ثقافة



مهرجان البحر الأبيض المتوسط انفتاح متوسطى وعشق مصرى - تونسى للثقافة

30-8-2025 | 17:55
سيماء المزوغى

على ساحل حلق الواد والكرم التونسية، حيث يمتزج نسيم البحر برائحة الفن والحياة، يواصل مهرجان البحر الأبيض المتوسط رحلته الثقافية التى تجاوزت نصف قرن، ليصبح شاهداً على تاريخ تونس الفنى وروحها المنفتحة على العالم. منذ انطلاقه، لم يكن المهرجان مجرد منصة لعرض المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية، بل جسراً يربط الجماهير بالإبداع ويجسد تعلق المجتمع التونسى بالفن والثقافة. الدورة الخمسون شكلت محطة بارزة، لكنها لم تكن نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة؛ الدورة الحادية والخمسون التى تعِد بتحويل التجربة التونسية إلى مهرجان دولى متوسطى، يضع مصر شريكًا أساسيًا فى هذه الرحلة الثقافية الممتدة‪.‬

جذور تاريخية وروح متوسطيّة

انطلق مهرجان البحر الأبيض المتوسط فى السبعينيات، فى فترة كانت تونس تحتضن حركة ثقافية وفنية نشطة على الساحل المتوسطى، كان المهرجان فى بداياته أكثر من مجرد منصة للعرض، كان مرحلة ضرورية لكل فنان متوسطّى قبل الانتقال إلى مهرجانات كبرى مثل قرطاج، على خشبته وقف فنانون من مختلف ضفتى المتوسط، ليقدموا عروضهم أمام جمهور تونسى متعطش للفن والثقافة، فتشكل لحظات التفاعل المباشر بين الفنان والجمهور تجربة فريدة مليئة بالحميمية والصدق الفنى‪.‬

خلال تلك الحقبة، كان المهرجان مرآة لتنوع المشهد الفنى والثقافى: من المسرح التقليدى إلى التجارب التجريبية، ومن الموسيقى العربية والكلاسيكية، إلى الابتكارات الحديثة فى الفنون التشكيلية، والرقص والموسيقى العالمية، أصبح المهرجان بمثابة معمل حى للفنون المتوسطيّة، يربط تونس بمدن المتوسط الأخرى، ويؤسس لتبادل ثقافى متين، يحمل فى طياته روح الحوار والانفتاح على الآخر‪.‬
مصر القلب النابض للثقافة العربية

ارتباط تونس بالثقافة المصرية، ليس مجرد تقدير فنى، بل شعور حضارى وروحى، يمتد عبر المسرح والغناء والموسيقى والفنون التشكيلية، وصولاً إلى السينما والأدب، القاهرة ليست مجرد ضيف على المهرجان، بل قلب ينبض بالإبداع ويغنى التجربة المتوسطية، حضور الفرق المصرية يضيف بعدًا جديدًا للمهرجان، إذ يتلاقى الإبداع التونسى والمصرى فى حوار فنى حى، فتنتقل الخبرات بين الضفتين، ويختلط جمهور المهرجان بروح الفنون المصرية العريقة، هذه العلاقة تتجاوز العرض المؤقت لتصبح امتدادًا لتاريخ طويل من التبادل المسرحى، والثقافى بين تونس ومصر‪.‬
مع إعلان الطابع الدولى للدورة الحادية والخمسين فى أغسطس المقبل، يسعى المهرجان إلى تعزيز التعاون الفنى، ليس فقط من خلال عروض مشتركة، بل عبر إنتاجات متبادلة وورش تدريبية، تمنح الشباب التونسى والمصرى فرصة العمل جنبًا إلى جنب، الهدف هو خلق تجربة متوسطيّة متجددة، حيث يمتد النجاح إلى تطوير مهارات الفنانين، وإثراء الفكر المسرحي، والانفتاح على التجارب العالمية‪.‬
رؤية المدير: حوار فنى مستدام

محمد الحبيب المنصورى، مدير المهرجان وأستاذ المسرح والباحث فى السياسات الثقافية، صرح لمجلة الأهرام العربى قائلاً‪:‬ «فتح أبواب الدورة الحادية والخمسين على الدولية، ليس مجرد خطوة شكلية، بل تعبير عن إيماننا العميق بالثقافة المصرية، وتقديرنا لدورها فى إثراء المشهد الفنى المتوسطى، المشاركة المصرية بالنسبة لنا أكثر من حضور عروض، إنها شراكة حقيقية، حوار فنى، وبناء مشترك للإبداع. مصر الغنية بتاريخها الفنى وحاضرها الثقافى الفاعل، كانت وما زالت حاضرة بطريقة فريدة».

وأضاف المنصورى‪:‬ «نتطلع إلى تعاون حقيقى مع وزارة الثقافة المصرية والهيئات الفنية الكبرى، لإطلاق برامج مشتركة تشمل عروضًا، منحًا، إقامات فنية، وورش تدريبية للشباب من البلدين، نريد أن يرى جمهور القاهرة ما شهده جمهور ساحل حلق الواد والكرم، من تنوع الفنون وروح الابتكار المسرحى، وأن نشارك جميعًا فى إنتاج تجربة متوسطيّة فريدة».

فتح المهرجان على مصر، ليس مجرد توسع جغرافى، بل إعلان حب للثقافة المصرية، وتقدير لدورها التاريخى فى تشكيل الإبداع العربى.

نجاح الدورة المقبلة، سيؤسس لشراكة تونسية - مصرية مستدامة، حيث يلتقى الشباب والفنانون من الضفتين، لإنتاج أعمال مشتركة، وتبادل خبرات، وتقديم عروض أمام جمهور متوسطى متنوع، هذه التجربة نموذج حى للثقافة المتوسطيّة، حيث الفن لا يعرف حدودًا، بل يفتح آفاقًا للإبداع والتجديد المستمر، ويجسد حلم تونس، بأن تكون ملتقى للفنون والابتكار الثقافى فى قلب المتوسط.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام