حياة الناس



من روزفلت وترومان إلى ترامب.. فى البيــت الأبيــض.. زوجات بدرجة مستشار

3-9-2025 | 22:13
⢴ إيمان عمر الفاروق

السيدات الأول يستخدمن الدبلوماسية الناعمة لتعزيز المجتمع المدنى
دور السيدة الأولى فى أمريكا دائما عرضة للتأويل.. لكنه غير واضح المعالم
ميلانيا ترامب تبعث برسالة إلى الرئيس الروسى بشأن الأطفال فى أوكرانيا
جاكلين كينيدى رسخت قواعد السلوك الدبلوماسى خلال الحرب الباردة
نانسى ريجان روجت لإنهاء الحرب الباردة
هيلارى كلينتون تقول إن زوجها يتخذ القرارات الرسمية لكنها دوما ترغب فى مشاركته


عندما سئلت السيدة لورا بوش - زوجة جورج دبليو بوش - عن دورها أثناء وجودها بالبيت الأبيض قالت: «أعتقد أن دور السيدة الأولى هو ما تريده السيدة الأولى أن يكون»، هذا بالضبط ما تطبقه السيدة بالولايات المتحدة الأمريكية ميلانيا ترامب، الذى تجلى فى سلسلة من المواقف كان آخرها إثارة قضية الأطفال فى أوكرانيا وروسيا عبر رسالة شخصية وجهتها إلى الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، إبان قمة ألاسكا.

هذا الدور الاستشارى غير الرسمى أو غير المرئى يطلق عليه الخبراء «الأحاديث السرية» بحكم كون السيدة الأولى الأقرب إلى أذن الرئيس، وهو المنصب الأكثر غموضا فى الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهى غير منتخبة ولا معينة ولا يمكن إقالتها، لكنها تمارس نفوذًا خفيًا خلف الستار، فالدور الأكثر غموضا يتجاوز المراسم البروتوكولية والتقاط الصور الدبلوماسية، الأزياء إلى ما هو أهم بكثير.

بينما كان دونالد ترامب، يستعد لقمة حاسمة فى ألاسكا، مع نظيره الروسى سعيا لإنهاء الحرب فى أوكرانيا، كانت السيدة الأولى تمارس نوعا آخر من "الدبلوماسية الناعمة "بطريقتها الخاصة، ويقول الذين يعرفونها عن قرب، إن هذا الأمر قد أكد الدور المؤثر الذى تلعبه فى فترة ولاية زوجها الثانية، على الرغم من غياب ظهورها الرسمى بواشنطن، الذى يؤكده تصريح ترامب نفسه من قبل بأنها ذات تأثير بشأن موقفه من الحرب الأوكرانية.

بحسب تقرير لموقع "سى إن إن" بعنوان "غياب علنى وتأثير سرى" أخيراً أصبح ظهور السيدة الأولى ميلانيا علنا نادرا؛ فلم تظهر إلا لمدة 19 يومًا حتى الآن خلال ولايته الثانية، مقارنةً بـ40 يومًا خلال ولايته السابقة، ويُشكل طاقم موظفيها فى الجناح الشرقى هذه المرة جزءًا ضئيلًا مقارنة بفريقها أثناء الولاية الأولى وفريق أسلافها.

لم يكن انخراطها جديدًا، فقد أشارت أنيتا ماكبرايد، رئيسة الموظفين السابقة للسيدة الأولى لورا بوش، ومديرة مبادرة إرث السيدات الأوائل، إلى "أن نانسى ريجان تحدثت مباشرةً إلى رئيس الاتحاد السوفيتى ميخائيل جورباتشوف سعيًا للسلام، وكتبت إلى زوجته عشية اجتماع مهم، وكتبت جاكلين كينيدى إلى رئيس الوزراء السوفيتى نيكيتا خروتشوف، معربة عن أملها فى السلام بعد وفاة زوجها، وخاطبت لورا بوش الصحفيين فى قاعة المؤتمرات الصحفية بالبيت الأبيض، بعد إعصار مدمر فى ميانمار".

كانت ميلانيا ترامب على تواصل دائم مع زوجها، غالبًا عبر رسائل نصية أو مكالمات هاتفية متبادلة طوال اليوم، وفقًا لمصادر مطلعة على الأمر، ومثل زوجها، تتابع السيدة الأولى تغطية إخبارية منتظمة. إن مثل تلك اللحظات تتيح فرصة نادرة لفهم كيفية تواصل السيدة الأولى مع الرئيس.

بصفة عامة يبدو أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مغرم بالاستماع إلى نصائح أفراد عائلته، بل وأخذها بعين الاعتبار، فقد سبق أن أعلن أن الفضل فى نجاحه بالانتخابات الرئاسية، يرجع جزئيا إلى الدور الذى لعبته برامج "البودكاست"، فى جذب ترامب لشريحة مهمة من الناخبين الأمريكيين وهم الشباب الذكور، وذلك عملا بنصيحة ابنه الأصغر بارون ترامب، مما كان له أثر فاعل فى صعود ترامب سياسيا من جديد.

وتجدر الإشارة، إلى أنه من غير الشائع اعتراف الرؤساء الأمريكيين، بمشورة زوجاتهم، وربما كان الأكثر جرأة فى هذا الشأن، مثل دونالد ترامب، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، تونى بلير، الذى لم يخف تأثير زوجته شيرى.

فكل أربع سنوات، ينتخب مواطنو الولايات المتحدة الأمريكية رئيسا، ومع دخول الرئيس الجديد المكتب البيضاوى، تنتقل عائلته بأكملها إلى البيت الأبيض، وبالطبع من بينهم زوجته التى، خلافا للرئيس، لم تكرس حياتها من قبل للسياسة، ولم تحلم بالإقامة فى البيت الأبيض، ميلانيا ترامب، عارضة الأزياء السابقة، ميشيل أوباما المحامية السابقة، ولورا بوش، أمينة المكتبة سابقا، جميعهن نماذج بارزة لسيدات عشن حياة منفصلة عن السياسة والمناصب العامة، لم يقمن قط بخوض غمار المنافسة بل سلطت عليهن الأضواء بانتخاب أزواجهن، يصبحن بين عشية وضحاها المسئول الأعلى رتبة فى السياسة الأمريكية غير المنتخب، يتولى هؤلاء السيدات دورا مهما، لكنه غير واضح المعالم، مع عدم وجود مسئوليات محددة منسوبة قانونا لهن، فكان المنصب دوما عرضة للتأويل.

كانت فرصة مشاركة السيدة الأولى فى أمريكا، فى صنع القرار السياسى، متاحة بقوة خفية، ومع ذلك، نادرا ما أقر رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية بالاعتماد على مشورة زوجاتهم، ونظرا لأن أغلب التواصل بين الرؤساء والسيدات الأوائل كان شخصيا وخاصا، فمن المستحيل تقييم الدور الذى لعبته كل امرأة بدقة، وبحلول أواخر القرن العشرين، كثرت الروايات، فكثيرا ما ألفت زوجات الرؤساء، كتبا لسرد قصص حياتهن، وكشف بعض الموظفين أمورا عما لاحظوه عن السيدة الأولى، وغطى الصحفيون أخبار جميع أفراد حاشية البيت الأبيض بالتفصيل.

بعد وقت قصير من هجوم بيرل هاربور عام 1941، تحدثت السيدة الأولى إليناور روزفلت، إلى الشعب الأمريكى، عبر برنامج إذاعى أسبوعى، ووجهت كلمات واثقة للشعب الأمريكى، وأصبحت بذلك أول شخصية عامة تتحدث عن القصف الذى أدخل الولايات المتحدة الأمريكية رسميا الحرب العالمية الثانية، استخدمت الوسيلة السائدة آنذاك - الراديو- للتحدث مباشرة مع الأمريكيين، وبعد عقود استخدمت السيدة الأولى ميشيل أوباما، وسائل التواصل الاجتماعى والبرامج التليفزيونية المسائية لتحقيق الهدف ذاته، كما سعت ميشيل أوباما إلى جعل نفسها قريبة من الناس، من خلال مشاركة مقاطع فيديو لها، وهى تتجول فى المتاجر.

قالت كاتى روجرز - مراسلة البيت الأبيض، لصحيفة نيويورك تايمز، ومؤلفة كتاب "المرأة الأمريكية.. تحولات السيدة الأولى من هيلارى كلينتون إلى جيل بايدن": لم يسبق لأحد أن رأى سيدة أولى تفعل ذلك من قبل، كانت تتمتع بشخصية مألوفة يعشقها الناس.
وتلخص روجرز أهم ملاحظتها، حول تغير دور السيدة الأولى فى النقاط التالية:
تعكس السيدات الأول فى أمريكا الدور المتغير للمرأة فى المجتمع، فى حين أنهن شغلن منصبا شرفيا، قامت إليناور روزفلت، يتحويل المنصب فى وقت بدأت فيه المزيد من النساء فى العمل خارج المنزل، تحدثت روجرز كذلك عن قدرة السيدات الأوائل، على تشكيل السياسة والسياسات العامة والتأثير على المجتمع على نطاق واسع.
تطور دور الدبلوماسية الدولية، لدى السيدات الأول بعد الحرب العالمية الثانية، فبرغم أن إديث ويلسون وإليناور روزفلت قد أرستا سابقة فى هذا المجال، فإن جاكلين كنيدى، رسخت قواعد السلوك الدبلوماسى

خلال الحرب الباردة، تستخدم السيدات الأول الدبلوماسية الناعمة كقوة موازنة للسياسات العسكرية لتعزيز المجتمع المدنى، فبجانب دبلوماسية الموضة يمتلكن مهارة مهارات التفاوض الناعمة، كرحلات بات نيكسون الإنسانية ودعمها للانفراج مع الصين، روزالين كارتر ودورها فى أمريكا اللاتينية والدعوة إلى السلام بالشرق الأوسط، ونانسى ريجان ودورها فى الترويج لإنهاء الحرب الباردة، وبالطبع الشخصية الكاريزمية هيلارى كلينتون التى طغا بريقها على زوجها بيل كمدافعة عن حقوق المرأة، ودعم لورا بوش للنساء والفتيات الأفغانيات، وجهود ميشيل أوباما العالمية لتعزيز تعليم الفتيات.
شبهت كلينتون، مثل نانسى ريجان، فى الصحافة بليدى ماكبث، الشخصية الشهيرة فى مسرحية شكسبير، فدائما ما كان يقابل هذا النوع من السيطرة أو النفوذ السياسى، أو مجرد اقتراب السيدة الأولى من السلطة بالانزعاج، حيث إنه لا يمكن إقالتها، لا يمكن تطبيق الضوابط والتوازنات المعتادة حيالها.
يقول جيل تروى - أستاذ التاريخ بجامعة ماكجيل - ومؤلف كتاب "السيد والسيدة الأولى: من آل ترومان إلى آل كلينتون" "تكمن أهم سلطات السيدة الأولى فى تحديد صلاحيات الوصول، أى من يحق له مقابلة الرئيس، ثم على مدار أشهر، تصبح بشكل متزايد من الشخصيات الرئيسية التى تتخذ القرارات".

عندما بدأ الجمهور يكتشف الأمر، لم يقبل به. يقول تروى: إن السيدات الأوائل وصلن إلى تلك المكانة فى القرن العشرين، فبعد عقد من إديث ويلسون، ظهرت إليناور روزفلت، ولأن زوجها الرئيس فرانكلين روزفلت كان يستخدم كرسيا متحركا، ولم يرغب فى الظهور به بالأماكن العامة، أصبحت إليناور بمثابة سفيرة له، كما تقول روث ماندل، مديرة معهد إيجلتون للسياسة بجامعة روتجرز.
كانت هناك سيدات أوائل أكثر نفوذا بعد روزفلت، منهن الليدى بيرد جونسون، روزالين كارتر، نانسى ريجان التى كانت تتحكم وتحدد الجدول اليومى لزوجها، ويقال إنها كانت تحاول حمايته بشدة، ليس فقط حمايته بالمفهوم المعتاد صحيا، بل حمايته من الموظفين والخبراء الذين تعتقد أنهم لا يقدمون له نصائح جيدة أو لا يخدمونه بشكل جيد، وذلك وفق كلام روث ماندل.
ثم فى تسعينيات القرن الماضى ظهرت هيلارى كلينتون، لتقلب الموازين بشكل صريح وأكثر ريقا وثقة، حيث ظهرت طموحاتها فى مقابلة أجريت عام 1992 قائلة عن زوجها بيل كلينتون" إنه هو من انتخب ويتخذ القرارات الرسمية، لكننى أهتم بما يفعله وما يحدث وأرغب دوما فى مشاركته".

إن زمن النظر إلى أزواج السياسيين على أنهم مجرد استعراض عام لا قيمة حقيقية له قد ولّى، فى العصر الحديث، يتمتع أزواج وزوجات قادة العالم بنفوذ أكبر، فى القرن العشرين، حيث قُدّمت زوجات شهيرات مثل جاكلين كينيدى كشخصيات تستحق أن تكون محط الأنظار دون أن تتمتع بأى سلطة تُذكر، لكنها تحمل كل صفات النجومية وخطف الأضواء، أما دينيس تاتشر، زوج أول رئيسة وزراء للمملكة المتحدة، فقد رفض التحدث إلى الصحافة إطلاقًا، وساند زوجته دون أن يدعى لنفسه أى سلطة أو سطوة، كذلك كان زوج المستشارة الألمانية سابقا أنجيلا ميركل، يُفضل البقاء خلف الكواليس
وتعتبر هيلارى كلينتون، التى شغلت منصب السيدة الأولى للولايات المتحدة بين عامى 1993 و2001، تُعتبر من أكثر السيدات الأوليات انخراطًا ومبادرةً فى تاريخ الولايات المتحدة.
يمكن القول إننا ما زلنا فى فترة لا نريد فيها لأزواج قادة العالم أن يتدخلوا فى السياسة. لطالما تعرضت كارى جونسون، زوجة رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون، لانتقادات الصحافة بسبب نفوذها المزعوم على زوجها، ويُزعم أن السيدة جونسون كانت وراء بعض التعديلات فى حكومة جونسون، وأشهرها خروج لى كين.

مع ذلك، ورغم تصوير كارى جونسون كشخصية ميكافيلية فى الإعلام البريطانى، يتمتع الأزواج حول العالم بالقدرة على التأثير فى القضايا والنقاشات الرئيسية فى المجال العام باستخدام مناصبهم المؤثرة، منذ تولى تونى بلير منصبه، أقر جميع رؤساء الوزراء الذين تولوا المنصب بالاعتماد على زوجاتهم فى تقديم النصائح لهم، وتمكنوا جميعًا من استخدام شريكاتهم لمناقشة الأفكار.
وبالمثل، فى فرنسا، يُقال إن بريجيت ماكرون قوة مؤثرة رئيسية فى قصر الإليزيه، وتُقدم لزوجها المشورة بانتظام قبل اتخاذ قرارات مهمة، ويُقال إن للسيدة الفرنسية الأولى صوتا مؤثرا فى التعديلات الوزارية، بالإضافة إلى صنع السياسات المحلية، ومن المعروف عنها أيضًا دخولها فى خلافات مع بعض العاملين بالقصر، وكذلك الحال أيضا فى بريطانيا مع فيكتوريا ستارمر، زوجة رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر.

ومع ذلك، فبينما تشتهر السيدات الأوائل فى أمريكا، على سبيل المثال، بإطلاق مبادرات مثل حملة ميلانيا ترامب لمكافحة التنمر "كن الأفضل"الشهيرة، أو حملة ميشيل أوباما لمكافحة السمنة وتعزيز التغذية الصحية، إلا أن أزواج قادة العالم لا يبدون على الساحة العالمية سوى مجرد أدوات لالتقاط الصور، يقومون بنزهات على طول الشواطئ، وحضور حفلات شواء، دون مناقشة القضايا الرئيسية التى يواجهها العالم علنًا.

فى حين يصعد الزعماء العالميون باستمرار إلى المسرح فى العديد من الأحداث على مدار العام، فإن زوجاتهم بشكل عام، باستثناء فرص التقاط الصور، أكثر ميلا إلى عدم الانخراط فى السياسة علنًا والبقاء خلف الكواليس، ودعم أزواجهن أو زوجاتهم بشكل خاص.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام