فى ظل مشهد دولى يتغير بوتيرة متسارعة، تكتسب قمة منظمة شنغهاى للتعاون هذا العام أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها تجمع تحت سقف واحد قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند، بل لأنها تحمل مؤشرات على تحولات نوعية فى موازين القوة العالمية، من أبرزها بروز ملامح تقارب صيني–هندى بعد سنوات من التوترات الحدودية، والتنافس الإقليمى الذى حال دون بناء أرضية مشتركة بين البلدين، إن انعقاد القمة فى هذا التوقيت يعكس حاجة ماسة لدى القوى الصاعدة إلى صياغة أطر جديدة للتعاون، بما يضمن لها موقعًا أكثر تأثيرًا فى النظام الدولى الذى يمر بمرحلة إعادة تشكيل واضحة. وفى هذا السياق، جاء تمثيل مصر فى القمة من خلال مشاركة الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسى، ليضفى على القمة بعدًا إضافيًا يرتبط بمصالح القاهرة ورؤيتها لدورها فى التوازنات الدولية. فالحضور المصرى لم يكن مجرد مشاركة رمزية، بل إشارة واضحة إلى رغبة مصر فى تعزيز انخراطها فى التكتلات الدولية الناشئة، واستثمار موقعها الجغرافى ودورها التاريخى لتكون جسرًا للتواصل بين منظمة شنغهاى والعالمين العربى والإفريقي.
ولعل اللقاء الذى جمع مدبولى بالرئيس الصينى شى جين بينج فى مدينة تيانجين مثل محطة مفصلية فى تأكيد هذه الرؤية؛ حيث شدد الرئيس الصينى على دعمه الكامل لسيادة مصر ومواقفها الإقليمية، مشيدًا بالعلاقات الثنائية التى ستحتفل العام المقبل بمرور 70 عامًا على تأسيسها. كما أبدى تطلع بلاده لتعزيز التعاون الاقتصادى مع القاهرة فى مجالات إستراتيجية مثل الطاقة المتجددة، المركبات الكهربائية، وتحلية المياه، إلى جانب دعم السياحة والاستثمار، بل وطرح إمكانية إصدار سندات "الباندا" مجددًا. ومن جانبه، نقل مدبولى تحيات الرئيس السيسى، مؤكدًا أن الصين تمثل الشريك الإستراتيجى الأكثر موثوقية لمصر، وأن الاستثمارات الصينية فى البلاد تجاوزت 3 مليارات دولار، وهو ما يعكس توافقًا مشتركًا على دعم الاستقرار الإقليمى وتوسيع الشراكة التنموية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على المستوى الأوسع، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه أجندة القمة من مواقف بشأن القضايا العالمية الكبرى، وفى مقدمتها الحرب فى أوكرانيا والتنافس المتصاعد مع الغرب، وسط تساؤلات عما إذا كان التقارب بين بكين ونيودلهى، سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادى، ويحوّل منظمة شنغهاى إلى تكتل قادر على التأثير فى مسارات التجارة والطاقة والاستثمار عالميًا. أما بالنسبة لمصر، فإن مشاركتها تثير جملة من التساؤلات الإستراتيجية حول المكاسب التى يمكن أن تجنيها من هذا الانخراط، وما إذا كانت قادرة على لعب دور "جسر تواصل" بين المنظمة ومحيطها العربى والإفريقى، بما يمنح القاهرة مساحة أوسع لتعزيز حضورها الدولي. ويبقى السؤال الأوسع معلقًا: هل يمهّد هذا التقارب بين القوى الكبرى داخل منظمة شنغهاى لمرحلة جديدة من التعاون والازدهار، أم أن التباينات الكامنة ستظل حجر عثرة أمام تحقيق طموحاتها المستقبلية؟
فى سياق القمة، ألقى الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، كلمة مصر خلال مشاركته نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئيس الجمهورية، فى قمة "منظمة شنغهاى للتعاون بلس" التى تستضيفها مدينة تيانجين الصينية. وقال رئيس الوزراء فى بداية كلمته: "أتقدم إلى فخامة السيد الرئيس "شى جين بينج"، بكل التحية والتقدير، وأُعرب عن خالص شكرى على دعوته الكريمة للمشاركة فى أول قمة تعقدها منظمة شنغهاى للتعاون بصيغة SCO Plus . وأشار الدكتور مصطفى مدبولى إلى أن هذه القمة، تُعقد تحت عنوان "تنفيذ التعددية، وضمان الأمن الإقليمى، وتعزيز التنمية المستدامة"، فى وقت يشهد فيه العالم تحديات مُتشابكة وَعَابرة للحدود تَفُوق قُدرات أى دولة مُنفردة، مضيفا: نُثّمن "روح شنغهاي" التى تأسست المنظمة على مبادئها عام 2001، وتركز على الثقة، والمنفعة المتبادلة، والمساواة، واحترام اختلاف الحضارات والثقافات؛ كما نُثمّن ما بذلته الصين من جُهد خلال فترة رئاستها للمنظمة فى إذكاء روح المنظمة. وتابع رئيس الوزراء: مما لاشك فيه، فإنه تُوجد علاقة مباشرة بين الأمن الإقليمى والتنمية المستدامة، ومن هنا تُوجد ضرورة لتفعيل الآليات الأمنية الإقليمية المختلفة بالشكل الذى يُحقق أمناً مُساوياً لكل الدول، بحيث يضمن احترام سيادة الدول، وشواغلها، ومحاربة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله ومعالجة جذوره الاجتماعية والاقتصادية، وتسوية الخلافات عبر الحوار. وأوضح رئيس الوزراء أن قمة اليوم تأتى فى ظرف دَوْلى دقيق، يشهد تهديداً لمصداقية النظام الدولى متعدد الأطراف، قائلا: وفى هذا الإطار، فإننى أود الإشارة إلى الحرب الإسرائيلية المُستمرة ضد أبناء الشعب الفلسطينى الشقيق، والذى يُواجه جميع أشكال القتل والترويع والتجويع والانتهاك الصارخ لحقوقه، حيث وصلت حصيلة الضحايا المدنيين قرابة 60 ألفًا والمصابين حوالى 119 ألفًا. ولذا، فإن هذه الحرب لم تعد حرباً لتحقيق أهداف سياسية أو إطلاق سراح رهائن، بل حربٌ للتجويع وتصفية القضية الفلسطينية. وشدد الدكتور مصطفى مدبولى، خلال كلمته، على أن مصر تدين بأشد العبارات قيام إسرائيل بتوسيع عملياتها العسكرية فى قطاع غزة، والمساعى الإسرائيلية لجعل قطاع غزة غير قابل للحياة فى محاولة لتهجير الشعب الفلسطينى من أرضه، فضلاً عن إدانة الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية فى الضفة الغربية خاصة عنف المستوطنين والأنشطة الاستيطانية، التى تستهدف القضاء على حل الدولتين. وأضاف: وَغَنِيُّ عن البيان أن مصر تَبذل جُهوداً مُكثفة بالتعاون مع كل الشركاء للتوصل لوقف إطلاق النار، وهنا أود التأكيد أنه من الضرورى أن تقبل إسرائيل الطرح الحالى بوقف مؤقت لإطلاق النار يتم خلاله التفاوض حول سبل إنهاء الحرب وإعادة إعمار قطاع غزة وفقاً للخطة العربية الإسلامية، بالإضافة إلى العمل على الدفع باتجاه عملية سياسية تضمن تنفيذ حل الدولتين. وتابع رئيس الوزراء: تؤكد مصر على أن إقامة دولة فلسطينية مُوحدة على خطوط الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، يظل هو السبيل الوحيد للحل العادل والشامل، الذى يُعيد الاستقرار للمنطقة والعالم. وأكد الدكتور مصطفى مدبولى أن مصر تثمن صيغة "SCO Plus"، باعتبارها منصة لتعزيز التشاور ودفع التعاون بين الدول الأعضاء ودول شركاء الحوار بالمنظمة والدول الأخرى المتشابهة الفكر. وأضاف: فى هذا الإطار، أود التأكيد على أهمية بذل الجهود لإصلاح النظام العالمى ليكون أكثر عدالة، فضلاً عن أهمية دعم دور الأمم المتحدة فى النظام الدولى القائم على القانون الدولي. وتابع: تود مصر أن تعرب عن تأييدها لمبادرات فخامة الرئيس الصينى، شى جين بينج، والتى من شأنها دعم جهود إصلاح النظام الدولى لمواجهة التحديات الراهنة وجعل العالم أكثر أمنًا واستقرارًا أسوة بالعديد من الأفكار والمبادرات المطروحة لتحقيق هذه الأهداف التى نصبو إليها. كما أكد رئيس الوزراء أهمية القيام بإصلاح جذرى فى الهيكل المالى العالمى ومؤسسات التمويل الدولية، بما يشمل تطوير سياسات بنوك التنمية متعددة الأطراف وتوفير التمويل الميسر للدول النامية لدعمها فى مواجهة تداعيات الأزمات الدولية، إلى جانب ضرورة إيجاد حلول مستدامة لقضية الديون. كما شدد الدكتور مصطفى مدبولى على تعزيز مبدأ المسئولية المشتركة متباينة الأعباء، خاصة فى مواجهة تغير المناخ وحوكمة الموارد الطبيعية الشحيحة على كوكبنا، قائلا إن حجر الأساس لرفع مستويات التعهدات المناخية، يرتبط بصورة مباشرة بشكل وحجم الدعم الدولى من التمويل، وتوافر القدرات التكنولوجية المتطورة، والملكية الوطنية للمشروعات. وأكد رئيس الوزراء أن مبدأ المشاركة والمسئولية المشتركة يتلازم مع رفض النهج الأُحادى فى إدارة قضايا الموارد الدولية وتسوية الخلافات التى تنشأ بشأنها، مشيرا إلى أن ذلك ينطبق بطبيعة الحال على قضية إدارة المجارى والأنهار المائية الدولية العابرة للحدود، خاصة فى ظل ظروف أزمة مائية عالمية، نعانى منها بشكل خاص فى مصر. وفى هذا الإطار، أشار الدكتور مصطفى مدبولى إلى أن مصر دولة كثيفة السكان تحيا فى بيئة صحراوية قاحلة وتعتمد بشكل شبه مطلق على نهر النيل للوفاء بمواردها المائية المتجددة، مضيفا أن مبدأ التعاون مع دول حوض النيل الشقيقة يمثل الركن الأساسى فى المقاربة المصرية للتوصل لأفضل السبل لإدارة موردنا المائى المشترك بما يُحقق المنفعة للجميع، وفقاً لقواعد القانون الدولى لتحقيق الاستخدام المنصف دون وقوع ضرر ذى شأن. كما أوضح رئيس الوزراء أن التطبيقات التكنولوجية المتطورة، وخاصة الذكاء الاصطناعى، تُمثل مُحفزاً رئيسياً لتحقيق التنمية المستدامة، مؤكدا أهمية تعزيز التعاون لوضع سياسات تضمن استخدامها بشكل أخلاقى ومسئول، وضمان الوصول العادل لتقنيات الذكاء الاصطناعى وتلبية التحديات التى تواجه الدول النامية مع احترام أولوياتها الوطنية. الملفات السياسية فى البداية، قال الدكتور محمد عثمان، الباحث فى العلاقات الدولية، إن القمة السنوية لمنظمة شنغهاى للتعاون التى تنعقد بمدينة تيانجين الصينية، موضحا أن هذه القمة تأتى فى وقت يعيش فيه المشهد الدولى تغيرات جذرية، وتواجه فيه المنظمة تحديات كبيرة فى ظل انخراط عدد من دولها الأعضاء فى حروب وصراعات خلال الفترة الماضية، من بينهم الهند وباكستان اللتان انخرطتا فى صدام عسكرى مباشر لعدة أيام، والذى لعبت الولايات المتحدة الدور الأساسى فى التوسط لإنهائه فى ظل غياب شبه تام لمنظمة شنغهاى عن المشهد. وأكد أنه فى ظل هذه التحديات تنعقد القمة السنوية لمنظمة شنغهاى، والتى سيكون حدثها الأبرز والأهم هو حضور رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى، حيث إنها ستكون أول زيارة يقوم بها الزعيم الهندى للصين منذ نحو ست سنوات، وذلك فى وقت تسعى فيه كل من بكين ونيودلهى للتقارب وإدارة الخلافات فى ظل جموح أمريكى فى التعاطى مع كلتا الدولتين بعدد من الملفات أهمها التجارة والرسوم الجمركية. وتابع أن من المتوقع أن تعود المحادثات الصينية الهندية بشأن الحدود المعطلة منذ اشتباكات عام 2020 الحدودية لمسارها، لكن اللافت أن هذا التقارب الصينى الهندى المتوقع ومساعى معالجة الخلافات فيما بينهما لن يكون على الأرجح تحت مظلة منظمة شنغهاى أو البريكس أو غيرها، بل سيتم فى الإطار الثنائى حصرًا. المحور الاقتصادى من جانبه، قال الدكتور عمر أحمد البستنجى، الباحث الأردنى فى الاقتصاد السياسى ، إن منظمة شنغهاى للتعاون تعد اليوم أحد أبرز التكتلات الإقليمية الصاعدة فى العالم، موضحًا أنها تمتد على مساحة شاسعة تمثل نحو 60% من أوراسيا، ويعيش فى نطاقها أكثر من 54% من سكان العالم، أى ما يقارب 3.4 مليار نسمة، كما تسهم بنحو 20% من إجمالى الناتج الاقتصادى العالمي. وأضاف أن المنظمة، ومنذ تأسيسها عام 1996 كمنصة سياسية وأمنية، أخذت تتجه تدريجيًا نحو تعزيز أدوارها الاقتصادية، وهو ما يظهر جليًا فى تضاعف حجم التجارة البينية بين دولها من 667 مليار دولار فى مطلع الألفية إلى أكثر من ستة تريليونات دولار عام 2020، وارتفاع حصتها من التجارة العالمية إلى 17.5% عام 2021، فيما بلغ الناتج المحلى الإجمالى لدولها مجتمعة 24.4 تريليون دولار خلال عام 2023. وأكد أن هذه المؤشرات تضع المنظمة فى مصاف القوى الاقتصادية الكبرى، غير أن السؤال الجوهرى الذى يفرض نفسه – بحسب قوله – هو إلى أى مدى يمكن للتقارب الهندى – الصينى أن يعزز من موقعها كمحرك للتعاون الاقتصادى بين أعضائها؟ وأشار إلى أن الهند والصين تمثلان معًا مركز الثقل فى معادلة المنظمة إلى جانب روسيا، موضحًا أن الهند تحتل المرتبة الخامسة عالميًا من حيث الناتج المحلى الإجمالى وتعد من أسرع الاقتصادات نموًا بمعدل يقارب 6% سنويًا، بينما تمثل الصين ثانى أكبر اقتصاد عالمى بناتج محلى إجمالى يتجاوز 17.8 تريليون دولار، فضلًا عن كونها القلب النابض لسلاسل التوريد العالمية. وشدد على أن الجمع بين هاتين القوتين داخل إطار واحد يعنى خلق قاعدة سوقية تتجاوز المليارين ونصف المليار نسمة، وهو ما يمنح المنظمة قدرة تفاوضية ضخمة ويجعلها منافسًا محتملاً للتكتلات الاقتصادية الغربية. وأضاف أن مشروع تراسيكا الذى يصل آسيا الوسطى بأوروبا عبر القوقاز والبحر الأسود يجعل من دول المنظمة جسرًا إستراتيجيًا بين الشرق الأوسط وأوروبا، فيما تكتسب مبادرة الحزام والطريق الصينية – بحسب قوله – زخمًا أكبر إذا تلاقت مع الإرادة الهندية، وهو ما يعنى السيطرة على جزء معتبر من حركة التجارة العالمية وتخفيف العقبات السياسية التى طالما أعاقت استثمار هذه الممرات. وأكدأن قوة هذا المشهد تتضاعف إذا أخذنا بعين الاعتبار معطيات الطاقة، حيث إن دول المنظمة تسيطر على نحو 20% من احتياطيات النفط العالمية و44% من احتياطيات الغاز الطبيعى، إلى جانب ما تمتلكه من معادن إستراتيجية وقدرات زراعية واسعة، موضحًا أن من شأن هذا التعاون أن يحول هذه الموارد إلى ورقة ضغط اقتصادية تؤثر بشكل مباشر فى اتجاهات وأسعار الطاقة العالمية، بما يتيح للمنظمة لعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية، ليشمل إعادة صياغة قواعد الاقتصاد الدولي. وأشار إلى أن مقترحات الصين بإنشاء صندوق تنمية وبنك مشترك للتنمية، تمثل مؤشرات مبكرة على هذا التوجه نحو بناء مؤسسات مالية بديلة للبنك الدولى وصندوق النقد الدولى، موضحًا فى الوقت نفسه أن هذا المسار ليس خاليًا من التحديات. وأوضح أن التنافس التاريخى بين الصين والهند، بما فى ذلك الخلافات الحدودية، قد يشكل عقبة أمام بناء ثقة إستراتيجية طويلة الأمد، إضافة إلى أن علاقات الهند مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة تضعها فى موقع متأرجح بين واشنطن وبكين. رؤية إستراتيجية من جانبها، قالت د. إسراء أحمد إسماعيل، مديرة إدارة قضايا إستراتيجية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، إن منظمة شنغهاى للتعاون (SCO) أصبحت منذ تأسيسها عام 2001 واحدة من أبرز الأطر الإقليمية التى تجمع بين قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند إلى جانب قوى إقليمية وآسيوية. وأضافت أن من أبرز مظاهر التقارب بين هذه القوى داخل المنظمة هو تزايد التشابك الأمنى، والذى يتضمن التعاون فى مجال مكافحة الإرهاب والتطرف والانفصالية، أو ما يُعرف بـ"الشرور الثلاثة"، مشيرة إلى أن إنشاء الهيكل الإقليمى لمكافحة الإرهاب (RATS) فى طشقند جاء كآلية تنسيقية مهمة، إلى جانب إجراء تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة. وأوضحت أن ذلك يقابله تعاظم فى المصالح الاقتصادية المشتركة، فالصين تحتاج إلى الأسواق والطاقة، بينما روسيا تحتاج إلى منافذ جديدة فى ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها، فى حين تبحث الهند عن تأمين مصادر الطاقة، وهو ما يفتح الباب أمام مشروعات تكاملية كبرى. وقالت: "كذلك تجدر الإشارة إلى مساعى دول المنظمة نحو استخدام العملات المحلية فى التجارة، وإنشاء آليات مالية مستقلة، مما قد يزيد من استقلاليتها عن الغرب ويُعزز تكاملها". وأكدت أن هذا المسار ينسجم أيضًا مع التقارب السياسى، من خلال تعزيز مبدأ تعددية الأقطاب فى النظام الدولى، والتوافق على عدم التدخل فى الشئون الداخلية واحترام السيادة، إضافة إلى دعم القضايا الوطنية لبعضهم البعض، مثل دعم الصين لروسيا فى مواجهة الغرب، والتقارب فى المواقف بخصوص أوكرانيا وتايوان. وأضافت أن هناك تقاربا فى مجال الطاقة والموارد عبر تدشين مشروعات مشتركة فى الطاقة النووية والمتجددة، وتعزيز الربط فى شبكات الكهرباء والغاز عبر آسيا الوسطى، وتابعت قائلة: "كذلك هناك محاولات للربط بين ممرات مشروع الحزام والطريق الصينى والمشاريع الروسية والهندية، بما قد يجعل من المنظمة محورًا للتكامل اللوجستي". وأشارت إلى أن الصين، بصفتها الرئيسة الدورية للمنظمة خلال الفترة 2024-2025، تعمل على تعزيز التضامن والتعاون داخل المنظمة، وستستضيف قمة المنظمة فى مدينة تيانجين من 31 أغسطس إلى 1 سبتمبر المقبل، مرجحة أن تكون هذه القمة الأكبر فى تاريخ المنظمة بمشاركة أكثر من 20 قائد دولة و10 مسئولين من منظمات دولية، حيث تسعى بكين لتحويلها إلى محفل تضامنى يدفع المنظمة إلى مرحلة جديدة من التعاون. المشاركة المصرية وفى السياق، أكد د. محمد على إبراهيم، أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية النقل الدولى واللوجستيات، أن مشاركة مصر فى فعاليات قمة منظمة شنغهاى القادمة "تفتح لمصر آفاقًا رحبة للتعاون مع أكبر تكتل إقليمى على المستوى العالمي"، موضحًا أن ذلك التعاون يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية فى آن واحد. وأضاف أن مصر يمكنها على المستوى السياسى أن تتعاون مع دول المنظمة فى مكافحة الإرهاب والتطرف الدينى والحركات الانفصالية، بينما على المستوى الاقتصادى فإن أوجه التعاون "متعددة وقابلة للزيادة عبر الزمن بناء على مستهدفات منظمة شنغهاى للتعاون والموضوعات المطروحة على جدول اجتماعها المقبل". وأكد أن التعاون فى مجالات الطاقة يمثل أولوية قصوى، سواء فى الطاقة الهيدروكربونية عبر الاستكشاف والاستخراج والتصنيع والتوزيع، أو عبر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، وكذلك توليد الكهرباء من مياه البحار، وأضاف: "لا بد أيضًا من تعزيز التعاون فى مجال الطاقة النووية والربط الكهربائى، بما يسهم فى تحويل مصر إلى مركز لتجارة الطاقة، فضلًا عن تعزيز التعاون فى كل الجوانب المتعلقة بأمن وكفاءة الطاقة". وشدد على أهمية التركيز على توطين التكنولوجيا الراقية فى مصر، "استنادًا إلى توافر بعض المعادن الأساسية وإمكانية إعداد كوادر بشرية مؤهلة للعمل فى هذا المجال"، مضيفًا أن مصر يمكنها الاستفادة من تجارب تلك الدول فى الذكاء الاصطناعى والأمن السيبراني. ولفت د. محمد على إبراهيم إلى أن الحرب التجارية التى يشنها الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، وفرض رسوم جمركية مبالغ فيها على بعض الدول، "توفر لمصر فرصة لجذب المستثمرين الراغبين فى التخارج من تلك الأسواق، خصوصا أن مصر تُمثل منفذًا لسوق ضخم بلا رسوم جمركية يشمل السوق الإفريقية والعربية والاتحاد الأوروبى، بحكم عضويتها فى تلك التكتلات". وأوضح أن الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على المنتجات المصرية "لم تتجاوز 10%، وهو ما يمنح المشروعات الاستثمارية المتوطنة فى مصر فرصًا كبيرة للنفاذ إلى السوق الأمريكي". المحافل الدولية وفى السياق ذاتة، قالت د. شيماء محجوب، خبير التخطيط والتنمية المستدامة، إن مشاركة الدكتور مصطفى مدبولى نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسى فى القمة، التى شهدت حضور أكثر من 20 رئيس دولة و10 مسئولين من منظمات دولية، "ستجنى لمصر العديد من الفوائد من حيث تعزيز مكانة مصر كلاعب إقليمى وعالمى، وتعزيز صوتها فى المحافل الدولية، خصوصا فى دعم قضايا الجنوب العالمي". وأضافت أن هذه التوازنات الجديدة داخل المنظمة، "والتى تعكس التوسع الجغرافى والتركيز الاقتصادى والتعددية القطبية، تجعلها منصة مثالية لمصر لتحقيق مصالحها الإستراتيجية على جميع الأصعدة"، مؤكدة أن القمة تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتجارة بين مصر ودول المنظمة، وخاصة فى آسيا الوسطى، وعلى رأسها الصين "كأكبر شريك تجارى لمصر، بحجم تبادل تجارى يصل إلى 20 مليار دولار فى 2024، خصوصا مع دمج رؤية الصين (الحزام والطريق)". وأشارت إلى أنه "وفى ظل الجهود التنموية للحكومة المصرية الحالية، المتمثلة فى تخصيص الاستثمارات نحو التحولات الخضراء، تزامنًا مع التحول نحو القطاعات القابلة للتداول بقيادة القطاع الصناعى والاهتمام بالجانب الإنسانى، فمن المتوقع توسيع الشراكات والاتفاقات فى مجالات الطاقة والبيئة والاستثمارات الخضراء". وأوضحت أن هذا التوجه "ظهر بوضوح خلال زيارة رئيس الوزراء الصينى لى تشيانغ لمصر فى يوليو 2025"، مشيرة فى الوقت نفسه إلى أن مصر "يمكنها بالتوازى تعزيز قدراتها الأمنية للعب دور أكبر فى الشئون الإقليمية، مع تعزيز النفوذ الدبلوماسى، خصوصا فى ظل ما تواجهه من تحديات أمنية كبرى بالمنطقة".