فى سماء الثقافة العربية أسماء لا تغيب، تظل حاضرة كنجوم تهدى السائرين، مهما تعاقبت الأزمنة وتعاظمت العواصف. ومن ليبيا، حيث يلتقى الرمل بالبحر، خرج على فهمى خشيم، ليؤكد أن الهوية ليست سطورًا فى سجل النسب، بل روح واسعة تحتضن التاريخ كلّه.
وُلد من أصول شركسية، لكنه انحاز للعروبة حتى النخاع، ورأى فيها أفقًا جامعًا، تتشابك فيه الحضارات والأعراق كخيوط نسيج واحد لا ينقطع. لم يكن يخشى أن يهز الثوابت أو يربك المألوف، بل كان يرى أن الفكر الحقيقى لا يزهر إلا حين يقتحم الممنوع ويستنطق المسكوت عنه، هكذا أعاد قراءة النصوص الفرعونية بعيون عربية، ليكتب موسوعته اللافتة «آلهة مصر العربية» التى صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، معلنًا أن مصر القديمة جزء لا يتجزأ من سردية العروبة الكبرى، كان يستمتع بإثارة الجدل، مؤمنًا أن السؤال الجرىء أهم من الإجابة المكرورة.
وفى أحد حواراتى معه، فاجأنى بتلك الجملة التى تلخص اندفاعه وجرأته: «الأمازيغ أعرب من عرب الجزيرة»، عبارة صاعقة، تحمل كل ما كان يؤمن به من أن العروبة ليست دمًا ولا حدودًا ضيقة، بل فضاء حضارى ممتد، تُغنيه التعددية ولا تنقص من جوهره. ذلك هو على فهمى خشيم: مثقف موسوعى، يجمع بين الفيلسوف والمؤرخ، بين المترجم والناقد، وبين الإدارى الثقافى والمشاغب الفكري، وكان بالنسبة لى أكثر من مجرد مفكر قرأت له أو تابعت حضوره؛ كان إنسانًا ذا طاقة خاصة، كل لقاء معه يترك فى داخلى أثرًا لا يُمحى، ويثير فى نفسى أسئلة تتجاوز حدود الحديث، لم تكن حواراتنا مجرد تبادل كلمات، بل كانت لحظات من الكشف الفكرى والدفء الإنسانى معًا.
ولأن سيرته الغنية ومؤلفاته وأبحاثه تحتاج إلى مجلدات، فلن أزعم أننى بصدد روايتها هنا، إنما سأكتفى باستعادة بعض المشاهد التى جمعتنى به عبر الزمن، تلك اللحظات التى تظل حية فى الذاكرة، شاهدة على عقلٍ استثنائى وروحٍ ظلّت وفيّة للعروبة والفكر حتى النهاية. المشهد الأول: العابر الذى يسكنك منذ البدء على فهمى خشيم من أولئك الذين يتجاوزون لحظة اللقاء العابر ليصبحوا جزءًا من نسيجك الداخلى، حتى تكاد تنسى متى وأين جمعتك بهم الدنيا؟ فهو لا يدخل حياتك كضيفٍ عابر، بل يتسلل إليها برفق وصدق ودفء، كأنك تعرفه منذ البدء، منذ أن وعيت على ذاتك والعالم من حولك، وفى حضرته يتلاشى الفاصل بين الجديد والمألوف، ليغدو القرب طبيعيًا، والأنس عفويًا. كان يأخذك إلى عوالمه باندفاع حماسة شاب يتوهج شغفًا بالحياة، وبحكمة شيخ خبر دروبها، وبعمق مثقف موسوعى، يفتح أمامك أبواب الفكر كمن يكشف لك سرًا دفينًا. معه كان الحوار يتحول إلى رحلة، والكلمة إلى جسرٍ بين العقول والقلوب. لم يكن مجرد مفكر أو صاحب أطروحات جريئة، بل كان طاقة إنسانية تستدعيك لأن ترى العالم من زاوية أرحب، حيث تتجاور حرارة العاطفة مع صرامة الفكر، ويتكامل دفء الروح مع برودة العقل الفلسفي. لا أذكر متى وأين كان أول لقاء بيننا؟ لكننى أذكر جيدًا موقفًا جمعنا، وكان صاحب فكرته الراحل الصديق الغالى السفير الليبى جمعة الفزاني. يومها شاركنا معًا فى الاجتماع التأسيسى لتجمع، يضم مفكرين وسياسيين وكتابًا وصحفيين من مصر والسودان وليبيا، أطلقنا عليه «المثلث الذهبي»، وكان على فهمى خشيم من أكثر المتحمسين لهذه الفكرة، مسهمًا فى برنامجها الفكرى بدراسة مهمة أضاءت على أهميتها، وكيف يمكن أن تسهم فى استعادة الاتحاد الثلاثى الذى يجمع مصر وليبيا والسودان، بما يفتح أفقًا جديدًا لنهضة الأمة العربية واستعادة عنفوانها وبريقها. وظلّ مواظبًا على حضور كل اجتماعات هذا التجمع، يشد الرحال من طرابلس إلى القاهرة بحماسة قلّ نظيرها، مقدمًا فى كل لقاء من الأسانيد الفكرية ما يعمّق الفكرة ويدعمها. وأعتقد أن هذا الإخلاص أسهم كثيرًا فى توطيد علاقتنا، فقد كان يعرف تفاصيل دورى فى صياغة وتشكيل الفكرة التى كان صاحبها ومطلقها الراحل جمعة الفزاني، وهكذا امتزج الحلم الفكرى بالعلاقة الإنسانية، فغدا اللقاء بيننا أعمق من مجرد صداقة عابرة، وأقرب إلى شراكة فى الأمل والطموح. ما بين الحلم والرحيل ذلك كان على فهمى خشيم كما عرفته: العابر الذى يسكنك منذ اللحظة الأولى، والمثقف الموسوعى الذى جمع بين دفء الصديق وصلابة الفيلسوف. غير أن هذه الصورة ليست إلا ومضة من بورتريه أوسع لا تكتمل ملامحه إلا بالعودة إلى أساتذته الذين صاغوا وجدانه، وفى طليعتهم الدكتور محمد عبد الهادى أبو ريدة، وباستعادة بعض الحوارات التى جمعتنى به، وأهمها الحوار الكبير الذى حمل عنوان «الأمازيغ أعرب من عرب الجزيرة»، والذى تشاركت فيه مع الصديق الكاتب مهدى مصطفى. ثم تأتى محطته مع «أحداث فبراير»: أحداث حملت مدينته على الأكتاف، وألقت بها فى لجّة المجهول. كان يراقبها بعين المثقف الذى يعرف أكثر مما يُقال، ويشعر أكثر مما يُعلن، فبدا موقفه منها مشوبًا بمرارة العارف وقلق المحبّ. الخاتمة وبين طرابلس والقاهرة، ثم المنافى التى كان يذوب فيها عشقًا، ظل قلبه معلّقًا بليبيا حتى صعدت روحه فى رحلة علاج بعيدًا عن ترابها الذى لم يفارق حنينه إليه لحظة واحدة. إنها فصول أخرى من سيرة فكر وروح، سنفتح صفحاتها فى الحلقة المقبلة من وجوه عبر الزمن.