ثقافة



يتعالى بعض الأدباء على كتابتها الرواية البوليسية.. أدب للتسلية!

3-9-2025 | 23:27
⢴ عزمى عبدالوهاب

القراء يخوضون معركة ذكاء بينهم وبين الشرطى السرى
البدايات تعود إلى قصة التفاحات الثلاث فى «ألف ليلة وليلة»
العصر الذهبى لهذا النوع بدأ بظهور «أجاثا كريستى»
فى النصف الثانى من القرن العشرين جرت أحداث زلزلت العالم فتراجعت الرواية البوليسية
حقق دان براون نجاحا تجاريا عندما نشر عام 2003 «شيفرة دافينشى»
لم ينتشر هذا النمط عربيا لأن أغلب الكتاب يفتقدون الثقافة القانونية
كتابة رواية بوليسية بأدوات فقيرة ومخيلة غير معدة جيدا ضرب من المغامرة

تتناول “الرواية البوليسية” اكتشاف أحد رجال الشرطة جريمة ما، وفى هذا النوع من الأعمال، يقدم المؤلف “حل لغز الجريمة” بطريقة مشوقة، تثير فضول القارئ، ويرى كثيرون أن”إدجار آلان بو” هو المؤسس الأول للرواية البوليسية بروايته “حوادث القتل فى شارع مستودع الجثث” التى نشرها سنة 1841 وابتعد فيها عن الخيال، لأنها تقوم على حادثة حقيقية.

وظهر ديكنز فى بريطانيا عام 1852 بروايته “البيت الكئيب” وتدور حول محام، قتل فى مكتبه فى ساعة متأخرة من الليل، وظهر عدد من الأشخاص على الدرج المؤدى إلى مكتبه، فى تلك الليلة، وكان على الشرطى أن يصل إلى معرفة القاتل، وبدأ يظهر ما يسمى أدب الجريمة، الذى تطور فيما بعد، وخرجت من عباءته روايات الجاسوسية. 

غالبية الروايات البوليسية ذات نمط واحد، حيث يتتبع الشرطى السرى مفاتيح اللغز، وقد يكتشف جرائم أخرى فى الطريق، وتبلغ القصة ذروتها عندما يكشف الشرطى عن المجرم، فنعرف كيف تم حل اللغز، وينظر القراء إلى هذا النمط من الكتابة، على أنهم يخوضون معركة ذكاء بينهم وبين الشرطى السري.. ورغم إقبال القراء على هذا النمط من الكتابة، فقد واجه شيئا من تعالى البعض من الأدباء عليه، مقارنة بفنون الكتابة الأخرى، مع أنه لا يقل شأنا عن فنون العصر الحديث، لا من حيث قيمته الأدبية، ولا من ناحية ارتباطه بالتحولات الاجتماعية، فالرواية البوليسية كما يرى البعض، أدب تسلية، نوعا من الكتابة، يحمله القارئ إلى سريره، ليتسلى قبل النوم.

يعود البعض ببدايات الرواية البوليسية إلى قصة التفاحات الثلاث، فى “ألف ليلة وليلة” وفيها يعثر صياد على صندوق مقفل وثقيل، فى نهر دجلة، ويشترى الخليفة العباسى هارون الرشيد الصندوق منه، ويأمر بفتحه، فيجد فيه جثة امرأة مقتولة، فيأمر وزيره بأن يكشف له سر الجريمة والعثور على القاتل فى غضون ثلاثة أيام، وإلا أمر بقتله.
العقدة القصصية

هناك من ينسب نشوء الرواية البوليسية فى الغرب إلى الكاتب الفرنسى فولتير فى روايته “زاديج” التى صدرت سنة 1747 وفيها محاولة حقيقية لتحليل جريمة ودوافعها، لكن كثيرين ينسبون البداية الفعلية لهذه الكتابة إلى “إدجار آلان بو” كما قلنا من قبل، فقد أسس أصولا للعقدة القصصية فى الرواية البوليسية لا تزال معتمدة إلى الآن.
ثم ابتكر “آرثر كونان دويل” شخصية “شيرلوك هولمز” سنة 1887، وهو أشهر محقق جنائى فى الرواية البوليسية، وكان يمتلك ثقافة جبارة، ومقدرة فائقة على الاستفادة من أدق التفاصيل لاستنتاج الحقائق، وخبرة ممتازة فى شأن الأدلة الجنائية تمكنه من حل أعقد الألغاز.

وارتبط العصر الذهبى للرواية البوليسية، بظهور “أجاثا كريستي” وكانت غزيرة الإنتاج، كتبت سلسة روايات، أبطالها محققون جنائيون، واتسمت تلك الروايات بالصعوبة، لدرجة كانت تحير القراء فى اكتشاف اللغز، ومن أشهر رواياتها: “جريمة فى قطار الشرق السريع - موت على النيل - لم يعد هناك أحد”.
فى النصف الثانى من القرن العشرين، جرت أحداث زلزلت العالم، فتراجعت مكانة الرواية البوليسية، لكنها لم تنته، ففى التسعينيات، كان مؤلف الأغانى الفرنسى “دان براون” يقضى إجازته فى الكاريبي، عندما طالع إحدى الروايات، التى جعلته يتخذ قرار التحول إلى كتابة الروايات البوليسية، ونشر بالفعل روايته الأولى “الحصن الرقمي” وجاءت بعد ذلك “حقيقة الخديعة” و”ملائكة وشياطين”.
لم يحقق براون نجاحا تجاريا إلا عندما نشر عام 2003 روايته الشهيرة “شيفرة دافينشي” التى جعلت إحدى المجلات الأمريكية، تصنفه كواحد من الشخصيات الأكثر تأثيرا فى العالم، بسبب الرواج الهائل لهذه الرواية، إذ طبع منها نحو 100 مليون نسخة، وبدأ الكثيرون ينسجون على منوال براون، فالعقدة تبدأ بجريمة قتل، والبطل مثقف، يجد نفسه متورطا فى التحقيق، سعيا إلى حل اللغز. 
وجود مستقل
للرواية البوليسية اليوم وجود مستقل، اعترف بها العديد من الدراسات الأدبية، وقد تبلور هذا الجنس الأدبى فى القرن التاسع عشر، بفضل التطورات التى عرفتها المدينة الأوروبية، وعرف تطورات، جعلت الدارسين يعملون على تصنيفه إلى أنواع، إلا أنه غالبا ما يختزل تعريفه فى اعتباره شكلا فنيا، يطرح لغزا للحل، ويتألف من مجموعة عناصر أساسية: جريمة مستعصية على التفسير، ضحية، محقق، استدلال افتراضي، حل نهائي.
وإذا كان صحيحا أن هذا الجنس الأدبي، طاله التهميش النقدى والأكاديمى مدة طويلة، بالرغم من انتشاره وشعبيته، فإن الأصح أنه نال اهتماما لافتا، فى نهاية القرن العشرين، وبداية الألفية الجديدة، وعلى الأخص فى النقد والفلسفة والتحليل النفسي.
وقد عرفت المكتبة العربية “الرواية البوليسية” عن طريق الترجمة، ومنها عايشنا شخصيات مثل شيرلوك هولمز وأرسين لوبين وجيمس بوند، وحازت هذه الشخصيات شهرة أوسع من مؤلفيها، فبدت وكأنها تتحرك بموازاة شخص الكاتب.
 

حب المغامرة
رغم أن أشهر كاتبة روايات بوليسية فى العالم “أجاثا كريستي” تدور بعض وقائع رواياتها فى أجواء شرقية، فإن هذا الفن لم يكتب له الذيوع والانتشار فى العالم العربي، إلا فى مرحلة متأخرة، وظهرت فقط أسماء تعد على أصابع اليد، حاولت تعريب هذا النمط من الكتابة.
ومن القلائل الذين كتبوا هذا النمط محمود سالم الذى يعد رائدا فى هذا الاتجاه بسلسلة رواياته “المغامرون الخمسة” ونبيل فاروق بسلسلة “رجل المستحيل” وكذلك أحمد خالد توفيق بسلاسله “ما وراء الطبيعة” و”سفاري” و”فانتازيا” وكل هؤلاء ارتبطت الكتابة لديهم بالمزج بين عدة عناصر، تهدف إلى الإثارة والتشويق باعتبارهما الغاية الأولى، فنرى الرعب مقرونا بحب المغامرة بمعرفة القاتل فى نهاية العمل.
تأثرت هذه الكتابات بما يكتب فى الغرب، بدرجة كبيرة، حتى أن الكاتب “آرثر كونان دويل” مبتكر شخصية “شيرلوك هولمز، قد أعلن وفاة بطله، وأقيمت سرادقات العزاء، وانهالت التعليقات والخطابات المرسلة إليه، حتى يبقى على حياة هولمز.

 وهو بالضبط ما فعله فيما بعد أحمد خالد توفيق بخصوص بطله، وكأن الحياة لا تتحرك إلى الأمام، فقد وقف القراء فى طوابير التوقيع، بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، للحصول على آخر نسخة من مغامرات خالد توفيق فيما وراء الطبيعة، قبل أن يموت بطله الرئيسي.
المشكلة أن هذه الكتابات ترتبط بفئات عمرية محددة، وتفتقر إلى جماليات اللغة، إلى حد أنك تستطيع وصف معجمها بالفقر، فالكاتب دائما ما يضع الفئة العمرية، التى يتوجه إليها، فى ذهنه، أثناء عملية الكتابة، ولم ينتشر هذا النمط من الكتابة لدينا، على نحو واسع، لأن أغلب الكتاب يفتقدون الثقافة القانونية.
 وكما يقول الجزائرى عبد القادر شرشار، فإن: “الرواية البوليسية ثمرة التحول الخطر فى التركيبة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعمرانية والسياسية لأوروبا القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين” لذلك لم يكن مستهجنا أن يكتب هذا النمط كتّاب كبار مثل “إدجار آلان بو” وحديثا “دان براون” حتى أن الكاتب السورى رفيق شامى يعتبر بورخيس والد الرواية البوليسية فى أمريكا اللاتينية .
المثير للدهشة، أن كتابا عربا يكتبون الرواية البوليسية، وحين تواجههم بهذا الأمر يرفضون رفضا قاطعا أن تكون لهم علاقة بهذا النمط، ويبحثون عن مبررات رفضهم ذلك التصنيف، الذى يضعهم- حسبما يظنون- فى خانة مبدع من الدرجة الثانية، ومنهم أحمد مراد صاحب “فيرتيجو” و”تراب الماس” وهما روايتان بوليسيتان بامتياز.
يقول مراد: “مفهوم الرواية البوليسية لدينا غير واضح، فالأساس أن يجيب هذا النوع من الروايات عن أسئلة من قبيل: من القاتل وبأى أداة ارتكب جريمته وأين الجثة؟ وأنا لا ألعب هذه اللعبة البوليسية، رغم احترامى لها، أكتب عن مجتمع يحتوى على عناصر مختلفة ومتنوعة، وفى هذا المجتمع شخصيات تتفاعل مع الجريمة، وعن طريق ذلك يتحرك الحدث فى الرواية، لكننى أعرف القاتل بداية من المشهد الثاني، ولا أضع ألغازا أمام القارئ”.
تستطيع أن ترصد توظيف الكاتب الكبير نجيب محفوظ للجريمة وآلياتها، ففى “اللص والكلاب” يتناول جانبا من حياة قاتل شهير هو محمود أمين سليمان، لتمرير أفكار فلسفية حول جريمة من نوع آخر، لا تقل عن الجريمة الجنائية، بل تفوقها خطورة، وهى تحولات المثقف الانتهازي، كما فى شخصية رؤوف علوان.
من قتل ليلى الحائك؟

انشغل كتاب كثيرون بالجريمة فى رواياتهم، ومنهم توفيق الحكيم فى “يوميات نائب فى الأرياف” ومنهم من اتخذ صيغة السؤال البوليسية عنوانا لعمله مثل المنسى قنديل فى “من قتل مريم الصافى؟” وغسان كنفانى الذى غيّر عنوان عمله من “من قتل ليلى الحايك؟” إلى “الشيء الآخر”.
 ومع ذلك لا تستطيع أن تضع مثل هذا النتاج فى دائرة الرواية البوليسية، فالأمر لا يعدو كونه استفادة من آليات محددة كالمطاردة والكشف عن الجريمة، ومع ظهور جيل جديد من الروائيين الشباب، وجيل أصغر نسبيا يكتب ما أطلق عليه أدب “الزومبي” أخذت الرواية البوليسية منحى جديدا، تخلت الكتابة عن فكرة الألغاز والمغامرة والغموض المجاني.
 هذا الجيل ينتمى إلى ثقافة بصرية كانت غائبة عن أجيال الراسخين فى الكتابة، ولديهم انفتاح على السينما العالمية والأفكار الجديدة، من دون انتظار الترجمة التى تأتى متأخرة دائما، فهم يعيشون فى قلب العالم، وبالتالى ينتمون إلى وسط اجتماعى يولى وجهه نحو الغرب، بفضل تطور وسائط التلقى والاتصال، لكن ما يفرقهم عن جيل الرواد فى هذا المجال هو أنهم يستفيدون من التقنيات الحديثة فى الرواية كما يكتبها الكبار .
يلاحظ الروائى أمير تاج السر أن الأدب العربى بأكمله يكاد يخلو مما اصطلح على تسميته الرواية البوليسية، أى تلك التى تتحدث عن جريمة غامضة حدثت، وتجرى محاولات حل غموضها طوال النص، أو تلك القائمة على صراع استخباراتى بين دول متعددة، يعمل عليه الكاتب حتى النهاية.
ويرى أن الأدب البوليسى من أكثر الآداب شيوعا فى الغرب، وقد ظهرت فيما بعد شخصيات لمحققين اشتهروا بشدة، حتى كادوا أن يصبحوا حقيقيين مثل هركيول بوارو فى روايات البريطانية أجاثا كريستي، والمفتش جاليمار فى الروايات الفرنسية التى يقوم ببطولتها اللص أرسين لوبين.
 فى السنوات الأخيرة، تطور ذلك الأدب بشدة، واكتسب شعبية أكثر، وظهر نجوم لمثل هذه الروايات، مثل الأمريكى ستيفن كينج الذى تتحدى مبيعات كتبه كل مبيعات الكتب الأدبية الأخرى، وله قراء لا يمكن لأى كاتب أدبى أن يظفر بقليل منهم.

ومع ذلك، فإن الرواية البوليسية لن تكون من بين أجناس الكتابة العربية الشائعة فى أى يوم، وأى محاولة لكتابة رواية بوليسية بتلك الأدوات الفقيرة، والمخيلة غير المعدة جيدا، ستكون ضربا من المغامرة التى تبعد القارئ عن القراءة، أكثر مما تقربه إليها، فهناك الكثير من الأسئلة المطروحة حول وضع الرواية البوليسية وسر غيابها.
الروايات البوليسية مغامرات عقلية، مغامرات خيال حر لفرد حر، ومع وجود قارئ معتاد على البلاغة العربية – كما يرى الروائى اللبنانى فواز حداد - يصعب ابتكار لغة بوليسية، وجو بوليسي، فى الكتابة، خاصة فى مجتمع مغلق، فى حين أن البعض يعود بأسباب الغياب إلى أن الرواية البوليسية تكتب لشعب آمن، ولا تكتب لشعوب مهددة بالحروب والكوارث، الرواية البوليسية تحتاج إلى عدالة وحرية.
من قتل روجير أكرويد؟

يعد كتاب “من قتل روجير أكرويد؟ الرواية والتحليل النفسي” لبيير بيار من الكتب التى لقيت اهتماما واسعا، لأسباب مهمة، على رأسها أنه كتاب نقدي، يغير من نظرتنا إلى الرواية البوليسية، ويسائل “النقد البوليسي” التقليدى فى أسسه ومنطلقاته، ويدعونا إلى اكتشافات جديدة، لا فى سبل القراءة والتأويل فحسب، بل فى السبيل التى تقود إلى إعادة البناء والكتابة.
أهمية الكتاب، الذى ترجمه إلى العربية “حسن المودن” وصدر عن دار رؤية للنشر والتوزيع، لا تعود إلى أن صاحبه يقرأ الرواية البوليسية، من منظور نفسانى جديد فحسب، بل تعود إلى كونه لا يكتفى بالتحليل والتفكيك والنقد والتقويم، بل إنه يتعدى ذلك إلى إعادة كتابة رواية بوليسية، من زاوية نظر جديدة ومغايرة، كأنما الناقد يتحول إلى كاتب ثان لهذه الرواية.
ينطلق “بيير بيار” فى دراساته من أسئلة أساسية: ماذا لو كانت هناك حقيقة أخرى داخل العمل الأدبى البوليسي، غير التى اقتنع بها القراء والنقاد لزمن، قد يصل إلى قرون، كما فى حالة هاملت شكسبير؟ ماذا لو كانت الرواية البوليسية هى الأخرى مسرحا للأخطاء القضائية والتحقيقات الخاطئة؟ ألم يسبق لفولتير أن قام بهذا النوع من التحقيق، معبرا عن تحفظاته على المسئولية الجنائية للملك أوديب؟ ماذا لو كان المحققون فى الروايات البوليسية مخطئون فى استدلالاتهم ومنطقهم، كما هو الشأن بالنسبة إلى المحقق فى رواية “مقتل روجير أكرويد” لأجاثا كريستي، أو كما هو الأمر بالنسبة إلى المحقق شيرلوك هولمز فى قضية “كلب باسكيرفيل”؟

هذه الأسئلة التى دفعت “بيير بيار” إلى وضع منطلقات جديدة للنقد النفسى للرواية البوليسية، من أهمها أن مهمة المحلل هى أن يقوم بتحقيق مضاد، فالمجرمون فى الأدب كما فى الحياة، قادرون على الإفلات من تحقيقات المحققين، والشخصيات الأدبية ليست شخصيات ورقية، بل هى شخصيات حية يمكنها أن ترتكب جرائم دون علم الكاتب المؤلف، ولكن هناك دائما فرصة لإعادة التحقيقات من جديد، وكشف النقاب عن الحقيقة.

لا تعود أهمية هذا الكتاب إلى كونه يكشف الاسم الحقيقى للقاتل، بل قيمته تتعلق بأنه يقترح علينا التفكير من جديد فى عمل المؤول أو القارئ وطريقة اشتغاله، وقد نجح “بيير بيار” فى تأسيس نوع جديد من النقد البوليسي، أو الأصح استطاع أن يؤسس نوعا أدبيا جديدا، يقوم على ثلاثة عناصر: رواية بوليسية، كتاب حول القراءة، تفكير فى التأويل، وهو نوع أدبى يمكن أن نسميه: المحكى البوليسى النظري، ذلك لأن “بيير بيار” فى كل دراسة من دراساته، يقدم رواية بوليسية داخل الرواية البوليسية، وقاتلا وراء قاتل، وتحقيقا وراء تحقيق.
يحيل عنوان هذا الكتاب على الرواية المشهورة لأجاثا كريستى “مقتل روجير أكرويد” التى تكشف من خلالها أن القاتل هو السارد نفسه، وهذه الخلاصة لم تقنع “بيير بيار” فدعا إلى تحقيق مضاد، وإلى طرح سؤال: من قتل روجير أكرويد؟ وتبعا للتحقيق الذى أجراه، فإن الحقيقة الوحيدة فى الرواية هى مقتل أكرويد، وتبقى البقية موضوع تأويل، ويدعونا “بيار” فى كل مرة إلى عدم الاقتناع بالحقائق التى تقدم إلينا، وأن نتعلم البحث عن الحقيقة بأدوات مغايرة ، وأن نتخذ من اللعب أو السخرية، أسلوبا فى التحليل والتفكير.

لذلك يقترح نظرية جديدة: تطبيق الأدب على التحليل النفسي، ويدعونا إلى قلب الأدوار، وقد أصدر كتابا بعنوان “موباسان بالضبط قبل فرويد” ويقرأ فيه “فرويد” بمساعدة “موباسان” كما نجده يعمل على فحص بعض المعاصرين لفرويد، مثل بيسوا وبروست، وينتقل إلى كتاب ما بعد فرويد مثل أندريه بريتون، وبول فاليري، وسارتر، وأجاثا كريستي.
يمكن الإشارة إلى كتابه “كيف نتحدث عن كتب لم نقرأها؟” فهناك طرق متعددة للقراءة، لأن الأدب كتاريخه، فضاء لا محدود من الحرية، وليست غاية هذا الكتاب الدعوة إلى اللاقراءة، بل هو سخرية من تصوراتنا للقراءة. 
وله كذلك كتاب “كيف نصلح الأعمال الأدبية التى أخطأت هدفها؟” فالكتاب الكبار قد تصيبهم لحظات ضعف، وعلى الناقد أن يقوم مقامهم فى تصحيح أعمالهم، وتنقيحها، والارتقاء بها، وله أيضا كتب مثل: “تحقيق فى قضية هاملت أو حوار الصم” و”قضية كلب آل باسكيرفيل” و”الغد مكتوب” وأهمية هذه الكتب أنها تدعونا إلى إعادة النظر فى مفاهيمنا التقليدية، التى تبقى سجينة مسلمة، مفادها أن الأسباب تسبق بالضرورة النتائج، فى حين أن الأدب يقول العكس.
شيرلوك هولمز يقابل سيجموند فرويد
مكتب البريد يتلقى سنويا مئات الرسائل الموجهة إلى هولمز
توحد الإنجليز معه وحولوه إلى شخصية حقيقية

شخصية شيرلوك هولمز، التى ابتدعها الكاتب الإنجليزى «السير آرثر كونان دويل» وكان طبيب عيون، ستظل المرجع الأول فيما يتعلق بفن الرواية البوليسية، فهذه الشخصية الأسطورية شخصية المخبر السرى العبقري، الذى يستخدم العقل والمنطق ببراعة يحسده عليها أعظم العلماء والفلاسفة، ليكشف غوامض جرائم يعجز عن الإتيان بها أعظم عباقرة الإجرام، سيظل دوما المرجع، الذى يغذى كل من له اهتمام بهذا النوع من الفنون الإنسانية.

بلغ صيت هذا المخبر السرى مبلغا جعل السينما تنتج عددا كبيرا من رواياته، ومن حيث علاقته بعالم الأدب والكتابة، فقد نشأت فى ثلاثينيات القرن العشرين جماعات أدبية متعددة، تنتسب إليه، تتدارس فيما بينها تلك الروايات، وتتعمق فى فهم خفايا النفس البشرية، وفى عالم الكتابة ظهر ما لا يقل عن ثلاثين رواية، تتناول كلها شخصيته.
فى عام 1994 نال الدكتور كيث أوتلي، أستاذ علم النفس التطبيقى فى جامعة أونتاريو بكندا جائزة الكومنولث البريطاني، عن أول رواية كتبها بعنوان “قضية إميلي” وتدور أحداث تلك الرواية، حول لقاء آخر بين شيرلوك هولمز وسيجموند فرويد، إذ يكتشف الاثنان أنهما يبحثان قضية واحدة، وذلك عندما لجأت السيدة إميلى فنسنت إلى فرويد فى فيينا، لعرض حالتها النفسية عليه، وأخفت عنه أنها قتلت زوج أمها، وهو يحاول الاعتداء عليها، وهى الجريمة التى كان شيرلوك هولمز يعمل على حل ألغازها.
نشرت هذه الرواية التى ترجمها لطفى فطيم، عام 1975 وصدرت حديثا عن مركز المحروسة للنشر والمعلومات بعنوان “شيرلوك هولمز يقابل سيجموند فرويد” لنيكولاس ماير، وترجمة عنوانها حرفيا: “المحلول الذى تبلغ درجة تركيزه 7% من ذكريات د. جون واطسون كما حررها نيكولاس ماير” ويورد المؤلف فى مقدمة الرواية “أن الأفكار التى بنى عليها روايته قد استقاها من مئات الكتب التى تناولت شيرلوك هولمز، وأن فى عنقه دينا لعدد كبير من الكتاب، لعل أهمهم ويليام بارينج جولد مؤلف “شيرلوك هولمز ساكن شارع بيكر” الذى استعار منه فكرة أن البروفيسور “مورياتي” كان مدرس الرياضيات لشيرلوك هولمز فى صغره.

يبلغ هوس الإنجليز ببطلهم هذا حدا كبيرا، بل لقد توحدوا معه إلى درجة أن حولوه من شخصية روائية إلى شخصية حقيقية، فكان موضوعا لأفلام سينمائية بلغت الثلاثمائة، بالإضافة إلى أفلام الأطفال (الكارتون) كما كانت سيرته موضوعا لباليه، فضلا عن عدد كبير من الكتب بما فى ذلك ثمانى سير طويلة، ولا يزال مكتب البريد يتلقى سنويا مئات الرسائل الموجهة إلى هولمز.
 أما فرويد فمنذ وفاته عام 1939 حتى الآن صدر ما لا يقل عن 30 سيرة لحياته بمعدل سيرة جديدة كل سنة تقريبا، ونشرت مجلة “علم النفس” البريطانية عام 1988 بحثا حاول مؤلفه إثبات أن أشهر من بحث السلوك فى القرن التاسع عشر لم يكن عالما سيكولوجيا، وإنما كان مخبرا خاصا هو شيرلوك هولمز، واستند فى ذلك إلى استعراض حياته وأعماله التى تتطابق كما يقول، مع علوم النفس فى ذلك الحين، خاصة التحليل النفسي.

عقدت مقارنات كثيرة بين هولمز وفرويد، فقد ولد فرويد عام 1856 بينما ولد هولمز عام 1854 وابتكر كلاهما مهنة جديدة: المحلل النفسى والمخبر الخاص، وحصل كلاهما على الشهرة، بعد أن نبذته مؤسسته المهنية فى بادئ الأمر، وكان الاثنان من كبار المدخنين: السيجار لفرويد والغليون لهولمز، وقد ظهرت مباحث شيرلوك هولمز لأول مرة فى الصحف البريطانية فى نوفمبر 1887 بينما افتتح سيجموند فرويد عيادته فى فيينا يوم الأحد 25 إبريل 1886.

كان فرويد يعلم بوجود هولمز، فقد أشار إليه فى خطاب إلى يونج، كما أن مريضه المسمى “الرجل الذئب”، أشار إلى محادثة دارت بينه وبين فرويد بشأن هولمز، فهل تقابل الرجلان فعلا كما يتساءل مؤلف هذه الرواية؟ بدأ هولمز حياته المهنية قبل سنتين من التاريخ المتعارف عليه لقيام أول مختبر لعلم النفس، وهو معمل “فونت” فى لايبزج بألمانيا، فإلى أى حد عرف هولمز الاتجاه العلمى فى تناول السلوك؟ لقد كان بالتأكيد عارفا بداروين، كما كان ذا اهتمام شديد بالوراثة، وعلى دراية بقوانينها، وكان يعتقد فى وراثة السمات الشخصية، ويدعم نظرية أن تطور الفرد يلخص تطور النوع كله، وكان يعد نفسه عالما إذ يقول: “الاستقراء علم مضبوط، أو يجب أن يكون كذلك، إن الصفات المطلوبة فى المخبر المثالى هي: الملاحظة والاستقراء والمعرفة”.
كان علم النفس فى أيام هولمز، يحاول أن يصبح موضوعيا، كان بادئا فى التجريب، لكنه كان لا يزال شديد الاعتماد على الطريقة التاريخية، أو ما يسمى “إعادة بناء الأحداث” لفهم الأسباب وكان شيرلوك هولمز فى شتى مسالكه، يشكل نوعا من التوازى مع باحثى علم النفس المعاصرين له، خاصة فرويد وكان مثلهم يستلفت انتباه الرأى العام، ويلهب خياله، وبشكل أكثر درامية بالتأكيد، وكان كل ما يفعله هولمز يصبح “موضة” على التو، وقد ارتدى الناس السواد عندما أعلن عن موته خطأ عام 1893.

لعله من المعقول، أن نفترض أن مغامرات شيرلوك هولمز تضرب لنا مثلا مقبولا فى كيفية النظر إلى السلوك الإنساني، دراسته وتفسيره، وأن طريقته مشابهة للطرق التى اتبعها أصحاب علم النفس الأكاديمي، لكنها أقرب إلى الأفكار الشهيرة والمثيرة للجدل للتحليل النفسي، وكانت تلك الأفكار ولا تزال، بالنسبة للكثيرين، النموذج والنمط الأوحد لنظرية فى السلوك، وأسلوب دراسته، ولا تتطابق حالات هولمز من نواحٍ كثيرة مع التحليل النفسي، فحسب، بل لقد كانت أيضا مبشرا به.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام