وجوه عبر الزمن



على فهمى خشيم.. من النقوش إلى الميدان: على فهمى خشيم فى آخر فصول الرحلة (3)

18-9-2025 | 18:54
إلهامى المليجى

ثمة لحظات فى مسيرة المثقف تتحوّل فيها الكلمة من رأيٍ يُثار فى مقهى أو حوار إلى نصٍّ مكتوب يقف فى وجه الزمن. وإذا كان الجزء الثانى قد توقف عند مقولة هزّت الساحة: «الأمازيغ أعرب من عرب الجزيرة» وما تبعها من عاصفة فكرية، فإن هذا الجزء الثالث يأخذنا إلى ما هو أعمق: إلى لحظة البرهان المدوَّن فى موسوعة «آلهة مصر العربية»، حيث واجه الدكتور على فهمى خشيم خصومه بسلاح البحث والتوثيق. 

ثم إلى الامتحان الأشد وطأة: ثورة فبراير، حين يجد المثقف نفسه أمام عاصفة السياسة والتاريخ، ويُستدعى ليقول كلمته فى حاضر يموج بالدم والتحولات.

المشهد الخامس: الموسوعة… ردّ بالكلمة
بعد أن اشتعلت العاصفة من حوله، واحتدمت ردود الفعل على مقولاته الجريئة، كان كثيرون يظنون أن الدكتور على فهمى خشيم سيتراجع، أو على الأقل سيلزم الصمت. غير أن الرجل اختار طريقًا آخر: طريق البرهان المكتوب، الذى يثبت أن أفكاره ليست مجرّد تصريحات عابرة فى حوار صحفي، بل مشروع معرفى متكامل.

وفاجأ الجميع حين أصدر عبر الهيئة المصرية العامة للكتاب موسوعته الضخمة «آلهة مصر العربية». لم يكن كتابًا عاديًا، بل عملا موسوعيا استند فيه إلى أدوات المقارنة اللغوية، ليؤكد عروبة اللغة المصرية القديمة. قدّم عشرات الأدلة على أن أسماء الآلهة والمدن والمواقع المصرية، ليست غريبة عن العربية، بل هى جزء من جذرها الأصيل.
لم يكتفِ خشيم بهذا الإنجاز، بل تتابعت كتبه التى تصبّ فى الاتجاه نفسه، وتدعم أطروحاته السابقة التى أعلنها فى مقهى جروبى وأثارت نقاشًا واسعًا، كأنه أراد أن يقول لخصومه: إن ما طرحه لم يكن رأيًا طائشًا، بل رؤية مدعومة بالبحث والوثيقة والمخطوطات والنقوش.

ومع صدور الموسوعة، لم تهدأ الساحة بل تجددت العاصفة. بعض المثقفين العرب استقبلوها بوصفها برهانًا دامغًا على وحدة الهوية التاريخية بين مصر وفضائها العربى الواسع. بينما اعتبرها آخرون، خصوصا المتشبثين بالفكرة الفرعونية، استفزازًا معرفيًا يزعزع سردية راسخة. أما بعض الأصوات الأكاديمية الشابة، فقد رأت أنها اجتهاد يستحق الاحترام، لكنه يظل بحاجة إلى مزيد من التمحيص والتوثيق العلمى.

وهكذا، بدل أن تخمد الانتقادات، أجّجت الموسوعة نار الجدل من جديد، لكنها، فى المقابل، رفعت من مكانة خشيم كمثقف يواجه خصومه بسلاح الكلمة والبرهان، لا بالشعارات والانفعال، لقد رسخت صورته كعالم موسوعى لا يكتفى بإثارة الأسئلة، بل يقدّم إجابات شجاعة، حتى لو كلّفته مزيدًا من الجدل والخصومة.

المشهد السادس: فبراير.. المثقف أمام العاصفة
لم يكن ممكنًا أن تمرّ أحداث فبراير على ليبيا دون أن يُسأل الدكتور على فهمى خشيم عن موقفه، فهو ابن مصراتة، المدينة التى تحوّلت إلى رمز فى تلك المرحلة، وواحدة من أكثر الساحات سخونة فى مواجهة نظام القذافى، غير أن خشيم، المثقف الموسوعى والباحث العروبي، لم يتعامل مع فبراير كحدث عاطفى أو انفعال جماهيري، بل قرأها بعين الناقد الذى يرى أبعد من اللحظة.
فى اللقاءات التى جمعتنى به آنذاك، كان يتحدث بمرارة عن المشهد الليبى، لم يركب موجة الحماسة التى اندفع إليها البعض، ولم يصطف فى جوقة النظام كما فعل آخرون، اختار موقعًا شديد التعقيد: مسافة نقدية لا تنكر الظلم الذى تراكم فى عهد القذافي، لكنها أيضًا تتحفّظ على الفوضى التى قد تجرّها الانتفاضة، كان يخشى أن تتحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية، وأن تُستنزف طاقات أبنائها فى حروب داخلية.
قال لى ذات مرة بصدق العالم الذى يرى بعين البصيرة:
“ أنا لا أرى فبراير بعين الحماسة وحدها، بل أخشى أن تكون بداية لانفجار أكبر، يعيدنا إلى ما قبل الدولة.”
ومع ذلك، ظل وفيًا لمدينته، متابعًا ما يجرى فيها بقلق لا يخلو من انتماء، لم يتوقف عن طرح الأسئلة الكبرى: كيف نحفظ وحدة ليبيا؟ كيف نمنع التشظي؟ وكيف نصوغ مشروعًا وطنيًا جامعًا؟ كان يعرف أن الثقافة ليست بمعزل عن السياسة، وأن مسئولية المثقف فى اللحظات العاصفة هى أن يكون ضميرًا يقظًا، لا مجرد شاهد صامت.
رحل الدكتور خشيم فى ألمانيا عام 2011، بينما كانت نيران فبراير فى ذروتها، كأن القدر اختار أن يغادر قبل أن يرى المشهد الليبى يتمزق أكثر، لقد كان رحيله فى تلك اللحظة مفارقة دامية: مثقف موسوعى حلم بوطن عروبى موحَّد، يرحل قبل أن يرى وطنه يتفتت إلى خرائط دم وصراعات، كان كمن استشعر المأساة فسبقها، تاركًا إرثًا من الكتب والرؤى التى ما زالت تسائلنا: هل نستطيع أن نعيد صياغة الحلم الذى عاش ومات من أجله؟

الخاتمة 
بهذا المشهد، نكون قد وصلنا إلى المحطة الأخيرة فى رحلتنا مع الدكتور على فهمى خشيم، من اللقاءات الحميمية مع أساتذته، إلى سجالات المقاهي، إلى موسوعاته المرجعية، وصولًا إلى موقفه من “ثورة فبراير”، رسم لنا صورة مثقف موسوعى ظلّ وفيًّا لعقله الحر حتى آخر لحظة. لم يكن مجرد باحث فى النقوش أو اللغات، بل كان عقلًا عروبيًا مشغولًا بالهوية، مسكونًا بهاجس الوحدة، ومحمّلًا بقلق الوطن.

قد نختلف مع أطروحاته أو نتوقف عندها، لكننا لا نستطيع أن ننكر أثره فى إشعال الأسئلة الكبرى، ولا أن نتجاهل إرثه الذى بقى شاهدًا على مثقف لم يساوم، ولم يهادن، بل جعل من فكره سلاحًا، ومن قلمه خندقًا، ومن حياته رحلة بحث عن المعنى.

من مقاهى القاهرة حيث دوّى السؤال، إلى موسوعات القاهرة حيث سُطّر البرهان، وصولًا إلى شوارع مصراتة التى اشتعلت فى فبراير، تتجلى صورة على فهمى خشيم: مثقفٌ موسوعيّ لا يهادن، ولا يساوم، ولا يلوذ بالصمت. لقد خاض معارك اللغة والتاريخ بعناد العالم، ثم واجه امتحان السياسة بقلق الضمير الوطنى.
رحل قبل أن تكتمل المأساة الليبية، لكنه ترك لنا إرثًا من الكتب والرؤى، وترك قبلها ما هو أبقى: السؤال المفتوح. الخاتمة هل نستطيع أن نعيد صياغة الحلم الذى عاش ومات من أجله؟ حلم العروبة الجامعة، والثقافة التى تتخطى الحدود، والمثقف الذى يظل شاهدًا لا يغيب وصوتًا لا ينكسر
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام