مقالات



هراء حقوق الإنسان! (2)

18-9-2025 | 18:53
د. إيمان طاهر

إن كان لابد لنا عند مواجهة أنفسنا أن نتذكر كيف حاول الكثيرون تنبيهنا، ففى رواية “عالم جديد شجاع” لمؤلفها ألدوس هكسلي، تناول الكاتب هذا المخطط بوضوح شديد وحذرنا بأن تاريخ الإنسان كما نعرفه فى طريقه للانتهاء، مع تقدم العلم اللا متناهى الذى سخره الساسة للتحكم فى مصائر البشرية، باستخدام التدفق الغزير من المعارف الوارثية والبيولوجية لاستحداث جنس بشرى جديد للعصر المقبل، حيث تكون المادة غير الحية هى التى تحكم وتتحكم فى بقائنا!

ويحدث كل هذا دون اعتبار، بأن البشر أكبر من المادة، وأن لنا جوهرا وروحا تحب وتخاف وتأمل، وحتى إن كانت بيئتنا التى نعيش فيها تتغير كل ثانية بشكل عنيف وبمعدلات غير مسبوقة، وهذا لا يعنى بأن نغير من فطرتنا السليمة، بل من مهارتنا من ذكائنا كجزء من التطور الإيجابى.

حتى تكون الصورة أقرب إلى ذهن القارئ، يحضرنى هنا أن نتذكر هجرة الإنسان الأولى عبر إفريقيا ليعمر الأرض منذ نحو 100 ألف عام تقريبا، وعبر سيناء وصل إلى أوروبا. لم يكن حينئذ جلده أبيض وشعره أشقر، بل كان داكن البشرة متأقلما مع بيئته الطبيعية التى خلقه الله تعالى عليها لحكمة عظيمة. وعبر آلاف الأجيال حدث له بالتدريج تغيير، ليتلاءم مع بيئته الجديدة ويستطيع التكيف معها، لكن ظلت أخلاقه وبكل ما تقدمه لنفسه والمجتمع من حوله، تتسم بالخير والمحبة والتعاون معايير ثابتة لا تحتاج إلى تغيير أو تبديل، لأنها صالحة لكل زمان ومكان، تلك هى السعادة المفقودة لإنسان هذا العصر. وغير ذلك النمط الصالح كان هو الشاذ عن تلك القاعدة، فحدثت الجرائم والقتل وغيرها، ولأنه شاذ عن الطبيعة البشرية نبذته النفس الإنسانية السوية.

وإذا كانت تلك الخدعة التى قدمها لنا الغرب فى هيئة تطوير، وأحاطوها بسوار حقوق الإنسان، تهدف حقا إلى تحسين حياته والقضاء على الفقر والمرض، فلماذا رافقها عبر عصور وعصور وعلى أيدى الغرب كل هذا التعصب والوحشية والقتل تجاهنا؟

الحقيقة الوحيدة التى لم تعد تخفى على أحد، لأنها فى جوهرها تعنى أن هناك بشرًا أفضل من بشر والبقاء لإنسان الغرب، لقد وصل الأمر بتلك العقول المتعصبة وبعد العديد من الأبحاث الجينية فى معامل الذكاء والتطور تحديد هوية الذكاء وموقعه، وأجريت أبحاث ودراسات وجراحات سرية وراثية، لنقل هذا الجينيوم من إنسان لآخر، وكان هذا ضربًا من الخيال بالنسبة إلينا! فى حين تعيش منطقتنا، خصوصا إفريقيا تلك القارة التى لا تصلها مياه نظيفة أو غذاء خالٍ من السموم تحت وطأه الفقر والجوع والمرض، وعدد لا يحصى من الأطفال يموتون يوميا بسبب سوء التغذية والأمراض أمام أعين منظمات حقوق الإنسان الدولية، ولم ينتفض ضميرها أو نسمع صرخاتها ونرى أى تحرك لها، أم أن حقوق الإنسان الذى يخشون عليها هى فقط إنسان الغرب؟
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام