بحلول عام 1940، كانت آثار الكوارث لتلك الحروب واضحة، فتم اختياره لتولى منصب رئاسة الحكومة والدفاع، ولأن بريطانيا كانت تحارب وحدها، وخسرت بالفعل العديد من معداتها الحربية، بالإضافة للأوضاع الداخلية السيئة، فاستطاع إقناع المقاومة الفرنسية، بالتعاون معه بقيادة «ديجول» المنفى، وضلل الرئيس الأمريكى «روزفلت»، بحيل سياسية، فأرسل له الأسلحة والمعدات، وظل يخدعه بأوضاع مغلوطة حتى استدرجه للدخول فى الحرب معه، وتم تشكيل ما أطلق عليه بقوات الحلفاء.
وفى الوقت نفسه، أرسل قوة عسكرية لمصر، للسيطرة على المعبر الأساسى للشرق الأقصى، ودرس فكر الألمان جيدًا وأدرك أخطاءها، ودفع هجوم ألمانيا على الاتحاد السوفيتى «ستالين»، إلى إعلان الحرب والهجوم اليابانى، على الأسطول الأمريكى، فى «بيرل هاربر»، واستغلاله من قبل هتلر، فأعلن الحرب على أمريكا.
كل تلك الأحداث المتسارعة، تركت مجالا ضيقا للاختيار لـ»روزفلت»، فانقسم العالم إلى حلفين ألمانيا وإيطاليا واليابان، من جهة، وبريطانيا وأمريكا والاتحاد السوفيتى وفرنسا من جهة أخرى، حتى انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة كبرى للحلف الأول، وانتصار تشوبه عدة شوائب للحلف الثانى، وهذا ما ظهر فى انعقاد مؤتمرى طهران ويالطا، حين أبدى تشرشل امتعاضه وصرح بمخاوفه من التوسع السوفيتى بداخل أوروبا ولم يعره أى انتباه أو اهتمام من روزفلت.
وبالفعل فرض الاتحاد السوفيتى نفوذه على معظم دول أوروبا الشرقية، وقدم تشرشل مؤلفا ضخما عن الحرب العالمية الأولى والثانية فى 6 أجزاء مازال الساسة الغرب يستعينوا به كمؤلفات «ميكافيلى» فى كيفية الخداع، وعرضت لوحاته بالأكاديمية الملكية تشريفا لتاريخه.
وعند وصوله إلى سن السابعة والسبعين، تولى مرة أخرى رئاسة وزراء بريطانيا ونال جائزة نوبل عن الآداب حتى استقال بعمر الثمانين، وأنهى تاريخه بكلمة «التاريخ سيكون لطيفا معى فأنا أنوى كتابته»، وهو لم يكذب هنا، فهو من كتب على الشرق الأوسط تاريخ استعماره واستنزافه وتأخره، وكما احتفى بلوحاته عالميًا رسم لوحة الشرق الأوسط وقطعه وفرقه، وهو أول من استخدم الغاز السام فى قصف العراق لقمع الثورة على الاحتلال البريطانى، وأسس ما يسمى بالشرطة الجوية الاستعمارية للسيطرة على الشرق الأوسط لإرهابه، وهو أيضًا من وقف على جبل المشارق فى القدس الشريف, يخطب فى المهاجرين اليهود على إثر تنفيذه لوعد بلفور ليهنئهم بوطنهم الجديد.
كان تشرشل فى أوراق التاريخ الحقيقى وغير المزيف، مثالا للعنصرية والغطرسة وجسد عبر التاريخ المثال الواضح للعقلية الاستعمارية، وهى سمة للسياسة الإمبريالية البريطانية وأكثر صهيونية من الصهاينة أنفسهم، ولن يستطيع أن يمحو آثاره من لقاءاته سواء السرية أم المعلنة وموقفه ومؤمراته لصد أى محاولات الدول للتحرر من الاستعمار. هذا الرجل ومثله الكثيرون الذين تم تمجيدهم وطبعت آلاف الصفحات عن بطولاتهم المزيفة لم ينتبه أى من شعوبهم إلى من يسندون دور البطولة، وكيف يمكن للعقل البشرى أن يتصور فظائع أكبر من تلك التى أحدثها أبطالهم؟ قد يتخيل البعض أو يهيئ له غروره، أنه قد يفرض على التاريخ منظورًا خاصًا به أو قد يحتال بمبررات هى نتاج عقله المريض ليوهم بها الإنسانية بجرائمه، وهو لن يستطيع أن يدرك بأن للتاريخ عقلا كالإنسان تمامًا يدقق ويفرز ويحلل ويصحح.