لؤى صوالحة: العدالة الدولية بعيدة تماما عن قبور الصحفيين زاوى رابح: هناك أدلة قوية على الاستهداف المتعمد للصحفيين من قبل إسرائيل حكيم بو غرارة: دعم أمريكا للكيان الصهيونى جعلهم فوق كل اعتبار
فى الوقت الذى تتفق فيه كل القوانين الدولية على ضرورة حماية الصحفيين فى الحروب، وحفظ حقوقهم فى حال توجيه الاغتيالات إلا أن إسرائيل - كعادتها - لم تتوان فى استهداف الطواقم الصحفية بأكملها من مراسلين ومصورين، وكل من له علاقة بالإعلام الذى ينقل المعلومة على حقيقتها، لتصل الحقيقة الكاملة عن الوضع الحقيقى الذى يعانيه الشعب الفلسطينى سواء فى قطاع غزة أم غيرها . ولم تتوقف أخبار اغتيالات الصحفيين، ضحايا الاحتلال مثل شيرين أبوعاقلة ومن بعدها مئات الصحفيين، كان آخرهم طاقم العمل الصحفى لعدد من الصحف والقنوات التليفزيونية ووكالات الأنباء .
بدأ لؤى صوالحة، المراسل الميدانى وباحث العلاقات الدولية والقانونية قائلا: أكتب هذه السطور وأنا أحمل بين يدى كاميرتى التى صارت أثقل من بندقية، وأرتدى خوذة الصحافة التى لم تعد ترد رصاصة، فيما تتكدس حولنا أسماء زملاء سقطوا فى ساحات نقل الحقيقة. نحن الصحفيين نفترض أننا محميون بنصوص القانون الدولى، لكن الحرب على فلسطين تثبت أنّ هذه النصوص لا تزال حبرًا على ورق، وأن الكاميرا فى نظر الاحتلال سلاح أخطر من البندقية. وعن مواد القانون التى تحمى الصحفيين يتحدث صوالحة قائلا: تقول المادة 79 من البروتوكول الإضافى الأول لاتفاقيات جنيف إن الصحفيين المدنيين العاملين فى مناطق النزاع يعتبرون أشخاصًا مدنيين، ويجب حمايتهم من أى اعتداء متعمد. كما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 أطراف النزاع بحماية العاملين فى الإعلام باعتبارهم “غير مقاتلين”. وتؤكد قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، مثل القرار 2222 (2015)، على أن استهداف الصحفيين جريمة حرب تستوجب الملاحقة والمحاسبة. لكن، أمام مشهد دماء خمسة صحفيين يعملون فى أكبر وكالات الأنباء العالمية، قتلوا بدم بارد خلال تغطيتهم للحرب الأخيرة، تبدو هذه النصوص كأنها مجرد نصائح أخلاقية لا قوانين ملزمة. ويشير المراسل الصحفى إلى أن الاحتلال الإسرائيلى، بعد كل عملية اغتيال موثقة بالصوت والصورة، يكتفى ببيان مقتضب يعلن فيه عن «فتح تحقيق داخلي»، هذا التحقيق لا يقدم إلى جهة دولية مستقلة، بل غالبًا ما ينتهى فى أدراج الجيش الإسرائيلى نفسه، الذى يحاكم القاتل ويبرئه فى اللحظة ذاتها، والمجتمع الدولى يتلقى هذه التقارير الإسرائيلية كما لو كانت مسوّغات قانونية، بينما تبقى العدالة بعيدة عن قبور الصحفيين.
ويتساءل صوالحة: لماذا لا يحرك الاتحاد الدولى للصحفيين، وهو أكبر منظمة تمثل العاملين فى المهنة على مستوى العالم، دعاوى قضائية مباشرة ضد إسرائيل أمام المحاكم الأوروبية أو المحكمة الجنائية الدولية؟
الإجابة المعروفة خلف الكواليس هى أن القانون الدولى مرهون بإرادة سياسية، وأن القوى الكبرى التى تملك أدوات الضغط فى مجلس الأمن، تحمى إسرائيل من أى محاسبة حقيقية. الاتحاد نفسه حاول عام 2022 تقديم شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن استهداف الصحفيين الفلسطينيين، لكن مسار الشكوى ظل بطيئًا، وسط مماطلة دولية واضحة. ويمضى صوالحة فى حديثه قائلا: القتل العمد للصحفيين ليس «حادثًا عرضيًا»، بل سياسة منظمة هدفها إسكات الحقيقة. نحن هنا فى الميدان نرى ذلك يوميًا طائرات مسيرة تتعمد استهداف كل حامل لكاميرا، ومنازل صحفيين تقصف عن سابق قصد. ومع ذلك، تبرر إسرائيل جرائمها بذرائع “الأمن القومي” أو “الخطأ العملياتي”، فتتكرر الجريمة دون أن يرف جفن للعالم. العقوبات المفترضة على مثل هذه الجرائم موجودة نظريًا: يمكن اعتبارها جرائم حرب وفق نظام روما الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية، ويمكن للاتحاد الأوروبى أو الأمم المتحدة فرض عقوبات مباشرة على قادة الاحتلال العسكريين والسياسيين، لكن هذه القرارات تحتاج إلى إرادة دولية، وهى مفقودة تمامًا أمام نفوذ اللوبيات السياسية الداعمة لإسرائيل. كصحفى ميدانى، أرى أن المعركة الحقيقية لحماية الصحفيين، لا تكمن فقط فى مطالبة الاحتلال بالتحقيق، بل فى الضغط المستمر من نقابات الصحفيين والمنظمات الحقوقية، وخلق رأى عام عالمى يربط صورة إسرائيل بجرائمها ضد الصحافة، وفى النهاية، نحن لا نحمل السلاح، بل نحمل الكلمة والصورة، وما يحدث اليوم فى غزة والضفة الغربية يثبت أن الاحتلال يخشى الحقيقة أكثر مما يخشى أى قوة عسكرية.
دماء زملائنا الذين استشهدوا وهم ينقلون الصورة، يجب أن تتحول إلى ملفات قانونية حقيقية، لا بيانات إدانة باردة، وإذا لم يحاسب قتلة الصحفيين، فإنّ العالم بأسره سيخسر آخر ما تبقى من الحقيقة فى الحروب.
ويلتقط أطراف الحديث زاوى رباح، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولى قائلا: يشكل القانون الدولى الإنسانى الإطار الرئيسى لقواعد حماية الصحفيين فى النزاعات المسلحة، ومثال ذلك تنص المادة 79 من البروتوكول الإضافى الأول لاتفاقيات جنيف، المُعتمد عام 1977، صراحةً على أن “الصحفيين الذين يمارسون مهام مهنية خطرة فى مناطق النزاعات المسلحة يُعتبرون مدنيين بالمعنى الوارد فى الفقرة 1 من المادة 50”، ويتمتعون بجميع أشكال الحماية المُتاحة للمدنيين بموجب القانون الدولى الإنسانى، طالما لم يشاركوا مباشرة فى الأعمال العدائية، كما تشير القواعد التى وضعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2005 بشأن القانون الإنسانى العرفى إلى أنه “يجب احترام وحماية الصحفيين المدنيين الذين يمارسون مهام مهنية فى مناطق النزاعات المسلحة، طالما لم يشاركوا مُباشرةً فى الأعمال العدائية”، وهى قواعد تُطبّق على النزاعات الدولية وغير الدولية. ويستكمل زاوى حديثه قائلا: فى الوقت نفسه، تشكل قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إطارًا إضافيًا للحماية، وفى هذا الصدد، يعدّ القرار رقم 2222 لعام 2015 علامةً فارقةً تشير إلى إدانة جميع أطراف النزاعات المسلحة، فى أى مكان فى العالم، بشدةٍ للهجمات المتعمدة على الصحفيين، وحثّها على وقف هذه الممارسات. كما يشير القرار إلى أن المعدات والمرافق الإعلامية هى أهداف مدنية، وبالتالى لا يجوز مهاجمتها أو استهدافها بأى شكل من الأشكال إلا إذا كانت أهدافًا عسكرية. ويرى زاوى أن ما يحدث على أرض الواقع غير منطقى ويضيف: تظهر البيانات الموثقة من مصادر متعددة حجم الكارثة التى تواجه الصحفيين فى غزة. وفقاً للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، فقد وثقت مقتل 197 صحفياً وعاملاً إعلامياً منذ بداية الحرب، منهم 189 فلسطينياً قتلوا على يد إسرائيل فى غزة. وتشير تقارير أخرى إلى أرقام أعلى، حيث ذكرت الأمم المتحدة أن عدد الصحفيين الفلسطينيين المقتولين وصل إلى 242 بحلول 11 أغسطس 2025، وحاليا يعتبر النزاع فى غزة الأكثر دموية للصحفيين فى التاريخ المسجل، حيث تفوق أعداد الصحفيين القتلى العدد المجمع من الحربين العالميتين وحرب فيتنام وحروب يوغوسلافيا والحرب فى أفغانستان مجتمعة، وقد أكد مشروع “تكاليف الحرب” فى معهد واتسون أن هذا النزاع يُعتبر “ببساطة الأسوأ على الإطلاق بالنسبة للمراسلين”. وتشير التقارير إلى وجود أدلة قوية على الاستهداف المتعمد للصحفيين من قبل القوات الإسرائيلية. فقد وثقت منظمة “مراسلون بلا حدود” 35 حالة حيث استهدفت الأعمال العسكرية الإسرائيلية على الأرجح قتل الصحفيين بسبب أنشطتهم المهنية بحلول نهاية عام 2024. كما لخصت لجنة حماية الصحفيين إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت مباشرة وقتلت ما لا يقل عن خمسة صحفيين، وتحقق فى 10 وفيات أخرى على الأقل تشير إلى إمكانية الاستهداف المتعمد.
ويتساءل أستاذ القانون عما هى التحديات القانونية والعقبات أمام المساءلة؟، وما هى آليات التحقيق الإسرائيلية وقضية الشفافية؟ ويجيب قائلا: هنا لابد من الإشارة إلى أن التحقيقات الإسرائيلية الداخلية فى قتل الصحفيين تُثير قضايا جوهرية حول الشفافية والمساءلة. فبعد الهجوم الأخير على مستشفى ناصر الذى أسفر عن مقتل خمسة صحفيين، أعلنت القوات الإسرائيلية عن تحقيق داخلى، لكن التقرير الأولى أشار فقط إلى استهداف «كاميرا وضعتها حماس» مع وجود «فجوات» تتطلب مزيداً من التحقيق. ولكن تظل المشكلة الأساسية تكمن فى أن إسرائيل لا تُقدم نتائج تحقيقاتها لأى جهة دولية محددة، بل تكتفى بتصريحات عامة نادراً ما تؤدى إلى مساءلة حقيقية، كما أشار المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ثامين الخيطان، إلى أن “السلطات الإسرائيلية أعلنت فى الماضى عن تحقيقات فى مثل هذه القتل لكننا لم نشهد نتائج أو تدابير مساءلة بعد”. وشهدت الأشهر الأخيرة تزايدًا فى الأنشطة الدولية لمقاضاة إسرائيل بتهمة اغتيال الصحفيين. خلال عام واحد، تعد هذه الشكوى الرابعة التى تقدمها منظمة مراسلون بلا حدود إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم الحرب التى ارتكبها الجيش الإسرائيلى فى غزة، كما قدّم الاتحاد الدولى للصحفيين، بالاشتراك مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين، شكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل، لاستهدافها الممنهج للصحفيين.
ويؤكد زاوى بأنه من المهم أن تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف فى نوفمبر 2024، بحق رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويمكن الآن إضافة قتل الصحفيين إلى هذه التهم.
وفى حقيقة الأمر إلى جانب وجود آليات الولاية القضائية العالمية فى بعض الدول الأوروبية، والتى تسمح للمحاكم الوطنية بمحاكمة مرتكبى جرائم الحرب بغض النظر عن موقعهم أو جنسية المتهمين، هناك عاملان يجعلان من الصعب مقاضاة إسرائيل، أولًا، التحديات السياسية والدبلوماسية، إذ تحظى إسرائيل بدعم قوى من الدول الكبرى فى أوروبا، مما يجعل من الصعب اتخاذ إجراءات قانونية حاسمة. ثانيًا، متطلبات الإثبات الشاقة، خصوصا مع منع الصحفيين الأجانب من دخول غزة، وحصرها على الصحفيين المحليين، وأخيرًا وليس آخرا، ضرورة وجود المتهم على الأراضى الأوروبية لتطبيق الولاية القضائية العالمية، كما حدث مع الجنود الإسرائيليين فى بلجيكا.
أما عن الحلول المقترحة أعتقد أن إنهاء إفلات إسرائيل من العقاب فى قتل الصحفيين يتطلب تظافر الجهود على عدة مستويات: أولها: تفعيل الولاية القضائية العالمية ويجب على الدول الأوروبية تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية بشكل أكثر فاعلية لمقاضاة المسئولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب ضد الصحفيين. وثانيا: تعزيز دور المحكمة الجنائية الدولية وضرورة دعم عمل المحكمة الجنائية الدولية وتوسيع التحقيقات لتشمل جرائم قتل الصحفيين بشكل منهجي. وثالثا: تطبيق العقوبات الدولية كما طالبت منظمات المجتمع المدنى، يجب على الاتحاد الأوروبى تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل وفرض عقوبات مستهدفة على المسئولين. وذلك لأن التحدى الأساسى الذى يواجه القانون الدولى وحرية الصحافة العالمية يتمثل فى ما تفعله إسرائيل من خلال انتهاكها الممنهج لحقوق الصحفيين فى غزة. ورغم وجود إطار قانونى شامل لحماية الصحفيين، إلا أن الفجوة بين النص والتطبيق لا تزال قائمة، لا سيما فى ظل غياب آليات المساءلة الفعالة. وبغض النظر عن الحسابات السياسية الضيقة، لا يمكن تحقيق العدالة للصحفيين الذين قتلوا فى غزة إلا من خلال إرادة سياسية دولية حقيقية وتطبيق جدى لمبادئ القانون الدولى الإنساني. ويتفق مع الرأى نفسه، د. حكيم بوغرارة، أستاذ علوم الإعلام والاتصال بجامعة المدية الجزائرية قائلا :
القضية الخاصة بحماية الصحفيين والمراسلين الحربيين فى مناطق الحروب تضمنته بروتوكولات جنيف الأربعة وأعتقد أنهم تحدثوا عن ضرورة حماية المراسلين الصحفيين الذين يرافقون القوات المسلحة، شريطة أن يمتلكوا التكليف من دولهم حتى يعاملوا كأسرى حرب ويضموا حمايتهم فى مناطق الحروب والنزاعات عندما يقعون فى أيدى الأعداء، لكن للأسف الشديد طالما القانون الدولى الإنسانى يتضمن الكثير من الأمور فى هذا السياق إلا أن عامل القوة ودعم الولايات المتحدة الأمريكية للكيان الصهيونى جعلهم فوق كل اعتبار وفوق كل قانون، ولكن ما يحدث فى فلسطين من اغتيال حتى اليوم 243 صحفيا وهو رقم قياسى فى تاريخ الصراعات وسقوط الصحفيين من الضحايا فى الفترة التى سقطوا فيها فى 693 يوما من بدء طوفان الأقصى، ونتذكر بأن اجتياح العراق من القوات الأمريكية بين 2003 و2006 سقط من خلالها 166 صحفيا، واليوم الوضع أخطر بكثير فى فلسطين، فبالإضافة إلى منع البعثات الأجنبية من الخارج من دخول غزة وكذلك منع الطائرات التى تلقى بالدعم الغذائى من تصوير غزة من فوق وبالتالى الأمر يظهر بأن نتنياهو لديه كابينة إعلام منذ 1945 تم تشكيلها من مختلف قادة الكيان الصهيونى من أجل التحكم فى المعلومة وتوجيه المعلومة والغلق عليها واستخدام التضليل .