مقالات



نطق ترامب بالحقيقة

3-9-2025 | 19:52
أسامة سرايا

منذ انتخابه وعودته إلى البيت الأبيض، سلم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مقاليد قرار الحرب والسلم فى المنطقة العربية، لإسرائيل، حيث أقنع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى، رئيس الدولة العظمى، ولية النعم الأمريكية، أنه يحارب باسم الغرب وحضارته، لاجتثاث المتطرفين المتأسلمين، وإخراج إيران من الشرق الأوسط، وتدمير برنامجها النووى.

تطورت الحرب فى غزة، ما بعد 7 أكتوبر 2023، خلال العامين الماضيين، إلى تدمير غزة، وملحقاتها القطاع بالكامل، وتحولت من حرب تأديب لحركة حماس إلى إبادة لشعب غزة، أكثر من 200 ألف شهيد ومصاب، ومليونى جائع ومشرد، صورة غزة واضحة أمام العالم، إسرائيل أصبحت دولة منبوذة باعتراف اليهود وكبار كتابها، انتقلت الحرب الواسعة إلى أكبر مساحة من الشرق الأوسط، 7 جبهات، فى سوريا، وكانت النيران مشتعلة فى لبنان، وكانت أشد اشتعالا فى العراق واليمن، فلاحقت الضربات وصولا إلى الجبهة الأوسع، مع إيران 12 يوما قاسية، تم خلالها تدمير البرنامج النووى الإيرانى، تلاحقت الضربات حتى دخلت أمريكا مساندة للحرب على إيران، استمرت الحرب فى غزة، والعالم كله ينادى بوقفها، الشرق الأوسط كله يحترق، نتنياهو وزمرته يصبون الزيت على هذه الحرب الدامية، التى جعلت من إسرائيل وحشا، يقتل الأطفال والمدنيين فى غزة، بل يقتل من جاءوا يبحثون عن لقمة العيش، مارست إسرائيل كل صنوف الاضطهاد ضد الفلسطينيين، حتى أنها منعت منظمة غوث اللاجئين «الأونروا»، التى تعرف غزة، ودوربها من العمل، حتى تشتد أزمة الجوع والعطش، وانعدام الحياة فى هذه المنطقة من العالم.

هذه الحرب البشعة، لم تستطع آلة الإعلام الأمريكية والإسرائيلية، أو الغربية، منع بشاعة ما يحدث عن العالم، انتقلت الصورة والضحايا، الجريمة الإسرائيلية الكاملة، أصبحت لأول مرة مصورة وعارية أمام العالم.

ترامب الذى سلم القرار الأمريكى إلى نتنياهو، وعجز عن وقف الحرب، نطق أخيرا، فى الأول من شهر سبتمبر الحالى بالحقيقة التى كانت صعبة عليه، لم يكن تصريحا، بل صرخة ألم من الرئيس الذى يعرف، توقفنا طويلا أمام تصريحه المنشور على موقع ديلى كولر، daily caller، إسرائيل تفقد نفوذها فى الكونجوس بسبب حربها على قطاع غزة.

ترامب يتحسر على أيام سابقة، كانت إسرائيل تملك أقوى جماعة ضغط رأيتها فى حياتى، إسرائيل تخسر بسبب توحشها العالمى على الأطفال والنساء، وبسبب أننا أمام غول، يتشبه بهولاكو وجنكيز خان، وهتلر، بل تفوق عليهم ودخل التاريخ، كمجرم عالمى عتيد، صنع كراهية بين الشعوب صعب على أحد اجتيازها فى سنوات طويلة.

ترامب يقول إن إسرائيل تكسب الحرب، لكنها تخسر العالم، بل ويبرر أنها لا تستطيع أن تكسب، بل تخسر فى عالم العلاقات العامة، وهذا يضر بها.

ترامب كان يستحضر زمنا مضى، لم يكن هناك أحد بإمكانه التحدث عن إسرائيل بشكل سلبى، إذا أردت أن تكون سياسيا، لم يكن من الممكن أن تقول شيئا سيئا عن إسرائيل، وانتقد النائبة اليكسندريا أوكاسيو كوريتزا وآخرين، الذين نجحوا فى جعل إسرائيل منبوذة، وفريدمان الذى وصفها بدقة، ونقلها عنه الكثيرون فى كل أنحاء العالم، بل إنه الذى وصف نتنياهو بأنه أضر باليهود، ليس فى إسرائيل وحدها، لكن فى العالم كله.

بل ضحك على ترامب، وجعله مثل الروبوت، صدق نتنياهو كذبته الكبرى بأنه قادر على تصفية إيران وحزب الله، بل الحوثيين فى اليمن وحماس، بل صنع السلام الشامل فى الشرق الأوسط، الذى يتخيل أنه إمبراطور المنطقة المهزومة.

بل يجعل العالم، والمنظمات الدولية، مفرغة من كل قيمتها، وتنهار تماما، ويجعل العالم يخاف من إسرائيل وأمريكا، بل يعزلهما تماما، ويفكر بدقة فى كيفية مواجهتهم.

تحول الجبروت الإسرائيلى والانهيار الأمريكى، أمامها إلى حالة أكثر خوفا من النصر والهزيمة، لم تعد حربا، بل نحن أمام مجرم ينتهك كل القيم والأعراف التى عرفها الإنسان منذ بدء الخليقة، حتى الآن.
ولعل الأرقام خير شاهد فى الكونجرس الأمريكى، وفى الشارع الأمريكى، كما جاء على لسان الرئيس ترامب نفسه، ففى استطلاع رأى نشرته إحدى الجامعات أكد أن  60% من الناخبين الأمريكيين يعارضون إرسال السلاح إلى إسرائيل، تخيلوا ذلك، وهى أعلى نسبة منذ السابع من أكتوبر 2023، كما أن المستطلعين 77% منهم، يرون أن إسرائيل ترتكب جريمة الإبادة الجماعية.

الحرب الإسرائيلية الدامية فى غزة كانت سببا فى تصاعد حركة عالمية تندد بالسياسات الإسرائيلية، وتدعو إلى فرض عقوبات صارمة عليها، بل تصل إلى قطع العلاقات معها، بل انتشرت صور مقاطعة اليهود والسياح الإسرائيليين، معتبرين أنهم يؤيدون سياسات نتنياهو الإجرامية فى غزة، امتدت مواجهة إسرائيل من المحاكم الدولية، والعدل الدولية، إلى الشارع.

وأخيرا نطق بها حليفها، ترامب الضعيف تجاه نتنياهو، لم يستطع أن يتجاهل المتغيرات ليس لصالح الحقيقة، لكنه خوفا على إسرائيل فى المستقبل.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام