منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، والعالم يسعى إلى إرساء قواعد لنظامٍ دولى يضمن عدم تكرار المآسى والحروب التى حصدت ملايين الأرواح ودمّرت حضارات وشعوباً بأكملها.
ومن رحم ذلك الخراب وُلد ميثاق الأمم المتحدة (United Nations Charter) الذى وُقّع فى مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، ليصبح المرجعية العليا لتنظيم العلاقات الدولية، ومنع الحروب، وإرساء دعائم السلم والأمن الدوليين.
وقد تميز الميثاق بقدرته على الجمع بين المبادئ الأخلاقية، كالعدل وحقوق الإنسان، وبين الأدوات القانونية والسياسية التى تُمكّن المجتمع الدولى من مواجهة التهديدات.
ويُعتبر الفصل السابع (Chapter VII) من الميثاق والذى يمتد من المادة 39 حتى المادة 51، أكثر أبواب الميثاق حساسية وأهمية، إذ يمنح مجلس الأمن (Security Council) صلاحية التصدى لأى تهديد للسلم (threat to the peace) أو خرق له (breach of the peace) أو عمل عدواني (act of aggression). وتنص المادة 39 على أن مجلس الأمن هو الجهة الوحيدة المخوّلة بتحديد وجود مثل هذه الحالات، ليقرر بعدها التدابير المناسبة، وتبدأ هذه التدابير بوسائل غير عسكرية وفق المادة 41 (Article 41 – Measures not involving the use of armed force) مثل العقوبات الاقتصادية (economic sanctions)، قطع العلاقات الدبلوماسية (severance of diplomatic relations)، والحصار (blockade). فإذا لم تُجدِ هذه الوسائل نفعاً، تنتقل الأمم المتحدة إلى المادة 42 (Article 42 – Action by air, sea, or land forces) التى تتيح استخدام القوة المسلحة بأنواعها (use of armed force)، سواء بعمليات عسكرية مشتركة أو عبر تفويض دولٍ بعينها للتحرك. وهكذا، صار البند السابع أداةً ملزمة للمجتمع الدولى، وليس مجرد توصية (recommendation) أو نداء أخلاقى، بل سلطة قهرية (enforcement authority) تتجاوز سيادة الدول حمايةً للسلم العالمي. ومنذ تأسيس الأمم المتحدة، لجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع فى حالات متعدّدة شكّلت مفاصل فى التاريخ المعاصر، منها على سبيل المثال الحرب الكورية 1950حيث صنّف المجلس اجتياح كوريا الشمالية عملاً عدوانياً (act of aggression)، فأجاز تدخلاً عسكرياً بقيادة الأمم المتحدة. وقد نجح التدخل فى صد العدوان، لكنه فشل فى تحقيق سلام دائم، إذ لا تزال شبه الجزيرة الكورية مُنقسمةً حتى اليوم.
وقد طُبِّق الفصل السابع فى حرب العراق والكويت عام 1990 حيث شكّل الغزو العراقى للكويت نقطةً فاصلة، فأصدر المجلس القرار 678 الذى أتاح استخدام القوة لإخراج القوات العراقية، وقد تحقق الهدف المباشر بعودة الكويت، لكن الحرب تركت آثاراً مدمّرة على العراق والمنطقة لسنوات طويلة.
أما فى ليبيا فى عام 2011، فقد أصدر مجلس الأمن القرار 1973 لفرض منطقة حظر جوي (no-fly zone) وحماية المدنيين (protection of civilians)، وهو ما مهّد الطريق لتدخل عسكرى أطاح بنظام القذافي.
ورغم أن التدخل وفّر حماية مؤقتة، فإنه أدخل ليبيا فى فوضى سياسية وأمنية لازالت آثارها حتى اليوم. وقد استُخدم البند السابع أيضاً لتأسيس محاكم جنائية دولية (international criminal tribunals) لجرائم الحرب فى رواندا ويوغوسلافيا السابقة، ولإرسال قوات حفظ سلام (peacekeeping forces) إلى تيمور الشرقية وسيراليون والكونغو، بعضها نجح فى تهدئة النزاعات، بينما فشل بعضها الآخر فى معالجة الأسباب الجذرية للصراعات. أما فى الحالة الفلسطينية، فيتجلى العجز الدولى فى أوضح صوره، فمنذ عقود، يطالب المجتمع الدولى بتفعيل البند السابع ضد إسرائيل رداً على جرائم الحرب (war crimes) والانتهاكات الجسيمة (grave violations) فى غزة والضفة الغربية، إلا أن الفيتو الأمريكى (حق الاعتراض) يقف حائلًا أمام صدور أى قرار ملزم (binding resolution) ضد دولة الاحتلال، وهكذا، تحوّل البند السابع من أداة لفرض العدالة إلى نصٍ جامد تُعطّله مصالح القوى العظمى، ويتم تطبيقه بشكل انتقائى واضح. وفى الآونة الأخيرة، تعالت الأصوات المطالبة بإصلاح مجلس الأمن وإلغاء أو تعديل نظام الڤيتو.
وفى سبتمبر 2025، كان هناك تصريح تاريخى للدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية المصرى حين شدّد سيادته على أن نظام الفيتو لم يعد مقبولًا، وأن إصلاحه أو إلغاءه ضرورة لتحقيق عدالة دولية حقيقية، وأكد أن استمرار هذا النظام يقوّض ثقة الشعوب فى الأمم المتحدة، ويمنح غطاءً قانونياً لجرائم تمس السلم والأمن الدوليين، كما وصف السفير أسامة عبد الخالق، مندوب مصر الدائم فى الأمم المتحدة، الفيتو بأنه يتعارض مع القانون الدولى و«يُجرّد الضمير الإنسانى من معناه» حسبما وصفه سيادته.
والحقيقة الثابتة، أن البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة يظل هو السلاح الأبرز فى يد المجتمع الدولى لوقف الحروب وحماية الشعوب، لكنه يظل سلاحاً مُفرَّغاً من مضمونه ومُعطَّلاً عن أداء دوره الهام، إذا ظل رهينةً لمصالح الدول الخمس الكبرى التى تحمل حق الفيتو.
إن الانتقائية فى تطبيق البند السابع تفتح الباب للمزيد من الحروب وتُفقِد الثقة فى العدالة الدولية، وقد تكون بداية النهاية للنظام العالمي.
إن العدالة الدولية لن تتحقق ما دام «الفيتو» قائمًا، يمنح الأقوياء سلطة إبطال إرادة العالم بأسره ويعطى رخصةً أمميّة لدولٍ بعينها تمارس القتل والإرهاب والاعتداء على حقوق الشعوب.
وإن كان القرن العشرون قد شهد ميلاد ميثاق الأمم المتحدة، فإن القرن الحادى والعشرين ينبغى أن يشهد ميلاد نظام دولى أكثر عدلاً، يُطبِّق نصوص الميثاق الأممى بروحها الحقيقية، وليس بما تفرضه موازين القوى الدولية بعيدا عن معايير الحق والعدل والإنسانية.