سوق ومال



مصر تعيد رسم خريطة «الذهب الأبيض»..‬ القطن الملون استثمار المستقبل‬

18-9-2025 | 20:57
⢴ هاجر بركات‬

اهتمام كبير من قبل الحكومة بالقطن ضمن إستراتيجية وطنية لصناعة النسيج وتعظيم القيمة المضافة‬
ممدوح حنا: مصر نجحت فى تطوير أصناف من القطن تتمتع بإنتاجية عالية وتقاوم الأمراض‬
رشاد عبده: توجه مصر نحو زراعة أصناف القطن الملون يعظم القيمة المضافة من الذهب الأبيض

تشهد مصر حاليًا تحولًا نوعيًا فى إستراتيجية التعامل مع القطن فى إطار خطط الدولة لإحياء هذه الصناعة الحيوية، تتجه الجهود حاليًا نحو التوسع فى زراعة القطن الملون كخيار مستدام وصديق للبيئة، يسهم فى دعم سلاسل القيمة لصناعة الغزل والنسيج، ويمنح المنتج المصرى ميزة تنافسية فى الأسواق المحلية والدولية، إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على الإنتاج المحلى من القطن الملون يقلل من الضغط على الدولار، ويحقق الاكتفاء الذاتي، ويدعم خطط الدولة نحو توطين الصناعة، وتعمل الحكومة المصرية وفقا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى على تعزيز على هذه المكانة من خلال معالجة السلبيات الراهنة والبناء على مكتسبات المنظومة الحالية.‬

لم يكن القطن بالنسبة للمصريين مجرد سلعة زراعية، بل صار منذ معرفتهم به ظاهرة اقتصادية وسياسية واجتماعية متكاملة، تروى قصة بلد ينهض من قلب الأزمات .قبل نحو 200 عام قام والى مصر - آنذاك - محمد على باشا باستيراد بذور القطن - طويل التيلة - من الهند والتوسع فى زراعتها فى أنحاء قرى الدلتا والصعيد وراهن عليها كمحصول إستراتيجى يدر عوائد مالية تساعد فى مشروع بناء دولة حديثة وبمرور الوقت تغيرت أنماط الحياة وأشكال ملكية الأرض الزراعية ونشأت صناعات مرتبطة بهذا المحصول الذى يحلو للبعض وصفه بالذهب الأبيض لأهميته الاقتصادية الكبرى، وطوال سنوات الاحتلال الإنجليزى لمصر اعتمدت مصانع إنجلترا فى لانكشير على القطن المصرى، وعمد المحتل على تسخير الفلاحين المصريين لزيادة الإنتاج، لكن بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 وجلاء الاستعمار، تغيرت الحال بعد أن راهنت مصر على القطن كركيزة أساسية لدعم اقتصادها، لاسيما بعد القرارات الثورية باعادة توزيع الأراضى على صغار الفلاحين ومعها تغيرت حياتهم للأفضل وأصبح موسم جنى القطن بمثابة المصدر الرئيسى للدخل، فكان يتم تحديد موعد إتمام الزيجات وإقامة المناسبات وشراء الاحتياجات الضرورية للبيوت فى هذا الوقت من كل عام، وهناك حكايات كثيرة تروى عن تلك الفترة وعلاقة المصريين بزراعة القطن، تم توثيقها فى عشرات الكتب والقصص الأدبية، وكذلك فى أكثر من أغنية ومسلسل تلفزيونى وفيلم سينمائى‬

لكن عرش الذهب الأبيض الذى لم تغب عنه الشمس طوال النصف الأول من القرن العشرين هددته قرارات الاستيراد العشوائية للمنسوجات خلال الربع الأخير من القرن العشرين ومعها تراجع اهتمام المصانع المحلية بشراء القطن من الفلاحين لرخص ثمن المستورد تراجعت تدريجيا المساحات المنزرعة، ولكن تغيرت الحال عقب قيام ثورة 30 يونيو 2013 وتعالت طموحات المصريين فى استعادة الأمجاد.‬
وكما كان القطن ركيزة أساسية فى زمن محمد على لمشروع نهضة مصر، عاد الاهتمام الرسمى به من جديد فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، ليصبح حجر أساس للتنمية الاقتصادية فى الجمهورية الجديدة، فعملت الحكومات المتعاقبة على تحديث منظومة صناعة الغزل والنسيج وتوفير الدعم اللازم للفلاح، كى يتمكن من زراعة القطن وتصريف المحصول بسعر مناسب، وصولا الى إدخال تقنيات حديثة فى الزراعة تتوافق مع احتياجات مصانع الغزل وفى طليعتها زراعة القطن الملون والقطن قصير التيلة .‬

تحول إستراتيجى‬
ممدوح حنا، عضو شعبة القطن باتحاد الغرف التجارية، أكد أن القطن المصرى يشهد نقلة نوعية حاليًا، فى إطار توجه الدولة نحو دعم الصناعة وتقليل تصدير الخام لصالح تشغيل المصانع الجديدة، مشيرا إلى أن مصر نجحت فى تطوير أصناف محسّنة من القطن مقاومة للأمراض، وتتمتع بإنتاجية أعلى وجودة ألياف محسنة، وهو ما يدعم خطط زيادة العائد وتوفير المادة الخام لصناعة الغزل والنسيج.‬
وأضاف، قائلا: تبنت الدولة ممارسات الزراعة المتجددة التى تدعم الاستدامة البيئية وتحافظ على التربة والمياه، مؤكدا أن قرار وقف تصدير القطن الخام وتوجيهه للتصنيع المحلى يعود بعوائد اقتصادية أكبر، من خلال الاستفادة من القيمة المضافة، وزيادة تشغيل المصانع، ورفع تنافسية المنتجات المصرية عالميًا، مما يعزز مكانة مصر فى السوق الدولى ويخلق فرص عمل جديدة.‬
وتستهدف الإستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية المستدامة زيادة المساحة المزروعة بالقطن إلى 750 ألف فدان بحلول 2030، مع التركيز على الأصناف الملونة لدعم صناعات الغزل والنسيج. ويحظى القطن الملون، بمكانة خاصة فى مستهدفات خطة الزراعة المصرية خلال السنوات القادمة حيث يتميز بألوانه الطبيعية مثل البنى والذهبى والأخضر، مما يتيح تقليل الاعتماد على الصبغات الصناعية، وهو ما يخفض التكاليف البيئية والمالية للتصنيع بنسبة تصل إلى 30 %، وقد أثبتت التجارب الحقلية التى أجرتها مراكز البحوث الزراعية نجاح زراعته فى مصر، ما فتح الباب لتعميم التجربة على نطاق أوسع خلال المواسم المقبلة.‬
وتأتى هذه الخطوة ضمن خطة أشمل أطلقتها الدولة لإعادة الاعتبار إلى “الذهب الأبيض”، تبدأ من تطوير التقاوى والبذور، مرورًا بالتوسع فى أنظمة الزراعة التعاقدية التى تضمن للمزارعين هامش ربح عادلاً، وصولًا إلى تحديث حلقات التصنيع من المحالج والمغازل والمصانع.‬
ولم يعد إحياء صناعة القطن فى مصر مجرد مشروع زراعي، بل بات جزءًا من رؤية اقتصادية وصناعية متكاملة، تستهدف زيادة القيمة المضافة، وتقليل الاستيراد، وزيادة التصدير، بما يسهم فى دعم الناتج المحلى وخلق فرص عمل جديدة، ويُرسخ من جديد مكانة مصر التاريخية فى صناعة القطن على مستوى العالم.‬

الصادرات‬
تمكنت مصر فى عام 2024 من تصدير 20 ألف طن من القطن بقيمة 63 مليون دولار، واستحوذت الأصناف الطويلة على النصيب الأكبر، وتم تصدير 17.5 ألف طن من الأصناف الطويلة بقيمة 54 مليون دولار، وسجلت الأصناف فائقة الطول 2500 طن بقيمة 9 ملايين دولار. وتوزعت الصادرات على عدة أسواق رئيسية، أبرزها الهند وباكستان والصين وبنجلاديش، وتُعد الهند أكبر مستورد للقطن المصري، بنسبة 48.9 % من إجمالى الصادرات، وفقًا لبيانات اتحاد مصدرى الأقطان، وتراوحت أسعار التصدير بين 155 سنتًا لليبرة لصنف جيزة 94 و180 سنتًا لصنف جيزة 92، مما يعكس تحسنًا فى الأسعار رغم انخفاض الكميات المصدرة. كذلك ارتفعت صادرات الملابس القطنية منذ مطلع العام الجارى 2025، مع زيادة ملحوظة فى الصادرات إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والدول العربية.‬

قصير التيلة‬
تستورد مصر سنويًا كميات ضخمة من القطن قصير التيلة من دول مثل الهند والولايات المتحدة ودول آسيا الوسطى، مما يكلف الخزانة العامة ملايين الدولارات، ويجعل الصناعة المحلية عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.‬
ومن هنا تأتى أهمية التوسع فى زراعة هذا النوع من الأقطان محليًا، خصوصاً فى المناطق الجديدة مثل شرق العوينات وتوشكى، حيث تتوفر مساحات شاسعة ومناخ ملائم. وقد بدأت وزارة قطاع الأعمال العام بالفعل خطوات عملية فى هذا الاتجاه من خلال التعاون مع القطاع الخاص لزراعة القطن قصير التيلة شرق العوينات، مع توفير البذور والإشراف الفنى والمعدات من خلال شركاتها التابعة.‬
 من جهته، قال رشاد عبده، الخبير الاقتصادى، إن توجه مصر نحو إحياء زراعة القطن وزراعة أصناف القطن الملون يشكل نقلة نوعية فى إستراتيجية تعظيم القيمة المضافة من الذهب الأبيض، ويُعد هذا التوجه خطوة مدروسة لتعزيز العوائد الاقتصادية لصناعة القطن والغزل والنسيج.‬
وتابع رشاد عبده قائلا: يسهم القطن الملون فى خفض تكلفة الإنتاج الصناعي، نظرًا للاستغناء عن مرحلة الصباغة، مما يقلل من استهلاك المياه والكيماويات ويقلل الانبعاثات، وهو ما يفتح آفاقًا أوسع نحو التصدير للأسواق الأوروبية والأمريكية المهتمة بالاستدامة، وتوجيه الإنتاج لتلبية احتياجات الصناعة المحلية من القطن الملون يدعم التوسع فى الصناعات التحويلية والنسيجية، ويعزز فرص التشغيل فى المصانع الجديدة التى تنفذها الدولة فى مدينة الروبيكى ومجمع المحلة الكبرى للغزل والنسيج.‬
وأوضح، أن تقليل الاعتماد على القطن المستورد للصباغة أو التصنيع يقلل الضغط على العملة الصعبة، ويزيد من قدرة مصر على المنافسة فى الأسواق العالمية بمنتج نهائى ذى جودة عالية وتكلفة إنتاج أقل، كذلك يسهم القطن الملون فى خلق منتجات نسيجية ذات قيمة تسويقية مرتفعة مثل الملابس العضوية والبيئية، مما يمكن أن يضاعف العائد التصديرى من القطن وصناعته بدلاً من الاعتماد فقط على تصدير القطن الخام، ويدعم خطط الدولة لرفع مساهمة الصناعة فى الناتج المحلى الإجمالى وتحقيق التنمية المستدامة.‬

تعزيز الصناعة‬
يمثل التوسع فى زراعة الأقطان قصيرة التيلة فى مصر أحد الحلول الإستراتيجية لمواجهة تحديات الصناعة المحلية، وخفض فاتورة استيراد الخامات من الخارج، خصوصاً فى ظل سعى الدولة لتعميق التصنيع المحلى وتوفير العملة الصعبة. فالأقطان قصيرة التيلة تُستخدم بشكل أساسى فى الصناعات النسجية المتوسطة والعادية، وهى تمثل أكثر من 97 % من احتياجات مصانع الغزل والنسيج، بينما تغطى الأقطان المصرية فائقة الطول والطويلة نحو 3 % فقط، حيث تمثل زراعة القطن أحد المحاور الإستراتيجية لتعزيز صناعة الغزل والنسيج فى مصر، خصوصاً مع ما يشهده القطاع من تطور فى البنية التحتية والاستثمارات الصناعية.‬

 المعروف، أن القطن المصرى يتمتع بسمعة عالمية فريدة، ما يمنحه ميزة تنافسية فى الأسواق الدولية إذا تم استثماره بشكل صحيح فى التصنيع المحلى بدلاً من تصديره خاماً،  كما أن توسيع الرقعة الزراعية لأصناف القطن، خصوصاً الأصناف طويلة وفائقة الطول، يسهم فى توفير الخامات الأساسية لمصانع الغزل، وبالتالى خفض فاتورة الاستيراد من الألياف الصناعية أو القطن المستورد، كما أن التركيز على زراعة القطن الملون يفتح آفاقًا جديدة لصناعات صديقة للبيئة، ويوفر تكلفة عمليات الصباغة، ويدعم الاتجاه العالمى نحو الإنتاج المستدام.‬
وأضاف، أن دعم الدولة للمزارعين، وتطوير الممارسات الزراعية، وتوفير التقاوى عالية الجودة، كلها عوامل تعزز إنتاجية الفدان، وتزيد العائد الاقتصادى للقطاع، موضحا أن القطن يمكن أن يلعب دورًا مهمًا فى تحقيق أهداف النمو الصناعي، وزيادة الناتج المحلى الإجمالي، وخلق فرص عمل، لا سيما فى المناطق الريفية.‬
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام