مقالات



الغرف الواهمة

3-9-2025 | 19:45
د.عمرو بسطويسى

مَمَد .. مَمَك .. مَمَخ .. مِكْلات. 
بينما تبدو هذه المصطلحات غريبة وشاذة، فى أذن المواطن العربى عامةً والفلسطينى بشكلٍ خاص، ولا يجد لها مثيلاً فى لغته وخبراته الحياتية، نجدها مألوفة لدى كل إسرائيلى، يتداولها كما يتداول أسماء المدن والشوارع. هذه الكلمات ليست ابنة الأرض الفلسطينية العريقة، بل إنها ابنة الخوف المزمن القابع فى قلوب مواطنى دولة الاحتلال، التى وُلدت بالتآمر الدولى، وبقوة السلاح، وترعرعت على اغتصاب الأرض وسفك الدماء. 
هذه الكلمات فى مجملها، تعنى تلك الغرف المحصنة تحت الأرض، أو فوقها  والمسماة «الغرف الآمنة» «safe rooms» التى تُنشأ لحماية مواطنى إسرائيل أثناء الحروب، التى خلقتها مع أصحاب الأرض الفلسطينيين، ومع دول الجوار. 
فنجد أن مَمَد (ממ”ד) هى اختصار 
מרחב מוגן דירתי (Merhav Mugan Dirati) بمعنى غرفة آمنة داخل شقة.

و مَمَك (ממ”ק) هى اختصار (Merhav Mugan Komati) أى غرفة آمنة مشتركة لسكان طابق، و مَمَخ (ממ”ח) هى اختصار מרחב מוגן מוסדי (Merhav Mugan Mosadi) أى غرفة آمنة مؤسسية فى المدارس والمستشفيات، وبرغم أن كلمة Mosadi تبدأ بحرف الميم (מ)، فإن الاختصار يُكتب بحرف الـ «ḥet» (ח) فى آخره وفقاً لاصطلاح خاص فى منظومة الجيش والجبهة الداخلية الإسرائيلية، ولا يُطابق الحرف الأول من الكلمة، بل يستعمل للتمييز الاصطلاحى. 
أما مِكلات (מקלט)، فهى ليست اختصاراً لكنها الكلمة العبرية التى تصف الملجأ الجماعى التقليدى. 

وراء هذه المصطلحات، تقبع تلك الذهنية الصهيونية المرتعدة دائماً، التى ترى فى الخرسانة والحديد، بديلاً أمنياً لمواطنيها عن التعايش والعدل. 
بهذه المصطلحات، خلقت حكومات التطرف فى إسرائيل أمناً زائفاً لمواطنيها، الذين حرمتهم رؤية السماء، واستنشاق الهواء النقى، وجعلتهم دائماً فى حالة ارتباط ذهنى بتلك الغرف، يهرعون إليها مع كل حرب تخوضها إسرائيل ظُلماً وعدواناً. 

فمنذ إصدار قانون الدفاع المدنى عام 1951، لجأ الإسرائيليون إلى الملاجئ العامة (مِكْلات) فى باطن الأرض، لكن حرب الخليج عام 1991، قلبت المعادلة، ذلك أن الصواريخ لا تمنح وقتاً كافياً للوصول إلى الملاجئ، ولهذا صدر قرار بأن تكون الحماية داخل البيت نفسه، ومنذ 1992 صار كل منزل جديد يحمل فى أحشائه غرفةً آمنةً إلزامية، أى مَمَد (ממ”ד). وهى عبارة عن قلعة صغيرة ذات جدران بسمك 30 سنتيمتراً، وباب فولاذى مُحكم، ونافذة مدرعة تُفتح كمخرج أخير، وبمساحة تسعة أمتار مربعة كحدٍّ أدنى، وارتفاع مترين ونصف المتر، ومرشحات هواء ضد الغاز والكيماوى، وحتى الأثاث الداخلى له مواصفات خاصة. 

وتتكلف هذه الغرف 120-200 ألف شيكل (36-60 ألف دولار)، وبالطبع، فإن وجود مثل هذه الغرف فى عقارٍ ما يرفع قيمته ويُزيد الطلب على استئجاره، وهكذا صار الأمن أو «وهم الأمن» سلعةً تُباع وتشترى فى مجتمع شًكَّل الخوف ملامحه. 

وواقعياً، نجد أن الأسمنت والحديد لم يصنع سلاماً ولم يخلق أمناً، فقد سقط قتلى داخل الغرف الآمنة فى هجوم إيران عام 2025، فلا مهرب من القذيفة التى تصيب المبنى مباشرةً، فهذه الغرف تقلل الخطر، ولا تلغيه، وتمنح شعوراً هشاً بالأمن يتبخر عند أول صدمة حقيقية. 

والمفارقة الساطعة، أن الفلسطينى صاحب الأرض لم يبن غرفاً آمنة، ولا يعرفها، فى حين أن جيش الاحتلال يهدم بيته فوق رأسه، فإذا انتقل إلى خيمة حرقها بمن فيها، ومع ذلك يُدرك الفلسطينيون، وكل العرب أن السلام لا يُصنع ببابٍ من فولاذ، بل باعتراف متبادل وبعدالةٍ منصفة وحل سياسى قائم على المساواة. 
إن حكومة إسرائيل تُبدع فى بناء الغرف، وتحصين الجدران، لكنها فاشلة فى بناء الجسور مع من حولها. 

إنها تبيع لمواطنيها وهماً بالطمأنينة والأمن الزائف، لكنها تغفل عن حقيقة، أن الخوف سيظل كامناً فى النفوس مادامت الحقوق مغتصبة. 

إن غرف إسرائيل الآمنة، هى فى الحقيقة غرفٌ واهمة، قد تحمى الأجساد من انفجارات القنابل بدرجةٍ ما، ولكنها لا تحمى المستقبل من الانفجار الأعظم، انفجار الظلم وسلب حقوق الآخرين. 
إن السلام لا يُبنى تحت الأرض فى الظلام، ولا خلف أبوابٍ مصفحة، ولا يُولد من أسمنتٍ وحديد، بل يُخلق فى السماء الحرة من قلب العدل والمساواة، ويأتى من حلٍّ عادل يُنهى الاحتلال ويؤسس للتعايش. 
فالعدل هو الغرفة الوحيدة الآمنة. 

والمساواة هى الباب الحقيقى للسلام.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام