بعد الهجوم الكبير الذى استهدف، وبالفعل طال قيادات من حركة حماس أثناء وجودهم فى العاصمة القطرية الدوحة، كان لابد من البحث عن الخطوات القانونية أمام قطر والدول العربية ضد إسرائيل، لاسيما أن هذا الهجوم أسفر عن مقتل مدنى قطرى لذلك لم يقرأ خليجياً فقط باعتباره تطوراً عسكرياً خطيراً، بل كرسالة سياسية مباشرة تمس أمن دول مجلس التعاون بأكمله. «الأهرام العربي» ترصد مع بعض الخبراء الخيارات المتاحة أمام قطر للرد على العدوان الإسرائيلى عبر السطور القادمة: فى البداية يتحدث د.عبد الرزاق غراف، باحث أول بمركز الخليج للأبحاث، قائلا: بعد العدوان الإسرائيلى على العاصمة القطرية الدوحة والذى تجاوز كل ضوابط القانون والعرف الدولي، وكذلك مفهوم السيادة الذى ظل راسخا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كمحدد مقدس فى العلاقات الدولية، تتضاعف مخاطر وتوابع ذلك، لكون ما حدث هو اعتداء رسمى على دولة "وسيطة" شكلت محور المحادثات غير المباشرة لإنهاء الحرب فى غزة. ويمضى د. غراف فى حديثه قائلا: من جهة أخرى فإن ما حدث ضمنيا ليس اعتداء على دولة قطرفحسب، إنما هو اعتداء على المنظومة الخليجية، وكذلك على منظومة الحلفاء الإستراتيجيين للولايات المتحدة، على النحو الذى جعل الإدارة الأمريكية تبدو عاجزة عن ضبط السلوك الإسرائيلى، وضبط الإيقاع بين حدود التوافق والتباين الفاصل بين المصلحة الأمريكية ونظيرتها الإسرائيلية فى المنطقة، وهو ما سينعكس حتما على قدرة الولايات المتحدة مستقبلا على إدارة التناقضات البينية داخل منظومة حلفائها الإستراتيجيين ضمن دوائر إستراتيجية أخرى. ويؤكد د. عبد الرزاق غراف، أنه بالنظر لمحدودية المزايا الناتجة عن الجهود الدبلوماسية المكثفة التى قادتها دولة قطر مدعومة بالكتلة العربية ونظيرتها الإسلامية لغاية الآن، حيث لم تفض هذه الجهود إلا للحدود الدنيا المرغوب فيها، وكان أقصى ما تم تحصيله فى هذا الإطار بيان مجلس الأمن الذى "أدان الاعتداء ولم يدن المعتدي"، إلى جانب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول مشروع "حل الدولتين"، فى حين ليس من المنتظر أن تتضمن مخرجات قمة قطر المنتظرة قرارات، تغير من الواقع الراهن بشكل يعيد بناء قوة الردع العربى المباشر، على النحو الذى يلجم إسرائيل، ويعيد لحكومتها شيئا من العقلانية المفقودة. ويستكمل حديثه قائلا: حتى فى ظل الحديث المتصاعد حول إعادة إحياء فكرة "الناتو العربي"، إلا أن المتابع سيجد أن ذات الأسباب التى ساهمت فى وأد هذا المشروع سابقا، ما زالت متوافرة حاليا، ولا يوجد ما يشير لتجاوزها مستقبلا على المدى المنظور، ومنه فإن هذه الفكرة حتى لو افترضنا وجود إرادة سياسية فعلية لتبنيها إلا أن الواقع العسكرى الراهن وميزان القوى، سيعيقان تنفيذ الفكرة بشكل فعال خارج الأطر الصورية المعتادة. ويشير د. غراف إلى أنه فى ظل انحصار أدوات الردع للطرف العربى وضيق أفق المكاسب المنتظرة من الجهود الدبلوماسية، التى لم تؤل للفشل فحسب، بل زادت من تعنت إسرائيل وحكومتها الراديكالية التى أصبحت فى موقع خارج السيطرة ومنه خارج أية استجابة محتملة للضغوط. ويضيف قائلا: فى ظل هذا الوضع تبرز الخيارات القانونية كإحدى أهم الأوراق التى يتحتم تفعليها على الأقل فى ظل الظروف الراهنة، وإن كان لهذا المسار ما يعيبه هو الآخر لاسيما بالنظر لحالات سابقة وفى مقدمتها الحكم السابق للجنائية الدولية ومذكرة التوقيف ضد رئيس الوزراء الإسرائيلى وثلة من وزرائه، إلا أنه وفى ظل شح البدائل، يبدو البديل القانونى أحد أكثر البدائل المتاحة حاليا، إن لم يكن الوحيد القادر على نيل أقصى مستويات الإجماع والدعم الدولى حوله، رغم علم الجميع بمحدودية تأثير هذا البديل على أحداث ومستجدات حاسمة على المشهد الراهن. ويؤكد د.غراف إن بسبب ما وقع كلفت القيادة القطرية فريقا قانونيا لمتابعة هذا الملف، وقد أجرى الفريق نقاشات واسعة حول المسارات القانونية المتاحة أمام التحكيم الدولى، ويضيف قائلا: وبرغم الاجتهاد مع صراحة النص كون القانون الدولى واضحا فى هذا الشأن، ويعاقب على ما يمس بسيادة الدول بشكل صريح، وانطلاقا من أن ما حدث هو اعتداء على دولة ذات سيادة من طرف دولة مارقة اعتادت على الإفلات من العقوبة، ورغم جلل الحدث الراهن إلا أن مسألة الإفلات من جديد من العقاب هو أمر وارد، ومنه فإن اختيار المسار الأنسب من جملة المسارات المطروحة للنقاش يبقى أولوية المرحلة المقبلة، وبغض النظر عن من هو المستهدف من الشكوى، وهل سينحصر فى القيادة السياسية الإسرائيلية أو فى دولة إسرائيل أم لا؟ فضلا عن الجهة التى سيقدم لها ملف الشكوى إلا أن تعزيز الملف بالحضور العربى الإسلامى المباشر كداعم للقضية من شأنه أن يزيد من ثقل الملف المطروح، وذلك انطلاقا من كون القضية قضية عربية إسلامية ذات بعد عالمى أكثر مما هى قضية قطرية، والأكثر من كل هذا ألا يغنى هذا المسار القانونى الطرف العربى عن باقى المسارات، وفى مقدمتها إعادة تفعيل ما تم التفريط فيه سابقا من أوراق وأدوات قوة، كونه ذات التفريط الذى ساهم فى تصاعد الوهم اللا عقلانى للقوة لدى صناع القرار فى تل أبيب بالقدرة على الفعل وقت ما يشاءون، اقتناعا منهم بعدم وجود أى إرادة مهما كان مصدرها قادرة على لجمهم وضبط حدود سلوكهم. ويرى د. أحمد ميزاب الخبير فى الشئون الإستراتيجية والأمنية، أن الهجوم الذى استهدف قطر وأسفر عن مقتل مدنى قطرى، يفتح الباب أمام مسارين قانونيين مختلفين لكنهما متكاملان، وهما تحميل كيان إسرائيل المسئولية أمام محكمة العدل الدولية، وملاحقة قادة سياسيين وعسكريين أمام المحكمة الجنائية الدولية. ويستكمل حديثه قائلا: وهذا يتمثل فى المسار الأول عن طريق محكمة العدل الدولية لأنها الإطار القضائى لحل النزاعات بين الدول، لكن ليست كل الدول العربية تعترف بإسرائيل، كذلك يمكن طلب تدابير احترازية عاجلة لوقف اعتداءات إضافية، كما يمكن لاحقا المطالبة بتعويضات عن الأضرار. إلا إن التحدى الأساسى يتمثل فى إثبات الولاية القضائية، أى وجود أساس معاهدى يمنح المحكمة صلاحية النظر فى القضية، مثل اتفاقية منع الإبادة أو التزامات دولية أخرى. فهذه المسارات طويلة نسبيا لكنها تمنح بعدا قانونيا وسياسيا قويا يرسخ مسئولية الجهة المعتدية. ويضيف: أما المستوى الثانى فهو إن المحكمة الجنائية الدولية، وهى تختص بمحاسبة الأفراد عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة. وهنا يمكن استهداف مسئولين بعينهم مثل رئيس الحكومة ووزير الدفاع باعتبارهم أصحاب قرار فى العمليات العسكرية. و لدى المحكمة حاليا تحقيقات مفتوحة تخص الأراضى الفلسطينية، وهناك بالفعل مذكرات توقيف معلنة ضد قيادات إسرائيل، ما يعزز إمكانية إدماج القضية القطرية فى المسار القائم. ويتابع: هذه الخطوة العملية تبدأ بتقديم ملف للمدعى العام، يتضمن أدلة مادية وشهادات وتقارير طبية ووثائق رسمية. والإيجابية الكبرى لهذا المسار أنه يحاصر المسئولين شخصيا، ويقيد حركتهم الدولية، لكنه يظل رهينا بمدى تعاون الدول فى تنفيذ مذكرات التوقيف، ويأتى المستوى الثالث وهو الجمع بين المسارين، حيث لا توجد مفاضلة صفرية، فالمساران متكاملان أى محكمة العدل الدولية لتثبيت مسئولية إسرائيل. والمحكمة الجنائية الدولية لمساءلة الأفراد. وهذا الجمع يعزز الضغط السياسى ويمنح قطر والدول العربية أدوات قانونية متعددة، خاصة إذا ترافق مع تحرك دبلوماسى فى الأمم المتحدة والجامعة العربية. ويمضى ميزاب فى حديثه قائلا: لكن إذا أردنا التحدث عن الخطوات العملية، يستوجب توثيق شامل للأدلة وحفظها وفق معايير مقبولة دوليا.و التوجه نحو رفع احتجاج رسمى واستدعاء سفير إسرائيل لدى الدول التى تجمعها علاقات معهم. وبعدها تقديم بلاغ عاجل للمدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية. ويشير خبير الشئن الإستراتيجية إلى أن التنسيق مع دول عربية أو مع دول أطراف فى معاهدات دولية لرفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية أمر مهم جدا، بالإضافة للتعبئة الدبلوماسية فى مجلس الأمن والجمعية العامة لدعم المسار القضائى وإضفاء شرعية دولية على المطالب القطرية. ويمضى فى حديثه قائلا: إذن الخيار الأكثر فاعلية ليس الاكتفاء بمحكمة على حساب أخرى، بل إطلاق مسارين متوازيين. الأول ضد الكيان الإسرائيلى فى محكمة العدل الدولية لإثبات المسئولية الدولية وطلب تعويضات، والثانى ضد القادة فى المحكمة الجنائية الدولية لإرساء مبدأ المسائلة الفردية و الجمع بينهما، مدعوما بعمل دبلوماسى نشط، هو ما يمنح التحرك العربى ثقله الحقيقي. ويؤكد د.محمد هدير أكاديمى ومحلل سياسى، أن ما أقدمت عليه إسرائيل من خلال حربها على غزة يعتبر جريمة متكاملة الأركان، حيث عمدت إلى قتل الأطفال والنساء وكبار السن وهذا متفق عليه فى اتفاقية جنيف إضافة إلى ذلك تعذيب المساجين واستعمالهم كدروع بشرية، ثم دفنهم أحياءً، وهو ما يتنافى وحقوق الأسرى حسب اتفاقيات جنيف،كذلك تلويث البيئة من جراء الأجساد الملقاة فى الشوارع. وهو انتهاك صارخ لحقوق الموتى والأحياء. ويضيف قائلا: أما التهجير القسرى الذى يتعرض له سكان غزة خاصة وفلسطين عامة هو اعتداء صارخ، وارتكاب مجازر فى وضوح النهار، دون حياء هو كذلك يبرهن على أن إسرائيل دولة متوحشة وخارجة عن القانون الدولى والأخلاقى، وقد يؤدى هذا إلى انهيار النظام الدولى، مما جعل بعض الدول تسارع إلى عقد جلسات لمحاسبة إسرائيل عن ما اقترفته ضد شعب أعزل، وعلى رأسها دولة جنوب إفريقيا. ويرى د. هدير أنه بالرغم من أن المحاكمة غير ملزمة إلا أنها ساهمت فى زعزعة استقرار صورة إسرائيل التى كانت تسوق لها عبر نصف قرن على أنها دولة مظلومة ومفترى عليها. ويضيف قائلا: لكن هذه الحرب بينت الصورة الحقيقية لإسرائيل فراحت تقصف يمينا وشمالا، من غزة إلى لبنان ثم إيران باعتبارها راعية لحزب الله فى لبنان، ثم سوريا وذلك بالرغم من أن نظام الأسد انتهى، وظهر نظام جديد يوفر الأمن لإسرائيل أكثر مما تتوقع، إلا أنها تعرفت إلى قصف عنيف بحجة تدمير ذخيرة السلاح،ثم اليمن الذى يعيش فى حروب داخلية أنهكت الدولة والشعب، كل هذا يدخل فى إطار أن إسرائيل تريد تجفيف منابع ومحاور المقاومة. ويرى المحلل السياسى أن ضرب الدوحة هو اعتداء صارخ على دولة راعية للسلام، وتحرص على الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وتسليم الرهائن، وتتعرض إلى قصفين فى ظرف وجيز وهما قصف إيرانى وقصف إسرائيلى، إنه إرهاب دولة، يجب على دولة قطر تفعيل الجامعة العربية والاتحاد الأوروبى وكل المنظمات الدولية والإقليمية، من أجل محاسبة إسرائيل كدولة غاصبة ومعتدية، وفاشلة، تريد تبرير الفشل فى ضرب الأبرياء. ويستكمل حديثه قائلا: لاسيما أن الهدف من هذه الضربات للعواصم نستخلص أهمها وهى أن إسرائيل دولة لا تؤتمن، لأنها دولة منتهكة للحقوق والأعراف الدولية، لذا يسيطر عليها الخوف والرعب من الفناء، لذلك تضرب عشوائيا باقى الدول الأخرى.