نحن والعالم



صوت من قلب المعاناة.. «ديما عليان» تروى ما لا يروى: برغم الألم.. نزرع الأمل

14-9-2025 | 22:29
أحمد إسماعيل

سارة.. دموع مؤجلة وسط الركام
 
غسان الناجى الوحيد.. وما تبقى من العائلة تحت الأنقاض
 
خيام بدل المدارس.. والتعليم فى مهب الحرب
 
فى محاولة لفهم الواقع الأليم الذى يعيشه الأطفال فى مناطق الحروب، كان لا بد من التواصل مع من يقفون على الخطوط الأمامية للعمل الإنسانى، وكان لنا هذا اللقاء مع ديما عليان، متطوعة فى مؤسسة إنقاذ أطفال فلسطين، وتحديدا فى مركز إيواء المنفلوطى فى دير البلح، حيث تنقل لنا بصوتٍ حزين ولكن صامد، جزءا من الحقيقة التى يعيشها أطفال النزوح يوميا. 
 
ما أكثر الحالات الصحية التى تواجهونها بين الأطفال فى مناطق النزوح؟
تعانى فئة الأطفال بشكل خاص من النزلات المعوية، الطفح الجلدى بأنواعه، وسوء التغذية الناتج عن ضعف الإمكانيات، إلى جانب فقر الدم وتأخر النمو، وكل ذلك يرتبط مباشرة بضعف المناعة، كذلك نواجه حالات بتر وحروق نتيجة القصف، وإصابات متعلقة بالحرب يكون فيها الشفاء بطيئا، بسبب تلوث الجروح أو غياب الرعاية المناسبة، بالإضافة إلى حالات الأزمات الصدرية الناتجة عن الغازات السامة والمواد الكيماوية والقنابل الدخانية. 
 
ما مدى توافر الرعاية الطبية للأطفال فى المخيمات أو مناطق النزاع؟
الرعاية الطبية فى الوقت الراهن معدومة تماما داخل المخيمات، بسبب التعنت الإسرائيلى يتم منع إدخال المواد الطبية، وهو ما أدى إلى انعدام حتى أبسط وسائل الإسعاف الأولى أو مسكنات الألم، فضلا عن غياب أى علاجات أساسية.
 
هل هناك فروق بين الأطفال النازحين والذين يعيشون فى بيئة أكثر استقرارًا من حيث الصحة العامة؟
نعم، توجد فروق، لكنها ليست دائما واضحة بشكل كبير، الفارق الأهم هو البيئة النفسية التى تحيط بالطفل، وتأثيرها الممتد على الصحة العامة والجهاز المناعي.
 
ما أكثر حالة تأثرت بها شخصيا أثناء عملك؟
حالات البتر لدى الأطفال، سواء من الذكور أم الإناث، هى الأصعب بالنسبة لى، وبعض هذه الحالات تكون مصحوبة بفقدان الأهل بالكامل، مما يضاعف حجم الألم والمعاناة.
 
ما أنواع الصدمات النفسية التى تلاحظونها لدى الأطفال؟
الطفل يعيش حالة من كرب ما بعد الصدمة، وهناك من لا يستطيع تجاوز الفقد، نلاحظ حالات اكتئاب حاد، فقدان الطاقة، سرعة الغضب، البكاء المفاجئ، والعزلة، الأطفال لا يعبرون دائما بالكلمات، لكن سلوكهم يصرح بما لا يقال. 
 
كيف يظهر تأثير الحرب على سلوك الأطفال؟
الخوف، العدوانية، العزلة، الشرود الذهنى، كلها مظاهر نراها يوميا، نبذل ما بوسعنا للتخفيف من حدة الصدمة، ولكننا نعلم جيدا أنه لا يمكن أن يتم العلاج منها بشكل كامل، والذى يعيق ذاك أن الحرب مازالت قائمة والخوف والقصف مازال مستمرا.
 
هل يمكن للطفل أن «يتعافى نفسيا» من تجارب كهذه؟
من الصعب جدا تحقيق تعاف كامل ما دامت الحرب قائمة، دور الأسرة أساسى، لكن الأسر نفسها منهكة وتبحث عن الأمان والطعام والماء، ما يجعلها عاجزة عن تقديم الدعم النفسى الكافى لأطفالها. 
 
هل هناك موقف مؤثر تتذكرينه دائما..؟
حالة الطفلة سارة التى تم إعدام والدها وأخيها الأكبر أمام ناظريها، وبعد أسبوعين التحقت والدتها وأخوها الآخر بهما أمام عينها أيضا بقصف مباشر عليهم ومعهم عدد كبير من أقاربها، لم تبك سارة ولم تعبر عن  مشاعرها، بل تسامت وتعالت على مشاعرها، ما ظهر عليها من أعراض تجنب الحديث عن الحدث القادم أو سماعه، مع عصبية مفرطة، ردات فعل سريعة، بكاء، عزلة، فقدان الطاقة، بطء الحركة، وشرود الذهن، وعند استسلام سارة لسماع أغنية تخص العائلة أو الوطن فى جلسة ترفيه للأطفال، انهارت سارة بالبكاء الشديد، كانت لحظة انكسار صامت، لا تنسى.
 
ماذا عن التعليم فى ظل النزوح؟
التعليم يشهد فجوة كبيرة، كثير من الأطفال يتلقون تعليمهم فى خيام لعدم وجود مدارس نتيجة القصف أو النزوح، فلا توجد بيئة مناسبة أو حتى مقاعد دراسية، وبالتالى التركيز شبه معدوم، بسبب سوء التغذية والحالة النفسية، حاولنا الاستمرار، ولكن نجبر أحيانا على التوقف نتيجة الاجتياحات أو انقطاع المساعدات.. لقد حاولنا وبذلنا مجهودا فى أن تستمر العملية التعليمية، إلا أننا لم ننجح فى إيصال المعلومات للأطفال، بسبب تشتت تركيز الأطفال بالبيئة الخارجية، وحتى عندما أحرزنا نجاحا نتعرض للاجتياح وانقطاع المسيرة.
 
هل يعانى الأطفال من صعوبات فى التركيز أو التفاعل داخل الصف؟
بالتأكيد، أعراض الصدمة مثل الشرود، ضعف التركيز، والبكاء المفاجئ تظهر بوضوح خلال الصفوف، حتى فى الجلسات الترفيهية. 
 
هل لديكم أدوات للدعم النفسي؟
نعم هناك مؤسسات توفر الأدوات اللازمة لإقامة الجلسات النفسية والترفيهية، ولكن نواجه ندرة فى هذه المؤسسات الداعمة، ولا توجد هذه المؤسسات فى كل مراكز الإيواء.
 
كيف تصفين الوضع العام للأطفال فى المخيمات؟
الوضع مأساوى، نحن نواجه مشاكل سلوكية مع الأطفال، حيث إن الأطفال متعطشون إلى تفريغ الطاقة أكثر من انصياعهم للجلسات النفسية، وأصبحت اهتماماتهم توفير المياه والطعام من التكيات، وهناك انتشار لعمالة الأطفال بشكل ملحوظ.
 
ما أولوياتكم عند التعامل مع الأطفال فى ظروف كهذه؟
اولا نوفر لهم جلسات تفريغية، تتضمن أنشطة تثقيفية عن التعامل مع الخطر والخوف والمكان الآمن، وتوعيتهم بأن الخوف هو شعور طبيعى، ويمكن أن يكون حافزا للبحث عن الامان.
 
هل هناك برامج مخصصة للأطفال «للدعم النفسى، الترفيه، التعليم غير الرسمي»؟
نعم هناك برامج ولكن يوجد قصور شديد بسبب عدم تغطية هذه البرامج جميع مراكز ومناطق الإيواء.
 
ما الصعوبات التى تواجهونها فى حماية الأطفال من العنف أو الاستغلال أو التجنيد؟
أهم الصعوبات التى تواجهنا هو غياب دور الأهل فى التوعية والحماية، نتيجة انشغالهم بتأمين الأساسيات.
 
ما أكثر موقف إنسانى أو صادم لا يزال عالقا فى ذاكرتك خلال عملك مع الأطفال؟
الطفل غسان كمال، 10 أعوام وهو الناجى الوحيد من قصف قضى على عائلته بالكامل، أمه وإخوته وجدته وأبناء عمومته، غسان نجا جسديا، لكنك ترى فى عينيه صدمة لم تمر، وكأن قلبه بقى تحت الأنقاض.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام