكتشافات به مبكرًا منذ عام 1969، بتمثال ضخم يجسد الإلهة إيزيس، تلاه العثور على أرصفة حجرية وآثار معمارية ضخمة، بينها بقايا مسرح ومعبد للإله بوسيدون، إضافة إلى حطام سفن ترجع إلى العصر الرومانى. كما تم العثور على ركام الفنار وحطام السفن قبالة قلعة قايتباي، وتحديدًا بموقع جزيرة فاروس الشرقية، تنتشر بقايا الفنار الشهير الذى كان واحدا من عجائب الدنيا القديمة قبل أن ينهار بفعل زلازل متتالية. ويحتوى الموقع على أكثر من 3 آلاف قطعة معمارية من جرانيت ورخام وبازلت، بجانب سبعة تماثيل ضخمة لأبى الهول وحطام سفن بين القرنين الثالث قبل الميلاد ، والسابع الميلادى. وأمام مكتبة الإسكندرية بمنطقة الشاطبى، تم العثور على آثار كليوباترا المفقودة جرى عام 1998 الكشف عن قطع أثرية، يعتقد أنها بقايا معبد إيزيس أو قصر الملكة كليوباترا السابعة، إضافة إلى فخار رومانى متأخر، ما يعزز فرضية أن هذه المنطقة كانت مركزا بحريا وحضاريا فى العصور القديمة.

المتحف اليونانى الرومانى
وتذخر الإسكندرية بالكثير من المزارات المهمة، ويأتى المتحف اليونانى الرومانى فى صدارتها، حيث يروى جوانب من تاريخ الإسكندرية، عبر سيناريو عرض متكامل يشمل موضوعات عن الحياة السياسية خلال العصرين البطلمى والرومانى، وأنماط الحياة اليومية فى الإسكندرية القديمة والمعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية، ودور الإسكندرية كمنارة للعلوم والفكر والثقافة فى العالم القديم، وتطور الفن فى العصور البيزنطية والقبطية والتجارة والحرف اليدوية المصرية التى عكست تواصل مصر مع حضارات أخرى. كما تذخر بوجود قلعة قايتباى التى أنشأها السلطان الأشرف أبو النصر قايتباى المحمودى بين عامى 882هـ/ 1477 م، و884 هـ/ 1479م. وتقع القلعة بحى الأنفوشي- جزيرة فاروس قديماً- غرب الإسكندرية، وتتكون من مساحة مستطيلة يحيط بها البحر من ثلاث جهات، حيث قام محمد على باشا بإضافة تجديدات على السور الشمالى للقلعة، حيث تم إعادة بنائه بما يناسب تطور الأسلحة.

اتفاقية مع الصين
 فى إطار حرص الحكومة المصرية ممثلة فى وزارة السياحة والآثار للحفاظ على التراث الثقافى المغمور، تم توقيع اتفاقية بين المجلس الأعلى للآثار والمركز الوطنى للآثار بجمهورية الصين الشعبية، وتستهدف تعزيز الشراكات الدولية فى مجال الحفاظ على التراث الثقافى المغمور بالمياه، كما تعكس هذه الخطوة حرص الدولة المصرية على الاستفادة من الخبرات الدولية وتبادل المعرفة مع المؤسسات الرائدة، خصوصا مع الصين التى تربطها بمصر علاقات تاريخية ممتدة وترابط حضارى بين البلدين، باعتبارهما أقدم الحضارات فى العالم.
وأوضح الدكتور محمد إسماعيل الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن مذكرة التفاهم تهدف إلى تعزيز التعاون والتبادل الشامل بين الجانبين، فى مجالات الآثار البحرية وحماية التراث الثقافى المغمور بالمياه، إلى جانب تيسير الأبحاث المشتركة والتبادل الثقافى والبرامج التعليمية.

كما أعرب الجانب الصينى عن سعادته بتوقيع هذه المذكرة، واصفاً إياها بأنها بداية جديدة للتعاون بين مصر والصين فى مجال التراث الثقافى، وممارسة حيّة للحوار الحضارى وتبادل الخبرات بين الحضارتين المصرية والصينية.

بموجب هذه المذكرة، يتعاون الجانبان فى تأسيس المركز المصرى - الصينى للآثار البحرية والتراث الثقافى المغمور بالمياه بمدينة الإسكندرية، مع تخصيص قاعة لعرض القطع الأثرية والإنجازات العلمية فى هذا المجال بكلا البلدين. كما ستشمل مجالات التعاون المشترك تنفيذ مشروعات بحثية وعلمية، وتنظيم المنتديات والفاعليات العلمية، وتبادل المعلومات والأبحاث، بالإضافة إلى برامج التدريب وبناء القدرات للآثاريين والمرممين والباحثين. كما سيتم تنظيم معارض مؤقتة مشتركة لعرض القطع الأثرية المنتشلة من أعماق المياه، إلى جانب عرض نتائج أعمال الحفائر والأبحاث الأثرية البحرية فى البلدين.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام