تجاوزت إسرائيل كل الخطوط الحمراء، اعتدت على قطر الدولة العربية الشقيقة، عضو جامعة الدول العربية، وعضو الأمم المتحدة، فى انتهاك صارخ للقانون الدولى، كما قالت كل الدول العربية، وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش.
لا أبالغ حين أقول: إن إسرائيل تعيش حالة انفلات غير مسبوقة، بهدف خلخلة الخرائط، وشطب مفاهيم الاستقرار من أجل أطماعها التوسعية.
وقد حذرت مصر منذ السابع من أكتوبر 2023، من مخططات أبعد من غزة، ورأت، ببصيرتها الثاقبة، أن هناك مخططا لتوسيع الحرب، يقوم على مفهوم سلام القوة.
هذا المفهوم خطير جدا على مستقبل النظام الدولى بالكامل، وهنا أتوقف أمام الرسالة المصرية الحاسمة والقاطعة، تلك التى وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى العالم، خلال خطابه أمام قمة «بريكس» الاستثنائية، عبر الوسائل الافتراضية، فقد وضع خطاب الرئيس النظام الدولى الحالى، أمام مسئولياته القانونية والسياسية والاقتصادية، فى توقيت شديد الخطر على سلامة المجتمع الدولى.
كشف الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الانشغال الذى يدور فى أذهان الرأى العام العالمى، حول: لماذا يتقاعس المجتمع الدولى عن واجباته بإيقاف الحروب، خصوصا أن الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، هما المنوط بهما حماية وسلامة المجتمع الدولى، لكنهما بعد ثمانين عاما، عجزا عن أداء الوظيفة.
قال الرئيس: إن مجلس الأمن، مثال صارخ على ما آل إليه حال المجتمع الدولى من عجز وتراجع، وأكد على ذلك بوضوح حين قال: إن «الفيتو»، امتياز تحول إلى أداة لعزل مجلس الأمن عن الواقع الميدانى، وجعله عاجزا عن أداء دوره. إن اللحظة التى يتحدث فيها الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى العالم، تضعنا أمام الحقيقة الواضحة، لقد تقاعس النظام الدولى، حين ترك الحروب تتفاقم، وحين لم يعاقب مجرمى الحرب بقوانين الشرعية الدولية، وحين أسرف فى استخدام حق النقض «الفيتو»، فى مجلس الأمن، المنوط به حماية السلم والأمن الدوليين، فى مفارقة واضحة، فى مسارات أدت إلى تفاقم الحرب والدمار. أبرز مثال لذلك ما يجرى فى فلسطين من إبادة جماعية، وتجويع، وتهجير قسرى، ومع ذلك تستخدم بعض القوى الدولية هذا الحق فى منع إيقاف الحروب. الأمر الذى يؤكد اختفاء الحاجة إلى هذا الحق المكتسب، الذى جاء فى سياق دولى مختلف، بل إنه يؤكد أن المشهد الدولى غارق فى ازدواجية فاضحة للمعايير.
إن المشهد العالمى يدفعنى إلى قراءة ما بين سطور العالم المعاصر، ويجعلنى أفتش عن أوراقه فى دفاتر الفوضى الضاربة، التى تعم النظام الدولى، وهى فوضى اجتماعية، وسياسية واقتصادية، بل إنها فوضى قانونية وتشريعية، تمزق كل القوانين والأعراف الدولية، وتجعل من الاتفاقيات الحقوقية، مجرد أوراق لا معنى لها، فضلا عن أنها لا تحترم استقرار الخرائط، ولا حقوق الشعوب، وترغب فى استعادة عصور سحيقة من الغزو والفوضى.
تريد أن تعود بالعالم الحديث الذى تشكلت فيه الدول القومية، ذات السيادة إلى ما قبل توقيع الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية «وستفاليا»، عام 1648، والتى كانت نواة لنظامنا العالمى، والذى تطور عبر قرون، وصاغ عصبة الأمم فى البداية، والتى فشلت فى منع الحروب، وأسهمت فى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكان لابد من تشكيل مؤسسة جديدة عام 1945، مع نهاية الحرب، تسمى منظمة الأمم المتحدة، التى تفرعت عنها مؤسسات تحمى السلم والأمن الدوليين. بعد ثمانين عاما، نجد أنفسنا، وكأننا فى أعقاب سنوات الحرب العالمية الثانية، فقد فشلت الأمم المتحدة فى منع، أو إيقاف أى حرب، خصوصا فى الشرق الأوسط، فبعض الدول تحوز نصيب الأسد، باعتبارها وارثة لحق النقض، مما جعل العالم يطالب بإعادة النظر فى ميثاق الأمم المتحدة، الذى انتهى عمليا، وأصابه الوهن وخرج من الخدمة، ولم يعد هو الدواء الناجع، لهذه المرحلة أو اللحظة. ما بين هذا التداعى والتصدع، الذى يعانيه النظام العالمى، وما بين الأخطار التى يعيشها العالم الحالى، نتيجة ارتكاب بعض القوى لجرائم حرب دون محاسبة، وارتكاب بعضها الآخر لجرائم اقتصادية، ودون ملاحقة من أى قوانين.
بالتالى لم يعد الحالمون باستمرار هذا النظام قادرين على الدفاع عنه، والمطلوب إقامة نظام آخر، يقوم على العدالة الدولية، وتعدد الأقطاب، واحترام إرادة الشعوب فى العيش فى سلام، والتأكيد على النمو الاقتصادى دون احتكار للقوة والنفوذ على حساب آخرين، كما يجرى الآن فى العالم. إن ما يحدث فى غزة، لهو إبادة جماعية، وانطلاقا منها، تتوسع إسرائيل فى ارتكاب جرائم حرب، وانتهاك لسيادة الدول، بهدف تنفيذ مخطط وهمى يسمى «إسرائيل الكبرى». مع الأسف تبدو الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض القوى الأوروبية، كأنها تساعد إسرائيل فى لعبة خطرة، تمزق ما بقى من نظام دولى وصل إلى التقاعد. لذا، فإن الدعوة إلى إقامة نظام عالمى آخر، تتسع يوما بعد الآخر، ولم تعد أمام خرائط الاستقرار العالمى رفاهية الانتظار، فإما عدالة دولية، أو احتراق دولي شامل.