وجوه عبر الزمن



على فهمى خشيم.. من جاردن سيتى إلى جروبى: بدايات الجدل وهزّة الهوية (2 من 3)

11-9-2025 | 21:46
إلهامى المليجى

فى رحلة العقول الكبرى ثمة لحظات فاصلة تشبه الشرارة الأولى، تضىء دربًا وتترك أثرًا لا يزول، وإذا كان الجزء الأول قد قدّم لنا بدايات على فهمى خشيم، فإن الجزء الثانى يأخذنا إلى قلب تلك الشرارة: إلى لقاء التلميذ بأستاذه أبى ريدة، حيث تتفتّح البصائر على مناهج جديدة، ثم إلى جروبى فى قلب القاهرة، حيث دوّى السؤال المزلزل: «الأمازيغ أعربُ من عرب الجزيرة؟!». هناك، فى مزيجٍ من حرارة المقهى وصخب الأفكار، انطلقت العاصفة التى ستعيد صياغة النقاش حول الهوية والتاريخ، وتضع خشيم فى مواجهة التيار بجرأة لا تلين.

المشهد الثانى: اللقاء مع أبى ريدة – بُعد وجدانى
لم يكن على فهمى خشيم، حين يذكر أستاذه الكبير محمد عبد الهادى أبو ريدة، يتحدث ببرود الباحثين أو بموضوعية المؤرخين، بل كان يفيض حبًا وشغفًا، وكأن ذكراه توقظ فيه ذلك الصبى الذى عثر فجأة على المنبع الأول لعطشه الفكري. كان يراه عقلًا مضيئًا، ومرشدًا قادرًا على أن يفتح أمامه أبواب الفلسفة وعلم الكلام واللغة.
حين أخبرته أننى على صلة وثيقة بأبى ريدة، وأننى نشرت أطروحته للماجستير “إبراهيم ابن سيار النظّام وآراؤه الفكرية والفلسفية” عبر دار النديم، تحوّل حديثه إلى رجاء حار، كأن اللحظة لا تحتمل الانتظار. صاح بصوت يشى بالفرح والقلق معًا: “ساعدنى أن ألقاه!”، فكان رجاؤه أمرًا.
لحظة لقائهما فى شقة جاردن سيتى، لم تكن مجرد جلسة بين أستاذ وتلميذ، كانت احتضانًا بين جيلين، بين عقل خبر الحياة حتى شيخوخته، وعقل يافع يتطلّع إلى أن يرتوى من النبع. كان أبوريدة، وقد جاوز الثمانين، حاضرًا بكامل وهجه، متّقد الذهن، رشيق الذاكرة، يتنقّل بين سبع لغات، كما يتنقّل بين أفكار متباينة، من الفلسفة والكلام إلى اللسانيات، ووسط هذا الحوار، تسرّبت الحميمية: لم يكن حديثهما جافًا، بل كان كأنه عناق طويل بين تلميذ وشيخه.
خرج على فهمى خشيم، من اللقاء مفعمًا بالامتنان، يردّد فى سره، أن تلك الساعات القليلة ستظل ذخيرة عمر، ومنذ ذلك اليوم، صار اسم أبو ريدة حاضرًا دائمًا فى مجالسه وكتاباته، لا يذكره إلا بوصفه الأستاذ والمعلم الذى وضع فى عقله بذورًا ظلّت تنمو حتى آخر لحظة فى حياته. أما أنا، فقد كان أبو ريدة أيضًا من الشخصيات التى أعجبت بها كثيرًا، وترك فى نفسى أثرًا لا يُمحى، وسأتوقف عند سيرته فى حلقة مقبلة، كما يليق بقامته ومكانته.

المشهد الثالث: جروبى.. حيث تفجّرت المقولة
فى ظهيرة قاهرية هادئة، كنا أنا والصديق مهدى مصطفى، نجلس فى مقهى جروبى الشهير بميدان طلعت حرب، حيث اعتاد المثقفون أن يجعلوا من قهوته وأجوائه ملتقى للجدل والسجال، اللقاء لم يكن عابرًا، بل كان متفقًا عليه لإجراء حوار صحفى مع الدكتور على فهمى خشيم. جلسنا ثلاثتنا، وكانت الطاولة الصغيرة شاهدة على حديث، اتسع حتى صار مادة لصفحات الثقافة والفكر.
بدأ خشيم حديثه بما يشبه الصدمة الفكرية: “الأمازيغ أعرب من عرب الجزيرة”. قالها بلهجة حاسمة، ثم أسند ظهره إلى الكرسى كمن يعرف أن العبارة ستثير الدهشة. سألناه عن مقصده، فأجاب:
«مقياس العروبة عندى هو اللغة. فإذا ثبت أن الأمازيغية لهجة عروبية أصيلة، فهى أقرب إلى الأصل العربى مما بقى فى الجزيرة، بعد أن تأثر هناك بفارسية وهندية وإفريقية. نقوش الليبيين القدماء شاهدة على هذا، والأسماء والرموز باقية حتى اليوم».
تدفقت كلماته كجدول لا ينضب. انتقل من اللغات إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى نقده للمفاهيم الاستشراقية. رفع صوته قليلًا وهو يردد:
«السامية والحامية تقسيمات توراتية باطلة. مصطلح اخترعه شلوتزر فى القرن الثامن عشر. نحن أمام كتلة واحدة، لغة واحدة، وذاكرة واحدة. والأجدر أن نسميها العروبية».
بين رشفة قهوة وأخرى، انطلق فى نقده اللاذع لـ «الفرعونية»، واصفًا إياها بأنها “أكذوبة كبرى”. تابع بنبرة لا تخلو من السخرية:
«سامح الله نجيب محفوظ، حين ردد مقولات كاتبى التاريخ من الأوروبيين فى روايته كفاح طيبة. الحضارة المصرية لم تهبط من السماء كما زعموا، بل تشكلت من مهاجرين عرب وليبيين، وازدهرت مثلما ازدهرت حضارة الرافدين».
جلسنا نستمع مأخوذين، فحديثه كان يزاوج بين صرامة العالم وحرارة المقاتل. ومع كل جملة، كان يزيد يقينه أن إعادة كتابة التاريخ بعيون أبنائه ليست ترفًا أكاديميًا، بل واجب وجودى.
نشرنا هذا الحوار أولًا فى الأهرام العربى، ثم تابعته أنا منفردًا فى الشرق الأوسط اللندنية، حيث أخذ صداه يتردد واسعًا بين الأوساط الأكاديمية والثقافية، ولا يزال حاضرًا بقوة حتى اليوم. لقد كانت كلمات خشيم يومها أشبه بحجر ألقى فى مياه راكدة، فحرّك دوائر متتالية من الجدل والنقاش، لم تهدأ بعد.

المشهد الرابع: عاصفة ما بعد الحوار
ما إن نُشر الحوار فى «الأهرام العربى»، وتلاه حوارى المنفرد معه فى الشرق الأوسط اللندنية، حتى انفتحت أبواب الجدل على مصراعيها. كأن حجرًا ضخمًا أُلقى فى مياه راكدة، فحرّك موجات متلاحقة. كان صدى عبارته الشهيرة: “الأمازيغ أعرب من عرب الجزيرة” يتردد فى الصالونات الثقافية والجامعات ومجالس النخب.
لم تكن ردود الفعل متجانسة، فقد اضطررت إلى تكثيف لقاءاتى مع الرجل فى مسعى لفهم أعمق، ومواجهة سيل الانتقادات الذى جاء من أكثر من اتجاه، وجدته فى تلك اللحظة أكثر ثباتًا وإصرارًا على رؤاه، وكأنه كان يتغذى من الاعتراضات ليزداد يقينًا.
اجتمعت معه ومع آخرين: مصريين وليبيين، عرب وأمازيغ، بعضهم من أنصار الفكرة “الفرعونية” الذين رأوا فى أطروحاته هدمًا لمقدسات راسخة، ومنهم من قال، إن الأمر يستحق المزيد من القراءة والبحث، قبل إطلاق الأحكام، بينما رفض آخرون جملة وتفصيلاً استنتاجاته حول الهوية العروبية للأمازيغ، والحضارة المصرية القديمة.
تحولت تلك الفترة إلى حالة فكرية قائمة بذاتها، نقاشات صاخبة، حوارات محتدمة، واتهامات متبادلة بين مؤيديه وخصومه. لكن وسط هذه العاصفة، ظل الدكتور خشيم هادئًا، يستمع ويجادل، ويمد حججه بالنصوص واللغات والنقوش، لم يكن يهرب من المواجهة، بل كان يستمتع بها، كمن يرى فى كل انتقاد فرصة، ليعيد صياغة حجته بصلابة أشد.

الخاتمة 
من «جاردن سيتى»، حيث سلّم الأستاذ مفاتيح المنهج، إلى “جروبى” حيث أطلق التلميذ مقولته الجريئة، مرورًا بالعاصفة التى لم تنطفئ، بدا الدكتور على فهمى خشيم، فى صورته الأصدق: مثقفًا يرى فى الجدل حياة، وفى السؤال خلاصًا، وفى المواجهة واجبًا. لقد كشف لنا هذا الجزء عن عقلٍ لا يهدأ، وقلبٍ لا يتراجع، ولسانٍ لا يعرف المهادنة. الخاتمة لأن هذه الرحلة أغنى وأوسع من أن تُختزل، كان لا بد من أن تمتد إلى ثلاثة أجزاء. فبعد أن تتبعنا فى هذا الجزء ملامح التكوين وبدايات الجدل، سنواصل فى الجزء الثالث مع البرهان المدوَّن فى موسوعة «آلهة مصر العربية»، لنبلغ ختام الحكاية عند الموقف من “فبراير”، حيث يتقاطع الفكر بالتاريخ، وتخضع القناعات لامتحان الميدان.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام